دروس عمدة الفقه - رقم 62

باب الخيار ( لم يراجع من قبل الشيخ )


باب الخيار ( لم يراجع من قبل الشيخ )






كتاب البيوع

P

قال المصنف رحمه الله : [ باب الخيار ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين ؛ أما بعد :

الخيار : النظر في خيري الأمرين، وأصلحهما ، فإذا نظر في الشيء لكي يعرف الأصلح فيه هل يأخذه أو يتركه فقد تخير، وإذا جعل له ذلك النظر فقد خيّره، فالخيار جعلُ النظر لخيري الأمرين، والأمران هما في البيع : إما إمضاؤه، وإما فسخه . وإذا قلنا باب الخيار في البيع بمعنى أنه يُجعل للبائع والمشتري أو لأحدهما حق النظر في إمضاء البيع أو فسخه ، مثال ذلك : لو باعه شيئا ثم تبيّن أن المبيع فيه عيب فحينئذ يكون للمشتري إذا توفّرت شروط العيب المؤثّر نقول للمشتري أنت بالخيار بمعنى إما أن تختار إمضاء البيع وبقاءه، وإما أن تختار فسخه .

إذا اختار الإمضاء أو اختار الفسخ فإنه في هذه الحالة يعني حقه، إذا وجد العيب وقال ما أريد، أريد مالي من حقه ، ما لم يكن بيعا على الموصوف في الذمة ، على ما هو المعروف في التفصيل.

أما من حيث الأصل فالخيار يجعل للمتعاقدين أو أحدهما حق النظر في الإمضاء والفسخ.

الخيار أنواع : هناك خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار التدليس، وخيار التخبير في الثمن، وخيار اختلاف المتبايعين .  هذه ستة أنواع ذكرها المصنف رحمه الله في هذا الباب .

وباب الخيار هو نوع من أنواع البيوع الخاصة ، فالبيوع تنقسم في أحكامها إلى أحكام عامة وإلى أحكام خاصة ، فعقد البيع فيه شروط تتعلق بالبيوع عموما، وفيه شروط تتعلق بأفراد البيوع . كل بيع على حدة .

فالبيوع العامة شروطها تقدمت ، والبيوع الخاصة تذكر بعد البيوع العامة .

فالبيوع الخاصة تنقسم إلى قسمين :

بيوع مشروعة ، وبيوع ممنوعة .

فالبيوع المشروعة الخاصة مثل بيع الخيار وبيع الصرف بيع السلم ، بيع المرابحة، هذه كلها بيوع خاصة مباحة شرعا .

وهناك بيوع خاصة محرمة شرعا مثل بيع الربا بيع العينة بيع الملامسة بيع المنابذة كما تقدم معنا .

فالمصنف رحمه الله بعد أن ذكر الأحكام العامة للبيع شرع في بيان الأحكام التي تخص كل بيع على حدة ، وهذا ترتيب منطقي؛ لأنك تذكر الأحكام العامة كأصول ، ثم تبني عليها وتقول مثلا بيع السلم يشترط في صحته ما يشترط في البيع أصلا ، ويزاد على ذلك كذا وكذا وكذا ، فإذاً البيوع الخاصة تأتي بعد ذكر البيوع العامة .

يقول رحمه الله : [ باب الخيار ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالخيار في عقد البيع .

الخيار يقع في العقود اللازمة، والعقود في الشريعة تنقسم عقود المعاوضات تنقسم إلى قسمين : عقود لازمة ، وعقود جائزة ، والعقد اللازم هو الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه إلا برضى الطرف الآخر ، وأما العقد الجائز فهو الذي يملك فيه كل واحد من الطرفين فسخه سواء رضي الآخر أو لم يرض سواء عنده عذر للفسخ أو ليس عنده عذر ، مثال ذلك لو قال له : بعتك سيارتي بعشرة آلاف ريال قال قبلت وأعطاه العشرة آلاف وأخذ السيارة ثم انطلق بها وافترقا ، ثم رجع البائع وقال أعطني سيارتي ما أريد أبيع أو رجع المشتري وقال: أعطني العشرة آلاف ما أريد سيارتك؛ قلنا العقد لازم ولا يجوز لك أن ترجع إلا إذا رضي البائع أن يقيلك أو رضي المشتري أن يعطيك ويفسخ البيع ، إذاً هذا العقد اللازم، لو قال له أجرتك شقتي بعشرة آلاف ريال ، قال قبلت ثم بعد ما اتفقا وافترقا عن المجلس رجع صاحب الشقة أو رجع المستأجر نقول هذا عقد لازم لا يملك أحد الطرفين فسخه إلا إذا رضي الطرف الآخر ، هذه العقود اللازمة .  من أمثلة العقود اللازمة البيع والإجارة والنكاح هذه عقود لازمة .

وأما العقود الجائزة فهي تنقسم إلى عقود جائزة في أول حال وثاني حال ، وإلى عقود جائزة قد تؤول إلى اللزوم ، العقد الجائز؛ إما أن يكون جائزا في أول حال وثاني حال جائزا دون تخصيص، وإما أن يخص جوازه في أول حال ولكنه يؤول إلى اللزوم .

 فأما العقد الجائز في أول الحال وثاني الحال فمثل الشركة، لو أن اثنين اشتركا ودفع كل واحد منهم مليون وكونوا الشركة وبدأت الشركة ثم جاء أحدهم وقال: أنا أريد فسخ الشركة من حقه ، سواء عنده عذر أو ليس عنده عذر ، والعكس أيضا جاء الطرف الثاني بعد مضي الشركة وقال: أريد فسخ الشركة من حقه سواء ذكر العذر أو لم يذكر هذا جائز للطرفين ، وقد يكون جائزا في أول حال مثل الشركة مثل المضاربة القراض مثلا لو أعطاه مائة ألف قال له خذ هذه المائة ألف واضرب بها في الأرض والربح بيني وبينك ، قال: قبلت فأخذ المبلغ ثم ضارب ثم يوم من الأيام قال صاحب المال أعطني المال نريد أن نفسخ ، أو قال العامل ما أريد أن أستمر أريد أن أفسخ من حقهما ، ولا يشترط إذن الطرف الثاني هذا العقد الجائز، ثم هذا الجائز يكون جائزا كما ذكرنا في أول حال وثاني حال كالشركات والمضاربة والوديعة والوكالة ، ويكون جائزا في أول الحال يؤول إلى اللزوم مثل السبق، فلو قال مثلا في وضع الجائزة للمتسابقين من خارج عنهما وهي الصورة الجائزة فلو قال تسابقا فمن سبق منكما فله مني عشرة آلاف ريال، ففي البداية إذا قال من سبق منكما فله عشرة آلاف له أن يقول لا رجعت ما أريد أن أعطيكم ، وأيضا لو قالا رضينا ثم أرادا أن يسابق ثم قال أحدهم ما أريد أن أسابق أو قال الاثنان ما نريد أن نسابق من حق هذا وحق هذا ، لكن إذا شرعا فحينئذ يؤول إلى اللزوم ، ويكون اللزوم في حق أحد الطرفين وهو الباذل للسبق ، فهذه من أمثلتها . الجعالة لو قال من وجد سيارتي المفقودة أعطيه عشرة آلاف ريال ، في البداية هذا الكلام قال شخص: أنا سأبحث لك عنها وإذا وجدتها آخذ العشرة آلاف قال قبلنا وتم العقد بينهما ثم أراد أن يفسخ الذي عرض صاحب السيارة أو أراد أن يفسخ العامل الذي يبحث من حقه، لكن لو شرع ووجد مثلا السيارة وأراد أن يوصلها مثلا إليه فقال بعد وجوده ومقاربة حصوله عليها قال له: لا فسخت لم يكن من حقه ، كالسبق فالمقصود من هذا أن الخيار يقع في العقود اللازمة لأنها هي التي يحتاج فيها إلى الخيار ، أما العقود الجائزة فهي جائزة من أساسها فالأمر فيها واسع ، يقول المصنف رحمه الله : [ باب الخيار ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بالخيار في عقد البيع .

قال رحمه الله : [ البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما ] : البيعان بالخيار: البائع والمشتري بالخيار لهما النظر في خيري الأمرين (ما لم يتفرقا) هذه الجملة قطعة من حديث رسول الله –r- في الصحيحين عن عبدالله بن عمر وحكيم بن حزام –رضي الله عن الجميع- أنه قال عليه الصلاة والسلام : (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا )) فنص على أن الخيار ثابت للمتعاقدين بشرط أن لا يقوما عن مجلس العقد ، وكذلك جاء في حديث حكيم الزيادة : (( فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما )) هذا الحديث يدل على مشروعية خيار المجلس، ولذلك قال [بأبدانهما] ، ومعنى الحديث أن كلا من البائع والمشتري له الحق أن يلغي الصفقة وأن يبقيها ماداما في مجلس التعاقد ، فإذا جلسا في غرفة أو في مكتب أو في معرض أو في صالة فقال له: بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف قال: قبلت ولو أعطاه الثمن ولو قبض الآخر المثمن فإن كل واحد منهما له حق النظر في الفسخ أو الإبقاء ؛ سواء فسخ بعذر أو بدون عذر ، قال له: هذه غرفة النوم أبيعك إياها بعشرة آلاف ريال قال: قبلت وأعطاه العشرة آلاف ريال ثم قبل أن يفارقه قال: ما أريد من حقه له الحق ماداما في مجلس العقد ، وهذا أمر يجهله كثير من الناس، فهذه رحمة من الله جعلها للمتعاقدين ، لو جاء في سيارة، وقال هذه السيارة أبيعها لك بعشرة آلاف ريال قال: قبلت فهما بالخيار وأعطاه العشرة آلاف وقبضها أو كتبوا العقد فأتموا الصفقة فقال البائع: ما أريد أعطني سيارتي، أو قال المشتري ما أريد أعطني فلوسي أو نقودي من حقه؛ سواء كان عنده عذر أو لم يكن عنده عذر ؛ لماذا ؟ لأن هذا الخيار جعله الشرع وهو خيار حكمي حكم به الشرع لا يملك المكلف إلغاءه في الأصل يعني كحكم شرعي إلا إذا كان اتفقا على عدم الخيار ، فهذا أمر آخر لكن من حيث الأصل (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا )) نص حديث رسول الله –r- ما لم يتفرقا هذا التفرق بالأبدان، فإن كانا في غرفة يخرج أحدهما إن كانا في صالة فأعطى أحدهما الآخر ظهره وقيل حتى يتوارى عن نظره فقد فارقه فنص المصنف –رحمه الله- على أن الافتراق بالأبدان لكي يرد على قول من قال إن الافتراق بالأقوال .

ومذهب طائفة من أصحاب النبي –r- ومن بعدهم من الأئمة على ثبوت خيار المجلس؛ لثبوت السنة لحديث عبدالله بن عمر وحكيم بن حزام وأبي برزة الأسلمي وعبدالله بن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو عبدالله بن عمرو بن العاص كلها تدل على مشروعية خيار المجلس ، والافتراق يكون بالأبدان لا بالأقوال ، وهذا هو مذهب طائفة من السلف منهم سعيد بن المسيب من فقهاء المدينة وابن أبي ذئب وكذلك الحسن البصري وكذلك الأوزاعي فقيه الشام والليث بن سعد فقيه مصر وهو مذهب طائفة من السلف كعبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي ثور إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي وهو مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث وطائفة من أصحاب الإمام مالك الحافظ بن عبدالبر واختاره ورجحه، وكذلك غيرهم من الأئمة لأنهم رأوا أن السنة تدل على ثبوت هذا النوع من الخيار .

 قال بأبدانهما لكي يرد على قول من قال إن الافتراق في الحديث بالأقوال، يعني المتساومان لهما حق الرجوع حتى يثبتا على سعر واحد ، وهذا معنى كما ذكر العلماء مردود؛ لأنه معلوم بداهة أن البيع إذا كان في حال السوم لم يقع أصلا ، ولذلك هم يقولون سماهما متبايعين من باب المجاز لما يؤول إليه الأمر ، والعرب تسمي الشيء بما يؤول إليه ، وهذا ضعيف؛ لأن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز.

 ثانيا: أن الافتراق على الظاهر بالأبدان .

ثالثا : أن الصحابي راوي الحديث فسره بافتراق الأبدان كما فسره ابن عمر وفسره أبو برزة –رضي الله عنهما وأرضاهما- فيضعف هذا القول والعمل عند أهل العلم على أن المراد بالافتراق افتراق الأبدان لا افتراق الأقوال .

قال رحمه الله : [ فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع]: [فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع] تفرقا عن بعضهما والصفقة كما هي سواء في عقار أو منقول، وأتما الصفقة فليس من حق أحدهما أن يرجع إلا برضى الطرف الثاني ، لو قال له بعتك عمارتي بمليون قال قبلت وافترقا عن مجلس العقد ثم جاء وقال ما أريد أن أبيع العمارة قال إذاً أقلتك هذا من حقه ، لكن ليس ملزما بالإقالة ؛ لأن هذا راجع إلى رضى الطرفين .

قال رحمه الله : [ إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة ] : يستثنى في بيع الخيار أن يقطعاه من البداية أو يقطعه أحدهما فيقول مثلا لو قال لك أبيعك سيارتي هذه بعشرة آلاف ريال تقول له ولا خيار لك؛ لماذا لأنه في بعض الأحيان تريد أن تقبض السيارة مباشرة وتبيعها، فإذا بقي على خياره ما تستطيع في بعض الأسواق الأوراق النقدية ونحوها كالصرف تحتاج قد تكون كلكم في مجلس واحد فتشتري من هذا ثم تبيع لهذا وتأخذ من هذا وتبيع للآخر فتحتاج إلى أن تبت البيع فتشترط أسقاط الخيار وقد بين النبي –r- ذلك بقوله : (( إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر )) فهذا يدل على أنه يسقط الخيار إذا اشترط عليه إسقاطه .

قال رحمه الله : [ إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة ] : هذا النوع الثاني وهو خيار الشرط، النوع الأول خيار المجلس ، والنوع الثاني خيار الشرط ، وخيار الشرط أن يشترط أحدهما لنفسه شرطا مثلا يقول: أنا بالخيار ثلاثة أيام قبلت البيع ولكن لي الخيار إلى يومين أريد أن أشاور والدي أريد منك مثلا أسبوع على القول بأنها أكثر من ثلاثة أيام ، فله ذلك ، خيار الشرط ثابت بالسنة في قوله –عليه الصلاة والسلام- لمنقذ –t- : (( إذا ابتعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثا)) فأثبت النبي –r- له الخيار ثلاثة أيام ، فهذا يدل على مشروعية خيار الشرط ، لكن العلماء يختلفون هل هي ثلاثة أيام أو أكثر من ثلاثة أيام في خلاف بينهم وإن كان الظاهر من جهة النظر مذهب من يقول أكثر من ثلاثة أيام أقوى ومن جهة الأثر التخصيص بثلاثة أقوى .

قال رحمه الله : [ إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة فيكونان على شرطهما ] : [يكونان على شرطهما] مثل ما ذكرنا؛ لأنه إذا قال لي الخيار ثلاثة أيام له حقه. هناك خلاف بين العلماء –رحمهم الله- .

بعض أهل العلم يرى أن منقذ خصه النبي –r- بهذا فيختص بالثلاثة الأيام .

ومن أهل العلم من يقول إن الأصل وجود الحاجة، بمعنى أنك في بعض الأحيان تبيع السلعة وأنت تخاف أن موافقتك عليها فيها ضرر، فتريد أن تشاور مثلا أهل الخبرة أو تخاف في ربحها في بعض الأحيان يعرض لك الشخص السلعة ويذكر لك أشياء تغريك بشرائها فيقول لك هذه السلعة مربحة أو هذه الصفقة فيها خير لك، وقد يكون في ظاهر حاله صادقا يعني رجل قد تثق فيه في ظاهر حاله، لكن تحتاج أن ترجع إلى من تثق فيه أكثر، وقد يكون رجل ما عنده خبرة يعني رجل يخبرك على حسب علمه، وهو صادق وتعرف فيه الصدق لكن تحتاج أن ترجع إلى من هو أكثر خبرة منه ، ففي هذه الحالة ما تستطيع أثناء المجلس أن تبت الأمر ولا تستطيع أثناء مجلس العقد أن تحسم بأنك قد اخترت البيع وأنك رضيت بما ذكره الرجل ، فتحتاج أن ترجع إلى من هو أعلم أو أعرف أو عنده خبرة، وحينئذ تعمل بقوله فتقول: أريد الخيار ثلاثة أيام إذا جعلا مدة في الخيار لا تخلو من حالتين : إما أن تكون محددة، وإما أن تكون مطلقة ، فإذا كانت مطلقة على سبيل الغرر والإبهام فهذا لا يجوز عند الجميع كما حكى بعض العلماء الإجماع عليه مثل أن يقول له مثلا لي الخيار إلى هبوب الريح أو نزول المطر أو موت فلان هذا يعتبر باطل ، لكن إذا حدد مدة إما أن تكون ثلاثة أيام فأقل أو تكون أكثر من ثلاثة أيام ، فإن كانت ثلاثة أيام فلا إشكال وإن كانت فوق الثلاثة الأيام ففيها خلاف بين العلماء، والحقيقة مذهب من يقول أنه ما فوق الثلاثة الأيام تحديد الثلاثة أيام مذهبه أقوى أثرا ، ومذهب من يقول أكثر من ثلاثة أيام أقوى نظرا؛لأنه نظر إلى علة الحديث، وعلة الحديث هي دفع الضرر عن أحد المتعاقدين في الاستعجال بالإنعام وقبول الصفقة ، وحينئذ يكون إعطاء المهلة أكثر أبلغ .

قال رحمه الله : [ فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه ] : فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة دليل على أنه لا يتقيد بثلاثة أيام ، إلا أن يقطعاه صورة المسألة اتفقوا على أنه يكون له الخيار عشرة أيام، فخلال العشرة مثلا قد يكون من الطرفين يقول البائع: أبيعك هذه العمارة بمليون على أن لي الخيار عشرة أيام ، أو أرد عليك بعد عشرة أيام بالبت أو عدمه ، يقول المشتري: وأنا لي عشرة أيام اتفقوا على عشرة أيام، إذا اتفقوا على العشرة الأيام لو جاء أحدهم أثناء العشرة الأيام قبل تمامها، فجاء مثلا في اليوم الخامس أو جاء في اليوم السابع أو جاء في اليوم الثامن قبل تمام المدة المتفق عليها بين الطرفين وقال: أنعمت البيع أريد البيع قال الآخر إذا أنا نفس الشيء أريد أن أقطع البيع، وحينئذ ينقطع إلا أن يقطعاه ويكون القطع برضى الطرفين .

قال رحمه الله : [ وإن وجد أحدهما بما اشتراه عيبا لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب ] : هذا النوع الثالث من الخيارات وهو خيار العيب، والعيب في لغة العرب النقص.

 وأما في الاصطلاح: فهو نقصان المالية نقصانا مؤثرا ، بمعنى أن السلعة إذا وجد فيها شيء يوصف بكونه عيبا، هذا الشيء لو عرضت السلعة خالية منه كانت قيمتها كاملة ، ولو عرضت وفيها هذا العيب أنقصها نقصانا مؤثرا ؛ لأنه في بعض الأحيان ينقصها نقصانا غير مؤثر الشيء التافه واليسير يعني لو كان باعه عمارة بمليون، وهذا الشيء قيمته مثلا خمسين ريال، ما يعتبر عيبا ذي بال بالنسبة للمبيع ، فإذاً حده عند العلماء أن ينقص المالية القيمة، ولذلك ضبطوا العيب في البيوع نقصان المالية نقصانا مؤثرا ، يكون العيب حسيا مثل أن يكون مثلا في الحيوانات يبيعه الدابة، فيتبين أنها عرجاء أو شلاء أو مقطوعة، أو مريضة ، ويكون العيب معنويا يعني غير محسوس مثل الجنون كما كان في بيع الرقيق في القديم، يتبين أنه مجنون، والدابة جموح يعني كلما يركب عليها تنفر هذا عيب مؤثر لكنه عيب نفسي ، والعيب النفسي يقع في الحيوانات، وذكروا أنه قد يقع حتى في العقارات. ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله منه سكنى الدار أن تكون مسكونة بالجن، وهذا ثابت ومعروف، فإذا ثبت أنها مسكونة بالجن كان له حق الفسخ ، وهذه العيوب لابد أن تكون مؤثرة، ثم العيوب تنقسم إلى قسمين : عيوب تستحق لكونها منقصِة للمالية ، وعيوب يستحق بها الرد ويستحق بها الخيار إذا اشترط أضدادها ، وهذا النوع من العيوب الثاني كمالات يكون في الصفات الكاملة . أما الأول فيكون في الصفات الأساسية، يعني مثلا العيب في الأساس نقصان المالية، فلو باعه سيارة وتبين أن السيارة لا تمشي ، ولا تسير، فهذا عيب مؤثر، فله الخيار ومن حقه الفسخ ، هذا العيب وهو عدم مشي السيارة؛ لأن المقصود من السيارة ركوبها وقضاء المصالح والعيب مؤثر فيها، ويؤثر في قيمتها بل قد لا تباع أصلا ، إذاً هو مؤثر ، قد يكون العيب عيب كمال، مثلا وجود المسجل في السيارة ليس بمؤثر في سيرها ، وليس بمؤثر في قضاء المصالح عليها ، لكن هذا العيب عيب كمال، الأفضل في السيارة أن يكون فيها مسجل ، فعيب الكمال لا يؤثر إلا إذا اشترطه أو جرى به العرف ، اشترطه فقال: أشترط أن تكون السيارة فيها مسجل ، أشترط أن تكون الدابة سريعة وهِمْلاجة ، وأن البيت فيه مثلا أشياء معينة من المواصفات لون حيطانه كذا أو يكون مثلا على تفصيل ممتاز أو نحو ذلك ، هذه كمالات والدار كاملة وموجودة حيث يمكن قضاء المصالح منها لكن هذه الأشياء فيها كاملة يعني تجعلها في مرتبة الكمال ، السيارات مثل ما يعرف في الأعراف الآن الفل الكامل مثلا تكون جميع مواصفاتها على أفضل مواصفات ، فمن كونها مثلا هذه السيارة على هذه المواصفات واتفق معه على أنها بهذه الاسم مثلا معروف عرفا أن هذا الوصف فل كامل فيه أربعة أو خمسة أشياء مثلا الزجاج أن يكون بالكهرباء في السيارة فوجد أن الزجاج باليد من حقه أن يرد ؛ لأنه استحقه بالشرط ، مع أن السيارة إذا كان زجاجها باليد ليس بعيب مؤثر في السيارة ، فالشاهد من هذا أن العيب يكون مؤثرا إذا أنقص المالية ، فإن كان كمالا يكون مؤثرا بأحد أمرين الشرط والعرف ، مثلا لو أنه باعه دارا ليست فيها كهرباء هذا عيب لكن إذا كانت الدار خارج المدينة أو في موضع في الأصل لا يتيسر وجود الكهرباء إلا في حالات خاصة ، إذا العرف جرى على أن وجود الكهرباء غير مؤثر ، لكن لو باعه داخل المدينة فالعرف جار بوجود هذا الشيء ، إذًا هذا الكمال وهو وجود الكهرباء فيها أو مثلا التلفون أو الأشياء المواصفات الموجودة في العمائر والعقارات يكون فقدها مؤثرا إذا كانت كمالا إذا جرى بها العرف ، وأما إذا لم يجر العرف بوجودها فإنها لا تستحق إلا بالشرط. يقول" أشترط أن يكون في البيت مثلا تلفون أو يكون في موضع فيه كهرباء وماء وتلفون حينئذ إذا لم يجد شرطه كان له الخيار .

قال رحمه الله : [ وإن وجد أحدهما بما اشتراه عيبا لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب ] : أولا : أن يكون هناك عيب مؤثر.

 ثانيا : أن لا يكون المشتري قد علم به ، فإذا أطلعه البائع على أن السيارة فيها خلل في مكينتها أو فيها خلل في جهاز دفعها وقال له هذا العيب موجود فيها وأطلعه على العيب فليس من حقه أن يرد.

وثالثا: أن يكون هذا العيب موجودا قبل العقد أو أثناء العقد، فإذا طرأ العيب بعد العقد لا يؤثر ، فلو باعه السيارة بدون عيب ثم طرأ العيب بعد ذلك لا يؤثر إلا في حالة واحدة وهي أن يكون هذا العيب ناشئا من خلل قبل العقد، إذا وجد ذلك أثر وإلا فلا .

قال رحمه الله : [ فله رده أو أخذ أرش العيب ] : له رد السلعة أو أخذ الأرش الأرش الفرق بين القيمتين إذا كان مثلا السيارة بالعيب قيمتها عشرة آلاف ريال ، وقيمتها بدون العيب خمسة عشر ألف ريال، فمعنى ذلك أن العيب أنقصها ثلث القيمة؛ لأن قيمتها بدون عيب خمسة عشر، وبالعيب عشرة آلاف، فإذا أنقصها ثلث القيمة ، فنقول: بكم اتفقت؟ قال: والله أنا حابيته بالسعر وبعته بتسعة آلاف ريال ، إذا يستحق ثلاثة آلاف ريال ؛ لأنه قد يبيعه الشيء وقيمته خمسة عشر آلاف ريال يبيعه بتسعة آلاف ريال ، وقد يبيعه مثلا بثلاثين ألف ريال يعني هذا بيع وشراء على ما اتفق عليه الطرفان ، فإذا ثبت أن العيب موجود وأنه لم يكن على علم به وأن العيب مؤثر في الصفقة؛ فحينئذ نقول للمشتري: أنت بالخيار بين أمرين: إما أن ترضى بالعيب، وهذا حقك وتطالب بالأرش وهو الفرق بين قيمة السيارة معيبة وقيمتها سليمة ، وإما أن تفسخ البيع . قال: أنا ما أريد أنا أريد فلوسي نقول: افسخ العقد ، قال أريد الأرش السيارة أريدها وأرغبها لكن أنا مظلوم بوجود هذا العيب نعطيه أرش العيب ، إذاً هو يخير بين أمرين بين أخذ أرش العيب وهو النقص الفرق بين القيمتين، وهو ما أنقص القيمة نفسها، فننظر مثلا إلى قيمة السيارة كما ذكرنا سليمة وقيمتها معيبة، والفرق بين القيمتين هو النسبة ، التي عليها يركّب من أصل المبلغ المتفق عليه بين الطرفين ، وعلى هذا لو أن السيارة سليمة من العيب قيمتها عشرة آلاف ريال وقيمتها بالعيب ثمانية آلاف ريال نعلم أنه أنقص خمس القيمة فلو كان قد باعه السيارة بخمسة آلاف ريال رد له ألف ريال وهو خمس القيمة .

قال رحمه الله : [ وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له ] : خيار العيب ثابت بالكتاب والسنة والإجماع .

 أما الكتاب فقوله –تعالى- : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } .

ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة : أن الآية الكريمة اشتملت على مشروعية الرد بالعيب من وجهين:

 الوجه الأول في قوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } وتوضيحه: أنه حينما باعه السلعة بالمبلغ المتفق عليه فقد أعطاه هذا المبلغ على أنها لا عيب فيها ، فإذا وُجد فيها العيب فقد أنقص القيمة ، وإذا أنقص القيمة فمعناه أنه قد أكل من ماله بالباطل على قدر ما أنقصه من القيمة ، والله –U- حّرم ذلك ، فالله –I- حرم أكل أموال الناس بالباطل ، فإذا كان الأمر كذلك شُرع تلافيه ولا يتلافى إلا بإثبات الخيار للمشتري .

 كذلك أيضا الوجه الثاني في الآية الكريمة في قوله –I- : { إلا أن تكون تجارة عن تراض    منكم } ووجه الدلالة: أن الله –U- أحل وأباح عند وجود الرضى ، فدل على أنه إذا انتفى الرضى لم يحل المال ، ومن المعلوم أن المشتري اشترى المبيع ورضي به بدون عيب ، فإذا وجد العيب فقد أفسد الرضى ، لأنه لم يرضَ به معيبا ، وإنما أخذه سالما من العيب ، فدلت الآية من الوجهين الاثنين على مشروعية خيار العيب بإثبات الحق والوصول إلى هذا الحق يفتقر إلى الخيار فصار الخيار مشروعا .

 ثانيا : السنة عن رسول الله –r- في حديث أبي هريرة –t- : (( لا تصرّوا الإبل ولا الغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين : إن سخطها ردها وصاعا من تمر وإن رضيها   أمسكها )) .

وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي –r- حرم صرّ وتحفيل الضرع للشاة وللناقة ، لأنه غش فكانوا يربطون أخلاف الإبل والغنم ولا يحلبونها يومين ثلاثة فينتفخ ضرعها فمن رآها ظن أنها حلوب فيشتريها فهي مصراة ، وأصل التصرية الحبس، ومعناه أنه حبس لبنها فيها فلم تحلب ، فالذي يراها يرغبها خاصة إذا كان يريد الشاة من أجل الحليب ، فإذا اشتراها [ فمن ابتاعها ] يعني اشتراها فهو بخير النظرين، هذا موضع الشاهد ((بخير النظرين)) والخيار بينه النبي –r- بقوله : (( إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر)) ، قد تشتري الشاة وهي محفلة وأنت تريد حليبا بنسبة ثم بعد ما تحلبها ثلاثة أيام وتنكشف حقيقتها تجد أن الحليب الذي فيها فيه خير وبركة ، وترغب الشاة وتحبها وتحس أن المبلغ الذي دفعته طيب فيها فترضى إن رضيها أمسكها وإن سخطها قال لا ما أريد ردها وصاعا من تمر ، وهذا سببه أنه اشترى شاة وحليبا بل كان فيها حليب ، ولذلك ألزم بدفع الصاع ضمانا أو بمثابة المقابل للحليب الذي أخذه قضاء من السنة ، وإن كان على خلاف الأصل في أشياء، لكن نقول إنه مستثنى من الأصول .

 أما الإجماع فقد أجمع العلماء على مشروعية الرد بالعيب أنه يوجب الخيار للمشتري أو للبائع على حسب وجود البيع عند البائع أو المشتري، فيثبت الخيار لهما والإجماع منعقد على هذا من حيث الجملة .

قال رحمه الله : [ وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له ] : الكسب يكون مثل العبد إذا اشتراه فيه عيب، فجلس يعمل واكتسب وأعطى سيده ، وكذلك أيضا الأرض يستغلها بالزراعة فتخرج وتنتج قد يجد العيب في الأرض بعد سنتين أو ثلاث سنوات، وكذلك أيضا النماء المنفصل من شرب الحليب ونحوه وقص الشعر والانتفاع بشعر البهائم وجزها، وكذلك سكنى الدار مدة فلو فرضنا أنه اشترى عمارة وتبيّن له العيب فيها بعد سنتين فعنده نماء منفصل وهو سكنى العمارة سنتين، كذلك أيضا لو أنه ركب الدابة الركوب والمشي عليها والذهاب إلى عمله ولربما سافر بها ولربما كان يستخدمها في الأجرة فكان يركب عليها الناس ويأخذ منها الأجرة كله نماء منفصل .

 النوع الثاني من النماء النماء المتصل الذي لا يمكن فصله عن المبيع مثل مثلا اشترى فرسا هزيلا فاعتنى به، وأطعمه فأصبح سمينا ، اشترى مثلا ناقة هزيلة ضعيفة أو شاة هزيلة ضعيفة اعتنى بها وأطعمها وسقاها فأصبحت بحال طيب لكن هذا السمن وهذا النماء، لا يمكن أن يفصل عن المبيع ، فهذا النماء له حكم خاص، والنماء الأول وهو النماء المنفصل أيضا له حكم خاص ، فالعلماء –رحمهم الله- عندهم النماء المتصل، والنماء المنفصل ، فبين رحمه الله أن النماء المنفصل يملكه المشتري خلال المدة التي لم يعلم بها بالعيب ، فلو أنه أخذ سيارة وانتفع بها سنتين، واكتشف العيب العيب يستحق ولو بعد عشر سنوات ، ولو بعد مائة سنة ، لو أنه باعه أرضا زراعية ثم انتفع بها وعمرها واستغلها ثم بعد عشر سنوات تبين أنها مستحقة لآخر أو مغصوبة أو تبين أن هذه الأرض مثلا باع على أن لها صك شرعي وإذا بها ليس لها صكاً شرعياً ونحو ذلك يستحق المدة هذه ثلاث سنوات والأربع سنوات جميع ما اكتسبه له ، لمن؟ للمشتري ، لأنه لو تلفت هذه العين تلفت على ضمانه ، والنبي –r- يقول : (( الخراج بالضمان )) وهذا متفق عليه بين أهل العلم أن الربح لمن يضمن الخسارة ، فالسلعة في خلال هذه الفترة كانت في ضمان المشتري فإذا باعه سيارة واشتراها منه بعشرة آلاف ريال ثم جلست عند المشتري شهرين وهو يسافر بها أو يركب الناس ينتفع بها في الأسفار ونحو ذلك حتى كسب منها مثلا عشرة آلاف ريال وفي خلال الشهرين أو ثلاثة أشهر فسدت السيارة أو تلفت بالكلية قبل أن يطلع على العيب لكان على ضمانه ، ومن هنا كان له حق الربح ، هذا الربح المنفصل ، لكن النماء المتصل يأخذه البائع والنماء المنفصل يأخذه المشتري وهذا عدل فالنماء المتصل لو أنه وجد العيب في الدابة وكانت الدابة كما ذكرنا هزيلة فأصبحت سمينة، كانت مريضة فداواها وعالجها فأصبحت سليمة حينئذ نقول له تردها بحالها ، ولا يقول والله كانت مريضة وأريد أن يدفع لي أجرة نقول لا هذا نماء متصل يرد المبيع ويأخذ الربح وعليك الخسارة ، هذا إذا اختار أن يفسخ العقد ، كذلك في حكم النماء المتصل لو أن السيارة كانت مثلا فيها عيوب في مكينتها فأصلحها خلال الشهرين وتعب عليها وأصلح ما فيها فهذا نماء متصل؛ لأنه لا يمكن إزالة هذه الأشياء وإن كان إزالتها بالميكانيكا ونحوها لكنها تعتبر في حكم النماء المتصل، ولذلك ذكر العلماء أنه لو عالج الدابة وكانت مريضة أنه لا يستحق أجرة العلاج؛ لأن الصحة من النماء المتصل والسمن من النماء المتصل الذي لا يمكن فصله عن العين المبيعة ، وعليه فإنه يستحق ذلك النماء المتصل إذا كان بائعا، ويستحق ذلك النماء المنفصل إذا كان مشتريا .

قال رحمه الله : [ وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له لأن الخراج بالضمان ] : لأن اللام تعليلية أي من أجل أن الخراج بالضمان وهذا تعليل للحكم مبني على الدليل، وهو أن الخراج بالضمان، وهذه الكلمة الخراج بالضمان أصلا هي كلمة مرفوعة كما ذكرنا من حديث أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها-وأخذ العلماء منها القاعدة المشهورة " الخراج بالضمان" ، بعضهم يقول الخراج بالضمان ؛ تأدبا مع السنة على الوارد ، وبعضهم يقول : الغنم بالغرم وبعضهم يعكس ويقول الغنم بالغرم والغرم بالغنم وعلى كل حال المعنى واحد المراد به أن الذي يتحمل الخسارة هو الذي يأخذ الربح، وهذا من عدل الله بين عباده .

قال رحمه الله : [ وإن تلفت السلعة أو عتق العبد أو تعذر رده فله أرش العيب ] : هنا يرد إشكال يعني إذا كانت السلعة لا يمكن ردها، ولا يمكن يعني تداركها ، من أمثلة ذلك إذا تلفت، أو عتق العبد العتق لا يمكن تلافيه ، فلو اشترى منه عبدا، ثم في العبد عيب ولم يعلم به فأعتقه ثم تبين أنه معيب، وشهدت البينة أو اعترف البائع أنه فعلا هذا العيب موجود فيه وهو عيب يستحق به نقول في هذه الحالة يضمن له الأرش؛ لأنه ما يمكن رد العين ، لأننا قلنا يخيّر بين رد الأرش وبين رد العين فإذا كان لا يمكن رد العين بقي رد الأرش .

قال رحمه الله : [ وقال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- : (( لا تُصَرّوا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر )) ] : هذا الحديث الذي سبقت الإشارة إليه، وهو حديث صحيح عن أبي هريرة –t- ولا إشكال في أنه دل على مسائل منها : تحريم التصرية ؛ لأنها غش ، وقد قال r : (( من غشنا فليس منا )) .

وثانيا : دل على مشروعية الخيار أعني خيار العيب ورد في بيع الحيوان وهو أصل في البيوعات كلها فأثبت النبي –r- به خيار العيب ، وأن من اشترى سلعة وفيها عيب يستحق الرد ، وأنه إذا وجد الشاة مصراة هذه المسألة الثالثة أن عليه أن يردها إذا اختار الفسخ مع صاع من تمر ، فإن علم بالتصرية قبل أن يحلبها مثل جاءه من يثق به وقال له : الشاة أنا رأيت فلان يصريها أو أقر البائع أنها مصراة وقد تم العقد بينهما ولم يحلبها بعد حينئذ يردها دون الصاع من التمر ، لأن صاع التمر مركب على الانتفاع من حليبها .

قال رحمه الله : [ فإن علم بتصريتها قبل حلبها ردها ولا شيء معها ] : كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ وكذلك كل مدلس لا يعلم تدليسه ] : هذا النوع الرابع خيار التدليس، تقع المبيعات على صور محسّنة مجملة ثم يتبين أن الأمر بخلاف ذلك ، وهذا من الظلم للناس وأكل مالهم بالباطل ، وهو نوع من أنواع الغش ، ويجعل السلعة على صفة من يراها يحبها، وعلى صفة وهي صفة كمال والواقع أن السلعة ليست بكاملة ، فهذا كله يوجب الخيار للمشتري إذا اطلع على حقيقة الأمر، وهذا النوع من الخيار خيار التدليس له صور ذكرها العلماء قال رحمه الله :            [ وكذلك] أي مثل ذلك بمعنى يثبت الخيار في التدليس كما يثبت بالعيب .

قال رحمه الله : [ وكذلك كل مدلس لا يعلم تدليسه فله رده كجارية حمـّر وجهها ] : لا يعلم تدليسه هذا الشرط، بشرط أن يكون المشتري لا يعلم لكن لو كان يعلم واشترى فلا إشكال أن حقه ساقط ؛ لأنه كأنه رضي أن يشتريه بالنقص .

قال رحمه الله : [ كجارية حمـّر وجهها ] : كجارية حمّر وجهها وهذا اللون مفضل يعني أرغب وأحظى أن لا يكون البياض شديدا أن لا يكون دون ذلك فيكون الحمرة، فهذا يرغب في الشراء أكثر ومن هنا كجارية حمّر وجهها وهذا عن طريق المساحيق فترى على الصفة الكاملة فإذا رؤيت على هذه الصفة الكاملة ثم انكشفت الحقيقة فهذا يوجب خيار التدليس ، لو رآها محمّرة الوجه ثم رآها على خلاف ذلك وعلم أنه قد وضع بعض لها المساحيق أو بعض بعض الأشياء التي تؤثر في لون بشرتها فحينئذ يكون له خيار التدليس .

قال رحمه الله : [ كجارية حمر وجهها أو سوّد شعرها ] : أو سوّد شعرها الشعر هي مثلا بيضاء الشعر بيضاء فاقع لونها لا تسر الناظرين ، طبعا هذا المشيب يروّع

قد أصبحت أم سليم تدّعِ
لما رأت برأس شيب الأصلع
                        

 

علي ذنبا كله لم أصنعِ
أفناه قيل الله للشمس اطلعِ

هذا ما له ذنب فيه ، فالشاهد أنها إذا كانت مثلا بيضاء الشعر يعني يظن فيها كبر السن والجارية قد يراد بها التسري ، فكلما كانت أصغر كلما كانت أحظى، ولو كانت صغيرة وهي يعني يبدو فيها الشيب أثر هذا في قيمتها، وأثر في رغبة المشتري ، فقامت على شعرها وصبغت ، فبدت كأنها صغيرة وهي كبيرة ، أو مثلا على أنها صفة أجمل لها فطبعا لا يجوز صبغ الشعر بالسواد وهو مذهب الجمهور؛ لأن النبي –r- قال : (( غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد )) فالشاهد من هذا أنه إذا سود شعرها وتبين أنه مسود يستحق الرد .

قال رحمه الله : [ أو سوّد شعرها أو جعّده ] : جعده هذا صفة من صفات الشعر ، هو لابد أن يكون العبث والتدليس في شيء يؤثر في رغبة المشتري ، هذا أمر مهم جدا ، ولذلك يعني الجارية مثلا لو أنه أراد أن يبيع جارية فألبسها –-أكرمكم الله- حذاء غاليا هذا ما يعتبر تدليساً ، لأن هذا ما له علاقة، الكل يعرف أن هذا الحذاء سيكون عنده وعند غيره ، فإذا لابد أن يكون عمله وتدليسه في شيء يزيد من الرغبة، ويزيد من القيمة في بعض الأحيان ، فتجعيد الشعر: الشعر المسترسل نوع، والشعر المجعد نوع، وهذه من خصائص الشعر ، وإذا كان وسطا بين الجعد القَطَط وبين المسترسل فهذا أفضل ما يكون على ما كان عليه شعره –عليه الصلاة والسلام- أنه ليس بمسترسل ولا بالجعد القَطَط ، فتراه يعني مجعّدا تجعيدا مقبولا وهو الوسط بين المسترسل والجعد ، فالجارية يحمد فيها هذا أن يكون شعرها جعدا ، وإذا فعل هذا وتكلّفه ويكون هذا عن طريق الكهرباء وعن طريق النار كما يفعلونه في القديم والآن يوجد بالآلات الكهربائية فيظن أنها على هذه الصفة، وطبعا الآن ما في جواري، واضح يفتح الله ، لكن فائدة طالب العلم يستفيد من كلام العلماء في معرفة الضابط ولعل ولعل ، يأتي يوم مثلا فيه هذا ، فعلى كل حال هذا حكم الله وهذا ما نص عليه العلماء –رحمهم الله- أن هذا الشيء إذا فُعل من رآه يرغب في المبيع ، وما يزيد في الرغبة وما يدعو إلى الشراء فهذا يدخل فيه التدليس ، وما كان خارجا عن ذلك لا يؤثر ، لماذا العلماء يقولون سوّد شعرها جعده؛ لأن هذه محل للرغبة ، وعلى طالب العلم إذا درس خيار التدليس أن يعلم ما الذي يحرّك المشتري لشراء السلعة ويرغبه فيها ويدفعه إليها ، وإذا كان في شيء يدفع أو يزيد الرغبة؛ فحينئذ يكون التدليس مؤثرا .

قال رحمه الله : [ أو رحى ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري ] : إذا بيعت المزارع أهم شيء في المزرعة أن يكون فيها ماء؛ لأن المزرعة حياتها على الماء ، فإذا كان ماؤها كثيرا رُغَّب فيها وازدادت الرغبة ، ولذلك تجد الزبون أو المشتري إذا أراد أن يشتري بستانا سأل أو بحث أو اكتشف حقيقة ماءه حتى يستطيع أن يقبل أو يمتنع ، لأنه إذا جف الماء مات نخله ومات زرعه ، ولو وجد بستانا من أحسن وأجمل ما يكون عليه البستان وماؤه قليل لم يشترِ ، ولو وجد بستانا أو حتى أرضا بورا ما فيه زرع ولكن فيها ماء وهي صالحة للزراعة؛ فإنه سيرغبها ، إذاً وجود الماء يحرك ويدعو إلى الرغبة في الشراء والرغبة في الأخذ؛ فحينئذ يقوم بجمع الماء في القديم ويرسله عند دخول المشتري ، وحينئذ يكون تدليسا ، في زماننا المكينة التي ترفع الماء وتضخ الماء تضخ مثلا في الساعة الأولى والماصورة مثلا دفعها كامل فلو كانت مثلا ثلاثة بوصة أو أربع بوصة ترى دفعها كاملا ، ثم بعد ساعة ينقص ثم بعد ساعة أخرى ينقص ، فإذا كان الماء ناقصا ينقص ، وربما يصل حتى إلى بوصتين وهي أربع بوصات ، لأن الماء قليل، فحتى يخدع المشتري ماذا يفعل ينتظر إلى دخول المشتري البستان فيحرّك المكينة فإذا بالماء يدفع كثيرا فيظن أن الماء كذلك ، أو قال له الماء أربع بوصة، ثم شغل مكينة في حال دخوله وإذا كاملة معمدة فنقول هذا غش وتدليس ويوجب خيار التدليس .

قال رحمه الله : [ وكذلك لو وَصَف المبيع بصفة يزيد بها ثمنه فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة ] : هذا في الحقيقة يرجع إلى صفات الكمال التي ذكرناها في العيب ، ولكن هنا ذكر صفة تزيد في الرغبة في الشراء وإتمام الصفقة ، فصار داخلا تحت التدليس من هذا الوجه ، وإدخاله تحت التدليس له وجه ، فإذا وصفه بأنه كاتب؛ لأنه كانوا في القديم يحتاجون مثلا إلى العبيد والمماليك في المصالح، فمثلا يريده للكتابة، يريده شاعرا، يريده حجاما، يريده صاحب صنعة؛ لأنه يريد من وراء صنعته أن يأخذ منه ويكتسب منه ، ففي هذه الحالة إذا وصفه بصفة تزيد بالرغبة فيه ثم لم يجد الصفة صار خيار تدليس ويدخل في خيار العيب بالشرط بصفات الكمال، ولكن من أهل العلم كما درج عليه المصنف –رحمه الله- أدخله في خيار التدليس .

قال رحمه الله : [ وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها ثمنه فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة أو أن الدابة هِمْلاجة ] : صناعة في العبد أو كتابة بعض الأحيان يصفه ، ومن أهل العلم من قال : التحريك بالفعل كصريح القول، التحريك بالفعل كانوا في القديم لما يأتي عرض العبد ماذا يفعل إذا يريد هو ما يعرف العبد يكتب فيلطخ ثيابه بالحبر، فإذا رآه المشتري ظن أنه من أمهر الكُتاب ، وهو يريده كاتبا ، ثم إذا أخذه إذا بالأمر على خلاف ذلك أو مثلا قصّابا جاء وألبسه ثياب القصاب أو وضع فيه شيء من أهل العلم من قال الفعل كالقول، لكن المصنف –رحمه الله- سلك مسلك الإخبار ما فيه إشكال ، لكن إذا كان بالأفعال، ووضع عليه أشياء يعني فعلا تدل على شيء فيه هو الحقيقة يقوى وهو أحد الوجهين ذكرهما العمراني –رحمه الله- في البيان وغيره من فقهاء الشافعية يقْوى القول بأنه إذا كان بالفعل كالقول مثل إرسال الرحى ونحو ذلك .

قال رحمه الله : [ كصناعة في العبد أو كتابة أو أن الدابة هملاجة ] : الصناعة يعرف مثلا نجار قال له حداد ثم طلع لا نجارا ولا حدادا ، حينئذ يعتبر هذا غشاً وموجباً للخيار للمشتري .

قال رحمه الله : [ أو أن الدابة هملاجة ] : هملاجة سريعة وإذا بها تنزل عليها السكينة ، أو تكون السيارة أو يقول له:  والله هذه السيارة طيبة

أيا حسن سيارتنا بهتف                             تسير بنا ساعة وساعتين تقف

يعني كل شيء يُشترى لمقصود يعني الذي يشتري السيارة يريد أن يركبها ، مثلا حتى السيارات تختلف مقاصد الناس فيها ، فإذا اشتراها لمقصد ولم يجد ذلك المقصد فيها هِملاجة سريعة ويريدها مثلا لأغراضه يريدها مثلا للبريد يريد أن تكون سريعة يريد أن يقضي عليها مصالحه فغشه وإذا به على خلاف ذلك .

قال رحمه الله : [ أو أن الدابة هملاجة والفهد صيود أو معلم ] : نعم لأنهم كانوا يستخدمونه في الصيد ، وذكر الدميري أن يعرف الفهود من أقوى ما تكون في الصيد ، وعدي بن حاتم –رضي الله عنه وأرضاه- سأل النبي –r- عن الصيد وكان مولعا بالصيد؛ وفيه نزل قوله –تعالى- :           { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ... } الآية وهو الذي قال : إني أصيد بكلبي المعلم وبكلبي غير المعلم وأصيد بهذه البزات الصقور ، وكان يصيد بالفهود وكانت معروفة بالوفاء ، ويقال أنه لما توفي رضي الله عنه وأرضاه عكفت الفهود على قبره . قالوا إنه من وفائها له ، فتعلم للصيد، وهي أسرع ما تكون في الصيد فلو قال على أن الفهد صيود وتبين أنه لا يصيد يكون خيار التدليس .

قال رحمه الله : [ أو أن الطائر مصوّت ونحوه ] : الطير يجوز شراؤه إذا كان صوته حسنا، ودلت السنة على جواز حبس الطيور إذا كان يطعمها ويقوم على مصالحها ، واستدل العلماء –رحمهم الله- لهذه المسألة بما ثبت في الحديث عنه –عليه الصلاة والسلام- من قوله : (( يا أبا عمير ما فعل النغير )) وكان له النغري وهو العصافير الصغيرة هذه. فقال له ما فعل النغير فلم ينكر عليه –عليه الصلاة والسلام- حبسه للنغري فدل على أنه مادام أنه يطعمه ويقوم على مصالحه ولا يؤذيه ولا يعذبه أن هذا جائز ولابأس به ولا حرج ، فإذا أراد أن يشتري مثلا البلابل أو نحوها من الطيور التي لها أصوات طيبة وحسنة فلابأس ولا حرج ، قال له والله، هذا طائر مصوت وتبين أنه غير مصوت كان له الحق في الرد في خيار التدليس .

قال رحمه الله : [ ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه رجع عليه بالزيادة وحظها من الربح إن كان مرابحة ] : هذا خيار التخبير بالثمن ، يخبره أنه اشترى السلعة بمائة ألف هذا ما يسميه بعض الباعة لما تأتيه يقول لك: رأس مالي في هذه السيارة مائة ألف كم تربحني ؟ تقول: أربحك النصف معناه أنك ستشتريها بمائة وخمسين ، أو تقول أربحك الربع فحينئذ معناه أنك ستدفع مائة وخمسا وعشرين ألفاً فلما أخبرك أنه اشترى بثمن تبيّن أنه أخطأ أو كذب ، فإذا أخطأ أو كذب بحث العلماء –رحمهم الله- هذه المسألة في موضع خاص، وجعلوا لبيع المرابحة أحكاما خاصا ، وهذه هي المرابحة الشرعية ، المرابحة الشرعية يعرفها المسلمون حتى العوام ، تأتي إلى الرجل ويأتي مثلا بالشاة تقول: كم؟ يقول رأس مالي خمسمائة كم تربحني هذا بيع المرابحة ، أن تكون مالكاً للسلعة حقيقة ثم تبين رأس مالك فيها وتطلب منه الربح بناء على رأس المال ، أما أن تذهب وتختار من المعرض ما تشاء ثم يأتي البنك ويشتريها ثم بعد ذلك تربح البنك فهذا ليس من المرابحة في شيء ؛ لأنه هو الذي عين السلعة وهو الذي حددها واتفق مع صاحب المعرض هذه ليست بالمرابحة ، يقول إنها مرابحة ولكننا نقول مرابحة إسلامية ، واليوم ما شاء الله مرابحة إسلامية، الإسلام أصبح يعني كالشماعة يعلق عليه كل شيء ، طبعا في اجتهاد لبعض العلماء يرى هذا ، ولكن ينبغي الدقة في استعمال المصطلحات الشرعية وضبطها بضوابط أهل العلم –رحمهم الله- ، هذا المعروف المرابحة إلى الآن كبار السن لو تدخل سوق حتى الغنم فتجد رجلاً كبير السن على فطرته يقول لك رأس مالي مائة كم تربحني ؟ بكل وضوح هذه مرابحة ملكت السلعة وهي في ضمانها يقول لك كم تربحني ؟ وتكون المرابحة بعد الملكية وتحديد رأس المال ، لا أنه يحدد له السلعة ثم بعد ذلك يدفعها لا لشبهة الربا كما بيناه غير مرة ، فالشاهد من هذا أن بيع المرابحة إذا أخبره الثمن وتبين أنه أخطأ أو كذب يكون له الخيار وهذا يسمى خيار التخبير بالثمن ؛ لأنه أخبره بالثمن على وجه وتبين أنه بخلافه .

قال رحمه الله : [ وإن بان أنه غلط على نفسه خُيّر المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به ] : إذا قال له: أنا اشتريتها بمائة ريال أو بمائة ألف وكان المسكين يظن أنها فعلا  بمائة ألف وتبين أن المائة ألف فاتورة بضاعة أخرى ، فحينئذ إذا قال له: رأس مالي فيها مائة ألف قال له أنا أشتريها منك بمائة وخمسين فمعناه أنه أعطاه الربح بكم؟ بنسبة النصف ، فإذا تبين أنه اشتراها بثمانين ألف لا بمائة ألف نقول حينئذ يكون له مائة وعشرون ألف ريال ، ويرد له الثلاثين ألف ، لأنه في هذه الحالة يكون النقص على النسبة بين القيمتين .

قال رحمه الله : [ وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه ] : لو قال له رأس مالي فيها هذه السيارة رأس مالي فيها مائة ألف وهو صادق أن رأس ماله فيها مائة ألف لكن اشتراها بالتقسيط مؤجلة ، ومن المعلوم أنه إذا قال لك رأس مالي فيها مائة ألف تحسب أنها نقد ، والذي يريد الأصل النقد ، وهذه فائدة معرفة الأصول في الأشياء حتى يعرف ما خالفها ، فالأصل النقد ، فإذا قال لا أنا اشتريتها بمائة ألف وتبين أنه اشتراها بالتقسيط نقول كان المنبغي أن يقول رأس مالي فيها مائة ألف تقسيطا ، يبين لك ، فإذا لم يبين لك فقد دلس ، وحينئذ يكون لك الخيار إما أن تمضي وإما أن تفسخ .

قال رحمه الله : [ وإن اختلف البيّعان في قدر الثمن تحالفا ] : هذا ما يسميه العلماء بخيار الاختلاف في الثمن ، يحلف أول من يحلف البائع ، ثم يحلف بعده المشتري ، قال البائع : بعتك بيتي وعمارتي بمليون ، قال: لا ، بعتني العمارة بثمانمائة ألف ريال ، فالبائع يذكر قيمة والمشتري يذكر قيمة اختلفا، والسلعة قائمة يتحالفان ، في الروايات: يحلف البائع هنا قال: يتحالفان على زيادة المسند ، والأصل في هذه المسألة الحقيقة أن ترجع باب القضاء ، ولكن العلماء من عادتهم أن يذكروا المسائل الخاصة بالقضاء في كل باب بتبعه إذا تعلقت به أكثر ، فالأصل في الدعوى أن هناك مدعياً ومدعياً عليه الذي يكون قوله موافقاً للأصل فهو مدعى عليه ، والذي يكون قوله خلاف الأصل فهو مدعٍ ، والذي يكون قوله خلاف الظاهر فهو مدعٍ والذي يكون قوله موافقاً للظاهر فهو مدّعى عليه، ما هو الأصل وما هو الظاهر الأصل مثلا أن المتهم بريء لو قال: فلان كذب علي فلان نسأل الله العظيم كذاب فلان غشاش نقول الأصل براءته من هذا الشيء حتى تثبت إذاً من المدعي المدعي الذي يقول هذا والمدعى عليه موافق للأصل الذي يُتّهم ، فالمدعي من خالف الأصل، أو خالف الظاهر مثلا تأتي إلى رجلين راكبين على بعير قال أحدهما: هذا ملكي قال الثاني هذا ملكي الاثنان على البعير. الأول يقول هذا لي، والثاني يقول هذا لي ، هذا يقول انزل الثاني يقول انزل ، كل منهم يدعي ، من المدعي ومن المدعى عليه ؟ هنا ما في أصل ما هو الأصل، ما في أصل، الأصل أن الذي يركب على الدابة يملكها في الأصل ، والذي يتصرف فيها مالك لها ، حينئذ يرجع إلى شيء يسميه العلماء الظاهر ، فدلالة الظاهر يحتكم إليها،فجرى العرف في الظاهر أن الذي يركب في المقدمة هو صاحب الدابة، والذي يركب في المؤخرة أنه رديف، فنقول الذي في المقدمة مالك على الظاهر، فيطالب الذي في المؤخرة بالبينة ، أيضا في الدار والبيوت لو واحد ادعاها والثاني ادعاها وأحدهما داخل الدار والثاني خارجها نقول الظاهر أنها ملك لمن كان بداخلها ، فالشاهد من هذا أنه ينتزع الأصل أن البائع مدعىً عليه لأنه يدعي عليه أنه باعه بأقل من هذه القيمة، والأصل أنها ملك له حتى يدل الدليل أنه قد باع ، فقوي جانب البائع من هذه الوجوه وإن شاء الله سيأتي التفصيل أكثر في باب القضاء بوضع ضوابط الدعاوى، وعلى من تكون اليمين وعلى من تكون البينة ، قال: تحالفا طيب إذا تحالفا من يحلف أولا قالوا البائع ثم يحلف المشتري، وفي هذه الحالة لو حلف البائع وامتنع المشتري فإنه يقضى بالنكول على أحد قولي العلماء –رحمهم الله- في القضاء بالنكول، وفيه سنة عن رسول الله –r- فيلزم بالقيمة التي حلف عليها البائع، وإلا يحلف ويبرأ .

قال رحمه الله : [ وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قال صاحبه ] : واضح لو قال له مثلا بعتك مائة وخمسين ورضي فلا إشكال ، أو قيل له احلف اليمين قال لا أريد أنا أرضى وأَكِل أمري إلى الله له ذلك .

أولا : أوصي إخواني طلاب العلم بتقوى الله –U- .

 ثانيا : الأهم في العلم ضبطه وليس كثرته ولا كثرة مسائله .

 من الناس من قرأ من العلم القليل فبارك الله له، فحاز الثواب الجليل ، ومنهم من قرأ من العلم الكثير ونزع الله منه البركة فلم ينتفع في نفسه ولم ينفع الله به .

 أوصي طلاب العلم لأمر مهم جدا وهو قضية ضبط العلم ، ونحن كنا قبل رمضان قد أخذنا كتب العبادات، وسرنا على طريقة الحقيقة ضغطنا فيها طلاب العلم كثيرا، وأخذنا دورة إلى أن انتهينا من كتاب العبادات كاملا .

 طالب العلم الذي هو بحق ويريد أن يرضي الله –U- لا يفوّت من العلم شيئا ، وإذا أردت أن ترى طالب العلم بحقّ فانظر إليه في تحضيره للدرس ، وأيضاً في ضبطه لما يقال أثناء الدرس ، وفهمه وتحصيله وحرصه على أن لا يفوته شيء ، وانظر إليه بعد انتهاء مجلس العلم كيف يرجع ويراجع ، فإن رأت عيناك طالب علم شغله الله بقراءة هذا العلم مستشعرا للأمانة ، ويعلم الله أنه ما جلس بين يدي شيخه ولا جلس مجلس علم إلا وقد قرأ وأتعب نفسه حتى لا تضيع منه كلمة أو لا يضيع منه حرف قبل الكلمة ، لأنه يعرف ويعلم أن الله سيرفع درجته بهذا العلم ، إذا وجدته أتعب نفسه في التحضير وأتعب نفسه في مجلسه في العلم، وخرج من مجلس العلم وقد جمع ما قيل أو أغلب ما قيل؛ لأنه يعلم أنه مؤتمن من أمة محمد –r- على هذه المسائل ، وأن أي مجلس علم تذكر فيه مسائل العلم فمعنى ذلك أن كل من حضرها وسمعها وفهمها مسؤول أمام الله أن يبلغها للأمة ، والعالم تبرأ ذمته، ولذلك الأمل في الله، ثم في طلاب العلم ، فإذا وجدته في مجلس العلم بهذه المثابة ووجدته بعد مجلس العلم أخذ ذاك الذي قرأه، فإن كان في شريط فرّغه وإن كان في شريط سمعه المرة بعد المرة حتى يحفظ هذا العلم حفظا صحيحا ، وإن من أهل العلم من أدركناهم فوالله، إني سمعت بعضهم من مشائخنا –رحمة الله عليهم- سئل عن المسألة وبعض الأحيان يسأل عن العبارات في الكتب ليشرحها فيأتي بجملة حفظت بعض الجمل وكتبتها حرفيا، ونظرت إليه بعد أربع سنوات يسأل عن المسألة إياها، وبعد يمكن أكثر من خمس سنوات يسأل عن شرح يمر على نفس هذه الجملة التي قبل أربع سنوات فوجدت أنه لم يزد حرفا ولم ينقص حرفا ، العلم أمانة العلم مبني على الحفظ والرعاية ما يعطيك من رأسه، شيء حفظه عن علمائه وأداه إليك ، حتى إن بعض أهل العلم ممن تقرأ بعض كتبهم وشروحهم وبعض العلماء الكبار الذين أدركناهم –رحمة الله عليهم- وجدناهم إذا تعرضوا لبعض المسائل الفقهية نسمع بعض الأشرطة لهم أو تدوّن بعض المذكرات وبعض المسائل فتأتي إلى الكتب القديمة العتيقة فتجد أن الكلام نفسه ؛ لماذا ؟ لأنه علم أخذ بالأمانة وأدي بالأمانة ، فإذا كان طالب العلم بهذه الصفة فمعناه وهذا الذي نريد معناه أنه يبحث عن علم يضبطه ولو قليل لا عن علم لا يضبطه ولو كان كثيرا .

 المشكلة اليوم في طلبة العلم أنهم يبحثون عن عشرات الدورات، ولا يلام فمنهومان لا يشبعان ويبحثون عن عشرات الدروس وبعضهم يقول أنا سأسافر وأرجع إلى بلدي فتجده عنده دروس الجامعة مثلا فيها من العلم والخير الكثير، وعنده دروس الحرم فتجده يخلط بين الاثنين بطريقة ((إن المنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع)) ، تأتي بعد نصف السنة أو السنة الكاملة تقول له ماذا عندك يقول: والله ضائع ما أدري ماذا أفعل ؛ لماذا ؟ أولا قل أن تجده فتح كتابا قبل أن يأتي إلى مجلس العلم، في دورة نعم في دورة بسم الله متى بعد العصر بعد العصر خلاص بسم الله ، جاء وجلس في الدورة اكتب دون أو اسمع حتى يمضي الوقت ثم يقوم لا كأن شيئاً حدث ، تلك الكراسة إن كتب في كراسته رماها في دولابه ، وهو لا يعلم مدى مسؤوليته أمام الله عن هذا الذي سمع ، ولذلك لو أن طالب علم بحق تجده يتمنى أن ليس له بالأسبوع إلا درس واحد، لكن يحفظ فيه كل كلمة ويضبط فيه كل مسألة، ويخرج للأمة ضابطا للعلم كما خرج الصحابة الذين منهم ابن عمر الذي حفظ البقرة في ثمان سنوات وخرج للأمة فانتشرت فتاويه في أصقاع الدنيا من البركة التي وضعها الله –U- العلم بالاستكثار وعدم النظر في إتقانه مصيبة على الإنسان فيجد بعد فترة أن عنده أشرطة الدروس كلها، وعنده الكراريس مليئة لكن أين ؟ هل يستطيع هذا الذي سمع باب الطهارة هل يستطيع أن يفتي في مسألة واحدة؟ هل يستطيع أن يخرج نفسه من هذا البلاء ؟ والله ، إن القلوب تتقرح نحاسب أهل العلم قبل أن نحاسب أنفسنا فتجده يقول والله الشيخ ما عنده إلا درس واحد، والله ما في الجامعة إلا شيخان أو ثلاثة نستفيد منهم ، كأننا بلغنا القدوة في طلب العلم ، علينا أن نسأل أنفسنا نحن، مالذي قدمناه ؟ وما الذي فعلناه؟ وبعض المشايخ لهم شرح كامل في الفقه، إذا شرح الفقه كاملا فقد أعذر إلى الله ، لكن أين طلاب العلم من هذا الشرح الآن، هل تستطيع أن تجد شيخا شرح كتابا كاملا . ويقول لك : فلان من طلابي أستطيع أن آمن وأحيلك عليه، يفتيك في هذه المسألة ، أو فلان من طلابي اذهب إليه يشرح لك هذا الكتاب، لأنه طالب بحق، ولكن مصيبة إذا كانت الكثرة موجودة والقلة معدودة، كانت مجالس الشيخ عبدالعزيز رحمه الله والشيخ محمد تكتحل بها العيون من الأمة التي تحضر ، لكن أين الذين خلفوا ؟! وأين الذين أبقوا لهذا العالم الجليل، الإمام، الذي قدم للأمة علمه حتى تكون فعلا رد له بعض الجميل على الأمة ؟! حضر له دروس لا تحصى له كثرة، ولكن ما أبقى شيئا ، إلى متى ؟! نحن ما نبحث عن أن يكون عندنا والله عشرون يوما دورة ، خمسون يوما دورة، حينما فعلنا دورة العبادات لأول مرة شرحناها بهذا الوجه تركنا شهر رمضان، وشوال، وذي القعدة ووافقت الاختبارات ما نستطيع . طلاب العلم إذا عندهم اختبارات بين أمرين : إما أنهم يتركون ، وبعضهم يقول : هذا علم لله، وهذا للجامعة، ما يصلح هذا، نحن نريد طالب العلم أن يأخذ من الجامعة ومن الحرم ، وأن يأخذ من أي عالم عنده علم وعنده حق، والله، وجدنا في الجامعة من العلم ما لم نجده في الحرم، ووجدنا في الحرم من العلم ما لم نجده في الجامعة، نحن نبحث عن حكمة وحق، فإذا جاءت أيام الاختبارات نتوقف رفقا للطلاب ، لأننا نحس أننا نحملهم هذه الأمانة والمسؤولية، ونحملهم هذه الأمانة، فإذا شرحت كتب العبادات كاملة فيحتاج طالب العلم بالاستقراء والتجربة إلى ما لا يقل عن سنة مراجعة لكتاب العبادات، كتاب العبادات إذا أخذته كاملا في الفقه تحتاج ما لا يقل عن سنة، سنة بمعنى الكلمة بمعنى أنك تكتب جميع ما في الشريط تفرغه، ثم تأخذ المسائل وترتّبها، ثم تضع فهرسا لهذه المسائل، ثم تبدأ بالحفظ والمراجعة ثم تطبق على نفسك، والله، ثم والله، لا أخفي ما يجده كل من بُلي بمسؤولية تعليم الناس من الألم والحزن حينما لا يجد من يخلفه، ولا يمكن أن يتصور أحد مقدار الفرحة للعالم والأستاذ والشيخ والمعلم إذا وجده من يخلفه، رأس مال العالم في هذه الدنيا بعد تعليمه طلبة العلم، فإذا نصحوا فوالله، قدموا له يعني كافئوا وردوا له جميله، حينما يردون، العلم ما هو الثناء على العلماء وذكر أوصافهم وألقابهم وضبطهم وتحريرهم ، العلم أن تنقل علمه، وأن تؤدي هذه الأمانة على الوجه الذي يرضي الله، نجد في بعض الأحيان طلابا يواظبون ، وهذا ليس هنا يعني من خلال تجربتي في عدة مواضع ، فتألمت وتقرّح قلبي، وما الذي جعلني لا أكثر من الدروس، آتي وأجد طالب العلم في بعض الأحيان لا يفارقني، من أسبق الطلاب ، ما شاء الله ، لا حول ولا قوة بالله حضورا، وتجد عنده حرصا ومحبة للعلم وضبطا له، فتجده مثلا قرأنا بابا في الطهارة والله، هذا شيء أشهد به رأيته وسمعته وعشته ليس من واحد ، بل من أكثر من واحد، فتجد هذا الطالب قد حضر دروس الطهارة، في الفقه وفي الحديث ، وتكرر هذه الدروس ، وأعرف بعضهم من سألني في مسائل في المناسك، ومنهم من قرأ بعض المتون في المناسك، ثم أفاجأ بعد مدة ، وإذا به يقول : يا شيخ، الوالد أو الوالدة أو فلان من جيراننا أو فلان من قرابتنا عنده سؤال مشكل في مناسك الحج، ما هو هذا السؤال المشكل؟ الذي قرأه والذي حضره، والذي سمعه عشرات المرات، أي حزن، هناك جروح يعني لا نلوم أهل العلم، نريد أن نستفيق من الغفلة، يعني حينما يخرج بعض الأسئلة تأتي لا يمكن سؤال يطرح في الدرس إلا وأقرأه بإذن الله U ، وأنا أوصي الإخوان أن يجمعوها، لكن وجدت بعض طلبة العلم طلبة العلم بحق ، حينما تجد السؤال فعلا يدلك على أنه قرأ الدرس، وحضر، حينما تجد كما هائلا من الأسئلة ليس حول الدرس نهائيا، أو تجد أنك تقول شيء وإذا به في شيء آخر، نقول مثلا الخرص مشروع ودل عليه الكتاب والسنة يقول: ما هو الخرص الذي قال الله عنه :      { قتل الخراصون }  ما هذا ؟! يعني هذه مصيبة نعم نقول هذا واقع ، هذا شيء موجود، قبل أن نحاسب أهل العلم علينا أن نحاسب أنفسنا، والله، إن كل من يحمل العلم ويرى طلبة العلم بحق ، حُفّاظا لهذا العلم، أمناء لهذا العلم، ما يغش، لما يأتي إلى درس العالم ويجلس بين يديه يشعر أنه فعلا أنه قد حضر هذا الدرس في بيته، وقرأه ثلاث مرات أربع مرات خمس مرات، كنا ندخل على طلبة العلم الصادقين في الجامعة نجد سهر الليل، ونجدهم في شدة الهاجرة، لا مكيفات ولا غيرها يتصببون عرقا وقد جاؤوا من دروس الجامعة وقد وضعوا كتب التفسير وكتب الحديث وكتب الفقه بين أيديهم، ما كان طالب العلم يجد شيئا يشغله عن العلم؛ لأنه يحس بالأمانة والمسؤولية، اليوم هو يومك، وغدا لك إن حفظت يومك، أما هذا الذي نبحث عنه حتى إن البعض يأتي يبحث فقط عن صفات الكمال، ويريد دروسا بطريقة معينة ، وإن استطاع أن يجعل الشيخ يشرح بطريقة معينة نعم، لكن ما الذي قدمه، نريد أكثر من درس، نريد الخلافات والتفريعات، ثم إذا جاءت الخلافات نريد الاختصار، لماذا تشتتنا، نريد شيئا مختصرا، أصبحت الأهواء ، نريد نريد ... ما تنفع ، ثم النظريات هذه شبعنا منها، نريد حفظا للعلم الذي يقال : الذي تريده وتبحث عنه هل الذي يقوله حق، أو لا، وهل الذي ينطق به صدق أو لا، فإن كان حقا فاحفظه، هذا الذي نريد، أما مسألة نريد تأصيلا، نريد التوسع، يعني مثلا في بعض الشروح توسعنا، وذكرنا الخلاف وبسطنا، وفي بعض الشروح نذكر أساسيات المتن لأننا نريد أن نؤصل لطالب العلم، فنجعل دائما في الشروح ، لا أريد طالب علم يقتصر على شرح واحد، ولن أستطيع أن أجعل شرحا مكررا، وإذا أعانني U وفت عليّ بفضله، فسأجعل كل شرح يكمل غيره، حتى يصبح طالب العلم يحس أن هذا العلم بفضل من الله U وليس له منتهى، ومن الذي يجعلنا نطيل المدة في ختم الكتب لأننا وجدنا بعض طلبة العلم يجلس عند الشيخ الشهر والشهرين يختم ثم يحرج للأمة، فيقال: هذا تلميذ فلان، لا علم طريقة التعامل مع طلبة العلم، ولا فقه في طريقة التعامل مع النصوص، ولا فقه في التعامل مع العلماء سلفا وخلفا، ثم يخرج هكذا يرتجل العلم وقيادة الناس، طول الزمان هو المحك لا يثبت فيه إلا الصادقون، ولا يصبر فيه إلا المرابطون، طول الزمان مقصود، ولذلك البعض قد يغتاب بعض أهل العلم يقول والله يطيل في دروسه ، ما عليك من أهل العلم، لست عليهم بمصيطر، وما على المحسنين من سبيل، فإذا وجدت أحداً من أهل العلم فرغ نفسه لطلبة العلم فكف لسانك عنه، واشتغل بما ينفعك، وما يعنيك، هذا النقد الذي نجده لأهل العلم والاشتغال بالاقتراحات هذا مضيعة ، ولن نصغي بآذاننا ولن نلتفت أبدا إلى مثل هؤلاء؛ لأننا سئمنا من هذه الأشياء، لنا طريق اخترناه على أهل العلم وجدنا أمانة نسأل الله بعزته وجلاله أن يبارك لنا فيه وأن يعيننا على بلاغه، والذي نريد ونصل إليه أن طالب العلم يبحث عن شيء يرضي الله U ، ورضى الله في ضبط العلم ، ومن هنا أقول: كل طالب العلم لو قرأ كتاب البيوع أو باب الربا فقط يستطيع أن يطلب شهرين يراجعه، لأنه يحتاج أن يضبط هذا الباب، ثم إذا ضبطه يأتي بعد الشهرين لتسمع الأسئلة المفيدة، لكي تسمع من طالب العلم يملأ عينك، تأتي في الدروس عشرات من العوام يحيط بك ويسألون أسئلة يعني بسيطة جدا وطلاب العلم غائبون، وإنا لله وإليه راجعون، أين طلاب العلم الذين يكتحل بهم العيون، أين طلاب العلم إذا نزل الإنسان من أهل العلم وأحاطوا به أسئلة قيمة مفيدة وأدبا وخلقا ؟! وأما الآن إلا من رحم الله ما يحيط بأهل العلم خاصة إذا خرج إلا أناس من العوام ويصبح الشيخ يسكت هذا ويعترض على هذا لكي يذهب بهاء العلم وسناء العلم ، نريد أن نعيد النظر قبل أن ننتقد أهل العلم ننتقد أنفسنا، وعلينا أن نستشعر الأمانة والمسؤولية، والهدف من هذا كله ليس هذا الدرس، كل الدروس، والأمر عام في هذا ، طلاب العلم في دراستهم في الجامعة عليهم أمانة، ويحتاجون إلى وقت ، يحتاجون إلى ضبط، ولذلك أنسب وقت اختاره هو الوقت الذي لا يكون فيه الاختبارات، ونحتاج ولو نأخذ بابا من أبواب البيوع، ويعطينا طالب العلم مراجعة دقيقة تبدأ أول شيء تأخذ العبارة ، وتنظر فيه، حتى كل من ورث العلم عن العلماء له ذوق في الكلمات التي يختارها، قرأت في فتاوى الإمام واعتبره شيخ الإسلام محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله برحمته الواسعة شيخ المشايخ، وإمام العلماء، رحمه الله قرأت له في فتاويه وفي تقريراته تتعجب والله، إن الكلمة إذا رفعتها لا يمكن أن تحل الكلمة مكانها، هناك ذوق، العلم الموروث هذا له طريقة ، من عود نفسه عليه خرج للأمة على أرض ثابتة، تأخذ الشريط وتفرغه وتفرغ العبارة تنقح العبارة المكررة تنظر فيها تعيدها تكررها تجرب كأنك أنت الذي تشرح ، تجرب أنك تحكي قول شيخك حتى تضبط، ثم بعد ذلك تلتفت إلى الدليل: الحديث بعض الأحاديث ما هي مخرجة تخرجها، ترجع إلى الأمهات، تنظر الفوائد ، يفتح الله لك من أبواب رحمتك ما لم يخطر لك على بال، وتجد أنك فعلا في جنة العلم التي هي جنة الدنيا قبل الآخرة ، ثم بعد ذلك ترتب المسائل وتجعل لك فهرسا ثم تجعل لك متنا خاصاً ترجع إليه، يقال لكل عالم أصل يرجع إليه، أنا قرأت هذا الكتاب على شيخي في باب كذا ، وإذا به منقّح مرتب، ثم بعد ذلك يصبح ديدنك ليلا نهارا، قائما قاعدا، كي تفهم هذه العبارات، كانوا يجلسون من بعد صلاة الفجر، وأدركت بعض حلق أهل العلم القديمة، من بعد صلاة الفجر على متن فقهي إلى صلاة الظهر وهم لم يجاوزوا ثلاثة أسطر، الثلاثة الأسطر هذه يقرأونها، وتصحح العبارة، ثم يعاد ثم يعاد شرحها، ثم يعاد ضرب الأمثلة لها ، ثم يعاد بيانها بطريقة عامية ، ثم يعاد بيانها بطريقة تأصيلية، ثم يسأل الطلاب عنها، ثم تفتح إشكالات الطلاب، فيؤذن الظهر وقد يكون في بعض الأحيان ما انتهوا، وجلست على بعض مشايخنا رحمة الله عليهم في الموافقات للشاطبي في نصف سطر ثلاثة مجالس، كل مجلس ساعتان، والله، ما كرر كلاما، العلم ما هو هذه السطحية وهذا الارتجال، حرام على الإنسان أن يأتي ويحضر في مجالس العلم وهو ما يسمى بأهل العلم لا يعرف الحديث إلا في مجلس العلم ، ولا يعرف فتحة الكتاب إلا في مجلس العلم، ثم إذا رجع رمى الكتاب واشتغل بزوجته وأولاده ولا يدري عن شيء، ثم يقول إنه طالب علم، ثم يأتي ويصيح: يا شيخ، أنا طالب علم، وعندي هم وغم، نعم هم وغم قد يسلط الله بإضاعة الأمانة ، أنا طالب علم لا أجد روحانية العلم ، متى كنت طالب علم ، قبل أن تكون أصابني والهم والغم، هذا الذي نريد، نريد منهجها صحيحا  .