دروس زاد المستنقع رقم 39

[ أركانها: القيام والتحريم ( لم يراجع من قبل الشيخ )


[ أركانها: القيام والتحريم ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب كتاب الصلاة

P

قال المصنف-رحمه الله- : [ أركانها: القيام والتحريم ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ أما بعد :

 كان الحديث في الفصل الذي قبل هذا عن صفة الصلاة ، وذكرنا هدي النبي-r- في صلاته ، وهذا الهدي الذي اشتمل عليه قوله وفعله-صلوات الله وسلامه عليه- منه ما هو واجب ولازم على المكلف ، ومنه ما هو غير واجب ، ولا يلزم المكلف أن يفعله ، لذلك ناسب أن يذكر المصنف-رحمه الله- ما هي أركان الصلاة ؟ وما هي واجباتها ؟ وما هي سننها ؟ بمعنى أن يفصّل في هذا الهدي ، ويبين لك الأمور التي لا ينبغي تركها ، والأمور التي تكون في سعة ، إن فعلتها أحسنت وأثبت ، وإن تركتها لا حرج ولا إثم عليك .

فقال-رحمه الله- : [ أركانها ] : أول ما يبدأ العلماء-رحمهم الله- ببيانه من الأمور اللازمة في الصلاة الأركان ، فإن الواجب الذي يلزمك فعله ، منه ما هو ركن ، بحيث لو تركته بطلت الصلاة ، ولا يمكن للمكلف أن يجبره إلا بفعله ، كأن يترك ركوعاً أو سجوداً فإن هذا الركوع أو السجود الذي تركه لا يمكن أن تصح الصلاة بدونه فلو أمكنه أن يتدارك ركع ، وإن لم يمكنه لزمته الركعة ، وإن ترك بالكلية ولم يتدارك فإنه تبطل صلاته ، ومن الواجبات ما يمكن للمكلف إذا تركه ناسياً أن يجبره بسجود السهو ، فهو أخف من الذي قبله ، فالذي من قبل لا يجبر بسجود السهو ، فانقسم الذي يلزم إلى هذين القسمين :

ما تتوقف عليه الماهية - كما يعبر الأصوليون - ما تتوقف عليه ماهية الصلاة ، بمعنى أنك لا يمكن أن تصف المصلي بكونه مصلياً إلا بفعله ، هذا ركن .

وما لا تتوقف عليه الماهية ، ولكنه يلزم به المكلف ، بحيث لو تركه أثم ، ولو تعمد الترك بطلت الصلاة ، وهو الواجب ، فبدأ بالأركان من باب البداءة بالأهم قبل المهم .

قال-رحمه الله- : [ القيام ] : قد تقدم الكلام عن دليل القيام ، وعن الأمور التي يتحقق بها قيام المصلي ، وعن ما يستثنى من هذا الحكم ، بحيث يرخص للإنسان في ترك هذا الركن ، وقد انتهينا من هذا الركن ، وبينا أحكامه وفروعه .

قال-رحمه الله- : [ القيام والتحريم ] : التحريم : المراد بها : تكبيرة الإحرام ، فالركن الأول : القيام مع القدرة ، والركن الثاني : تكبيرة الإحرام ، يختصر بعض العلماء ، ويقول : التحريم ، ومراده تكبيرة الإحرام وصفت بكونها تحريم وبكونها تكبيرة الإحرام ؛ لأن المكلف إذا جاء بها دخل في حرمات الصلاة ، ولا يمكن له أن يحكم بكونه مصليًا إلا بعد إتيانه بها .

التكبير للدخول في الصلاة - وهو تكبيرة الإحرام - يعتبر ركناً من أركان الصلاة ؛ والدليل على ركنيته قوله-عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي هريرة في الصحيحين للمسيء صلاته : (( إذا قمت إلى الصلاة فكبر )) فأمره بهذا التكبير ، وقد ثبت عن النبي-r- أنه كبّر تكبيرة الإحرام في أكثر من ستّين حديثًا عن أصحاب النبي-r- ، ولذلك بلغ مبلغ التواتر .

وأما إلزام المكلف بها بحيث لو لم يأت بها لم تصح صلاته ؛ فلقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )) .

فقوله في هذا الحديث : (( تحريمها التكبير )) أي أن دخول المكلف في حرمات الصلاة يتوقف على شيء وهو تكبيرة الإحرام ، فإن وجد هذا الشيء حكمت بكونه مصلّياً ، وقد دخل في الحرمات ، وإن لم يوجد حكمت بكونه غير مصلّيًا ؛ ولذلك قالوا : هي ركن من أركان الصلاة ، هذا الركن الثاني : التكبير .

تكبيرة الإحرام ذكرنا أن العلماء-رحمهم الله- لهم فيها ثلاثة أوجه :

الوجه الأول يقول : لا تنعقد تكبيرة الإحرام إلا بلفظ : ( الله أكبر ) بخصوصه ، كما هو مسلك المالكية والحنابلة من حيث الجملة .

المسلك الثاني يقول : يصح للمكلف أن يقول : ( الله أكبر ) وما اشتق من هذا : (كالكبير) ، فإنه يصح أن يقول: الله كبير،  وتنعقد تحريمة .

الوجه الثالث : أنه يصح للمكلف أن يدخل في الصلاة بكل لفظ دال على التعظيم ، فلو قال : (الله العظيم الله الجليل) صح ذلك وأجزأه ، واعتبر داخلاً في حرمات الصلاة ، ذكرنا هذه الثلاثة الأوجه :

الأول: للمالكية والحنابلة .

والثاني: للشافعية .

والثالث: للحنفية-رحمة الله على الجميع - .

وبينا دليل كل . وأن الراجح والصحيح أنه لابد من قول المكلف : ( الله أكبر ) ، وأنه لو غير في هذه الصيغة ولو بالذكر العام فإنه لا تنعقد تحريمته ، ولا يعتبر قد دخل في حرمات الصلاة .

هذا التكبير إن كان القيام ركناً ؛ فلا تصح تكبيرة الإحرام إلا بعد أن يستتم المكلف قائماً ، وإن كان القيام موسعاً فيه كصلاة النافلة يصح أن يكبر وهو جالس - تكبيرة الإحرام - ويصح أن يكبر أثناء قيامه ، ويصح أن يكبر بعد أن يستتم قائماً ، بناءً على هذا من الأخطاء الذي يفعلها بعض الناس في الصلاة المفروضة أنه يقوم تقام الصلاة ، فيستعجل في القيام فقبل أن يستتمّ قائماً يكون قد كبر ، فلا ينعقد تكبيرته إلا بعد ثبوت القيام ؛ لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( إذا قمت إلى الصلاة فكبر )) ، فجعل التكبير مرتباً على القيام ، ولذلك لابدّ من سبق القيام بالتكبير، ولا يصحّ أن يكبر قبل أن يستتمّ قائماً ، فتلازَم القيام والتكبير .

[ والفاتحة ] : والفاتحة هذا الركن الثالث ، أي قراءة سورة الفاتحة ، وهذا الركن دليل لزومه قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) ، وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج فهي خِداج )) أي ناقصة .

وهذان الحديثان صحيحان ثابتان عن رسول الله-r- ، فمن صلى ولم يقرأ الفاتحة ؛ فإنه لا تصح صلاته. وهنا أمور :

أولها : أن قراءة الفاتحة لازمة ، وأنها ركن من أركان الصلاة ؛ لظاهر السُّنة ، هذا الركن يجب في الصلاة في كل ركعة ، ولا يختص بجزء منها ؛ لأن العلماء اختلفوا :

فمن أهل العلم-رحمة الله عليهم- من يقول : من قرأ الفاتحة في ركعة ؛ صحت صلاته لو تركها في بقية الركعات . وقال الإمام مالك-رحمه الله- في إحدى الروايات عنه : لو ترك الفاتحة في رباعية في ركعة من رباعية أجزأه وصحت صلاته .

والصحيح أنه لابد من قراءتها في كل ركعة ؛ وذلك لدليلين :

أحدهما : أن النبي-r- قال : (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) ، وقد قال في الحديث القدسي :       (( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل )) ، ثم ذكر القراءة وهي واقعة في الركعة ، فصح أن يصدق على الركعة أنها صلاة ، وأن جزء الصلاة وهي الركعة يعتبر صلاة ؛ لأن الذين قالوا : يجوز أن تقرأ الفاتحة في ركعة ويجزيك قالوا : لأن النبي-r- قال : (( أيما صلاة لا يقرأ فيها )) وأنت قد قرأت ، فهم يقولون : يصح أن تقرأها في ركعة ، ويصح أن تقرأها في ركعتين وتقتصر على هذا .

والصحيح أنه لابد من قراءتها في كل ركعة ، ويقوّي هذا حديث المسيء صلاته فإن النبي-r- لما أمره بالقيام والقراءة في الركعة الأولى ووصفها ، قال له بعد القراءة : (( اركع حتى تطمئنّ راكعاً )) ثم ارفع ، ثم ذكر السجود ثم قال بعد أن انتهى من السجدة الثانية : (( اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )) .

فدل على أن هذا الموصوف الذي ذكره ، وألزم فيه بالقراءة في الأولى أنه يسري الحكم إلى غيره كما هو ثابت فيه ، وبناءً على ذلك يلزم المكلف بقراءة الفاتحة في كل ركعة .

 وكان بعض العلماء يقول : إن الأخريين من صلاة الظهر لا يقرأ فيها ، والصحيح أنه يقرأ ، وكانوا يقولون : إنه يرخص للمكلف أن يترك الفاتحة فيهما ، واحتجّوا بما أثر عن ابن عباس-رضي الله عنهما- وكذلك عن عمر-t- أنهم رخّصوا في ترك الفاتحة كما روى مالك عن عمر في الموطأ ، والصحيح أن الحجّة في السنة ، ويعتذر لعمر إن ثبت عنه - وإن كان الأثر عنه غريباً - إن ثبت عنه بأنه لم يبلغه الحديث  والصحيح ما ذكرناه لظاهر السُّنة وهو الذي يجب على المكلف التزامه في كل ركعة .

المسألة الثانية : هل ركنية الفاتحة شاملاً للمنفرد والمأموم أم الحكم مختلف ؟

أما المنفرد فقلنا : إنه ملزم بها هو والإمام وجهاً واحداً .

أما المأموم فللعلماء أقوال :

فبعض أهل العلم-رحمة الله عليهم- يرون أن المأموم يحمل الإمام عنه قراءة الفاتحة ، كما هو مذهب الحنفية ، وكذلك المالكية إحدى الروايات عن الإمام مالك : أنه إذا قرأ الإمام خاصة في الجهرية سقط عن المأموم قراءة الفاتحة ، ولزمه الإنصات والاستماع .

والصحيح ما ذهب إليه الشافعية ، والحنابلة ، ووافقهم الظاهرية ، وبعض أهل الحديث أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة وراء إمامه ؛ وذلك لأمور :

أولها : أن الحديث الذي دل على وجوب الفاتحة ولزومها عام شامل لحال المنفرد وحال المأموم ، ولا مخصص له .

الدليل الثاني الذي يدلّ على لزوم الفاتحة وراء الإمام : ما ثبت في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه صلى بالناس الفجر، فارتجّ عليه في القراءة ، صلى بالناس الفجر فارتجّ عليه فقال : (( إنكم تقرؤون وراء إمامكم ؟ )) قالوا : نعم . قال : (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) فإن هذا نصّ عن النبي-r- يدل على أن المأموم ملزم بالقراءة وراء الإمام : (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) فإن قوله : (( إلا بفاتحة الكتاب )) استثناء ، والقاعدة في الأصول : " أن الاستثناء إخراج لبعض ما يتناوله اللفظ " ، فأخرج النبي-r- فاتحة الكتاب ، وقال : (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) أي بفاتحة الكتاب افعلوا ، هذا أصل التقدير ، فألزم النبي-r- بقراءتها وراء الإمام ، فدل على أن المأموم وراء إمامه يلزمه أن يقرأ الفاتحة .

أما من قال بعدم لزومها ؛ فاحتجوا بحديث جابر : (( من كان له إمام ؛ فقراءة الإمام له قراءة )) وهذا الحديث الحقيقة جماهير أهل الحديث على ضعفه ، والضعف فيه من القوة بمكان ، وقد نبّه على ذلك الحافظ ابن حجر وغيره ، لكن هناك من أهل العلم من قال بتحسين الحديث ، أنه حسن وحسّن أسانيده لشواهد ، على القول بتحسين هذا الحديث قالوا : إن قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )) يدل على سقوط الفاتحة ، وهذا الحديث يجاب عنه من وجهين :

الوجه الأول : من يقول بلفظه -يعني بالمتن- ويكون جوابه : أن قول النبي-r- : (( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )) أي قراءة الإمام التي يختارها بعد الفاتحة ، ولذلك نسبها إليه ، يعني لو أن الإمام قال : { وَلا الضَّالِّينَ } وقلت : آمين ، قال : { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } ، لا تقرأ ، فقراءة الإمام لسبّح لك قراءة ، فكأنك قد قرأته ، فيكون قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( فقراءة الإمام له قراءة )) أي فيما كان من غير الفاتحة ، وهذا هو الذي ورد فيه الحديث .

الأمر الثاني : أن هناك مسلك يقول : إن هذا الحديث متأخر عن حديث : (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) وليس هناك دليل صحيح يدل على ثبوت تاريخ هذا تأخرًا عن تاريخ الذي قبله ، وادعاء النسخ - كما هو مقرّر في الأصول - ليس بحجة ، النسخ لا يثبت بالاحتمال ، فلو قال أحد : إن هذا الحديث متأخّر عن الحديث الذي قبله لا يقبل حتى يبيّن الدليل على تأخّره ، وأنه قد وقع بعده لكي يكون ناسخاً ، ولذلك يعتبر حديثنا الذي دل على وجوب قراءة الفاتحة على العموم : (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) ، وكذلك أيضاً قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) كلها نصوص صحيحة تدل على أنك إذا صرت وراء الإمام تلزمك قراءة الفاتحة ، وأن هذه الركنية شاملة للمنفرد وللإمام وللمأموم ، يستوي في هذا أن تكون الصلاة جهرية أو تكون سرية ، فإنها إن كانت جهرية تجب فيها قراءة الفاتحة ، ووجه ذلك : أن قراءة الفاتحة بالنسبة لك ركن ، واستماعك لقراءة الإمام لما بعد الفاتحة أعلى درجاته أنه واجب على القول بظاهر الآية { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا }  فنقول : إنه قد تعارض الركن والواجب ، فيقدم الركن على الواجب ، ولو أن قائلاً قال : إن إثبات الركنية إنما هو بالاجتهاد ، لو سُلم جدلاً هذا فإننا نقول : تعارض الواجبان ، هب أنهما واجبان ، واجب متصل وواجب منفصل ، والقاعدة : " أنه إذا تعارض الواجب المتصل بعبادة المكلف مع الواجب المنفصل ؛ فإنه يقدم المتصل الذي أمر به إلزاماً على من فصل عنه على سبيل المتابعة للإمام " ، وبناءً على هذا يجب على المكلف أن يقرأ الفاتحة وراء الإمام ، سواءً كانت الصلاة جهرية ، أو كانت سرية .

قوله : [ قراءة الفاتحة ] قال : الفاتحة هنا ، بعض العلماء يعبّر ويقول : قراءة الفاتحة ، وهذا أدق ، والتعبير بالقراءة إسقاط لما في السر ، فلا يجزي الإنسان أن يقفل فمه ، يكبّر - مثلاً - بعض الناس يكبر تكبيرة الإحرام ويقفل فمه ، فتجده كالصامت وهو يقرأ في داخل نفسه ، فهذه القراءة لا تجزيه ، ولا تصح منه حتى ينطق ، وقالوا : يُسْمع نفسه ؛ ولذلك قال-عليه الصلاة والسلام- : (( لا صلاة لمن لم يقرأ )) والقراءة إنما تكون باللفظ ، وأما ما كان في النفس فليس بقراءة ، ولا في حكم القراءة .

 إذا ثبت أن المكلف مأمور بقراءة الفاتحة ، فما الذي يستثنى من هذا ؟ يستثنى من هذا إذا أدرك الإمام راكعاً وهو مأموم ؛ فإنه تسقط عنه الفاتحة ؛ لظاهر حديث أبي بكرة ، وقد قال-عليه الصلاة والسلام- : (( من أدرك الركوع ؛ فقد أدرك السجود ، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة )) وهذا نص وبناءً على هذين الحديثين نقول : إن هذا استثناء لهذه الحالة بعينها ، فمن أدرك الإمام راكعاً ؛ سقطت عنه الفاتحة ؛ لأنه لم يدرك وقتاً يمكنه فيه القيام بركنه .

الحالة الثانية : أن يدركه قبل الركوع ؛ فحينئذٍ لا يخلو من ضربين :

إما أن يدرك وقتاً يتسنى له أن يقرأ فيه الفاتحة فيقصّر أو يشتغل بدعاء الاستفتاح ؛ فحينئذٍ يلزمه قضاء الركعة إن لم يقرأ الفاتحة ؛ لأنه كان بإمكانه أن يقرأ .

 أما لو أدرك وقتاً لا يمكن معه قراءة الفاتحة ، بمجرّد أن كبر وقبض يديه وشرع في الفاتحة كبرّ الإمام للركوع سقطت عنه الفاتحة ؛ لأنه لم يدرك وقتاً يلزم في مثله بالقراءة .

المسألة الثانية التي تستثنى ممن يجب عليه قراءة الفاتحة : وهي القراءة باللفظ ، فيستثنى المريض الذي يكون بلسانه عاهة ، ولا يمكنه التحريك ، فإنّه يجزيه أن يقرأ في نفسه ؛ لأنّ التّكليف شرطه الإمكان ، وهذا ليس بإمكانه أن يقرأ إلا على هذا الوجه ، فسقط عنه اللفظ ، وتحريك اللسان ، وبقي على الأصل .

في حكم هذا من كان في لسانه جراح ، من كان مجروح اللسان بحيث يتعذّر عليه ، أو يصعب عليه ، أو يتألمّ عند تحريك اللسان ؛ فإنه يجزيه لو أطبق شفتيه ، وقرأ في نفسه يجزيه ذلك ، وتصح منه القراءة ، ويعتدّ بها .

[ والركوع ] : الركن الثالث : الركوع ، ودليل ركنيّته قوله-تعالى- : { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ }  وقوله-تعالى- : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } فقوله : { ارْكَعُوا } أمر ، ودلت السُّنة على ثبوت ذلك ولزومه كما قال-عليه الصلاة والسلام- للمسيء صلاته : (( ثم اركع حتى تطمئنّ راكعاً )) فدل على لزوم الركوع ، وأنه ركن في الصلاة .

والركوع يتحقّق بوصول اليد إلى الرّكبة ، فإذا وصل الكفّ إلى الركبة ؛ فقد ركع ، وبناءً على ذلك لو انحنى فلم تصل الكف إلى ركبته ؛ فإنه لا يعتبر راكعاً ، ولا يجزيه ذلك ، ولو انحنى ووصلت كفّاه إلى ركبتيه ولكنّه لم يهصر ظهره ؛ فإنه حينئذٍ يجزيه الركوع وفاتته السُّنة ؛ لأن السُّنة أن يهصر ظهره كما جاء في حديث عائشة : (( ثم هصر ظهره )) فإذا هصر الظهر واعتدل الظهر فهذه مرتبة الكمال ، وهي سنّة النبي-r- ، فإن حصل منه قدر الإجزاء وهو بلوغ الكفّين للركبتين ؛ صحّ ركوعه ، ولكن فاته الكمال ، فإن وجد عذر من مرض أو ضيق مكان كتب له أجر السُّنة كاملاً لوجود العذر.

كذلك أيضًا هناك مسألة وهي : أن يتعذّر على الشخص أن يركع ، ما الذي يستثنى من هذا الركن ؟

يستثنى من كان مريضاً على وجه لا يتسنىّ له أن يركع ، فحينئذٍ يجزيه أن ينحني بالقدر الذي يصل إليه على حالة لا يشقّ فيها أو لا يبلغ بها يبلغ فيها بنفسه درجة المشقّة ، فإذا انحنى بهذا القدر من الانحناء الذي يستطيعه ويطيقه فقد أجزأه ، وانعقد ركوعه . هذا بالنسبة للمعذور ، يستثنى من ركنيّتها أن يكون الإنسان على دابّته في السفر ويصلّي النافلة ، فإن هذا الرّكوع يعتبر ركناً بمعنى أن يطلب فعله ، ولكنه ركن باعتبار، فيحني ويكون انحناؤه فوق السجود فوق انحناء السجود .

أما انحناء السجود فإنه يكون أبلغ ، فينحني انحناءً يكون بقدر ، فإذا حصل هذا الانحناء صدق عليه أنه قد ركع وأجزأه وتحقّق الركن من صلاته النافلة .

[ والاعتدال عنه ] : الركن الرابع : الاعتدال عن الركوع ، والاعتدال : الشيء المعتدل هو الذي لا اعوجاج فيه ، فلما كان المكلّف في حال الرّكوع يحني ظهره ؛ فإنّه يخرج عن هذا الركن إلى الركن الذي بعده بوجود الاعتدال . والاعتدال هو : أن يستتمّ قائماً ، ولذلك ثبت عن النبي-r- أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع اعتدل حتى يرجع كل فقّار إلى موضعه .

والمراد بقوله : (( كل فقار )) يعني فقرات الظهر ؛ لأن ظهر الإنسان فيه الفقرات ، فإذا انحنى تباعد ما بين الفقرات ، لكن إذا اعتدل كأنها رجعت إلى حالتها الطبيعية . فقال : (( رجع كل فقّار إلى موضعه )) وهذا الحديث يدل على هديه في الاعتدال .

أما كون الاعتدال ركناً ؛ فدليله قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( ثم ارفع - يعني من الركوع - حتى تعتدل قائماً )) . فإذا حصل الاعتدال قائماً ؛ أجزأه ، وتحقّق الركن ، لكن لو أنه رفع من الركوع ، وقبل أن يستتمّ قائماً انحنى ساجداً ، أو خرّ ساجدًا ؛ فإنه لا يجزيه ، ولا يصحّ منه ذلك ، وإذا لم يتداركه وجب عليه قضاء الركعة ؛ فإن لم يقضها بطلت صلاته ؛ لأنه لابد من ركن الاعتدال ، قال-r- : (( لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في الصلاة )) فلابدّ من أن يستتمّ قائماً ، فلو أنه قال : ( سمع الله لمن حمده ) ولم يستتم قائماً وبادر بالسجود ؛ فإنه حينئذٍ يحكم بما ذكرنا .

يستثنى من هذا : الذي لا يستطيع أن يستتمّ قائماً كالمريض أو الشيخ الهرم ، إذا كان منحني الظهر فإنه حينئذ يكون ركوعه بالقدر ، ويكون رفعه من الركوع على القدر الذي يستطيع تحصيله في حال قيامه .

[ والسجود على الأعضاء السبعة ] : والسجود على الأعضاء السبعة : هذا أيضاً من أركان الصلاة ، أن تسجد على الأعضاء السبعة التي ذكرناها .

أما دليل ركنيّة السجود فقوله-I- في آية الحج : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } فإن فقوله-I- : { اسْجُدُوا } أمر ، والأمر يدل على اللزوم والوجوب ، وقال-عليه الصلاة والسلام- للمسيء صلاته : (( ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجداً )) فدلّ على أن السجود ركن من أركان الصلاة .

ويتحقّق السجود على الكمال بما ذكرناه من كونه على الأعضاء السبعة ، وقد بينّا ذلك ، وبيّنا دليله من حديث ابن عباس الثابت في الصحيح : (( أمرت أن أسجد على سبعة آراب أو على سبعة أعظم )) كما في الرواية الثانية ، فإذا سجد فتحصّل ذلك بالسبعة الأعضاء ؛ فإنه تمّ ركنه ، وأجزأه بمماسة الأرض ، ثم يبقى شرط الطمأنينة الذي يأتي ذكره .

يستثنى من هذا من كان مريضاً ، بحيث لا يمكنه الهوي للسجود ، ولا أن يسجد ، حتى ولو كان يخشى ضرراً بعضو أو نفس ، كمن أجري له عملية في عينه ؛ فإنه قد يمنع من السجود خشية ذهاب البصر ، فأصح الأقوال وهو قول جماهير السلف-رحمة الله عليهم- والعلماء أنه يرخّص للإنسان إذا خاف على بصره لطب ونحوه أن يترك السجود ، وشدد في ذلك بعض السلف ، ومنهم ابن عباس ، قالوا: إن سبب إصابته بالعمى أنه كان مريضاً في عينه ، ثم نصحه الطبيب أن لا يسجد ، طبه ثم قال له : لا تسجد ، فلم يرضَ بذلك ، وسجد ، فكفّ بصره-t- ، وإن كان الذي ذكره غير واحد من العلماء-رحمة الله عليهم- أن ابن عباس ابتلي بذهاب البصر ، لأنه قلّ أن يرى أحد الملائكة إلا عمي بصره ، وكان قد رأى الملائكة كما جاء في حديث الصحيح لما دخل على النبي-r- هو وأبوه العباس ، لماّ دخل سلم العباس فلم يرد النبي-r- عليه وكان مشغولاً بالوحي، لأن جبريل كان يسار النبي-r- بأمر، فسلم وكرر السلام فلم يرد عليه فانصرف العباس وفي نفسه شيء ، خاف أن رسول الله-r- قد وجد عليه ، فلما انصرف علم عبدالله من أبيه ما علم ، فقال : يا أبتي ، إنه قد شغل بمن معه ، وكان قد رأى جبريل ، فلما قال ذلك ، رجع العباس إلى النبي-r- وأخبر ، قال : " أوقد رآه ، ذلك جبريل-u- " .

وقال-أيضاً- ابن عباس-رضي الله عنهما- : لو كان معي بصري لأريتكم الغار الذي نزلت منه الملائكة يوم بدر ، يعني يوم القتال ، فهذا يقولون إنه قلّ ، وذكروا لهذا شواهد من الصحابة أيضاً لغيره من الصحابة رأوا وكفت أبصارهم ، كونه غالباً ما يبقى له بصره ، يقول : إن هذا سنة يعني كونية من الله-U- أنه لا يبقى له البصر لقوة مما رآه ، ولكن هذا قد يستثنى منه الأنبياء ونحوهم مما أعطوا بإقدار الله-U- ؛ لأن النبي-r- رأى جبريل على حقيقته .

المقصود أن مسألة كف البصر يعني هناك من العلماء من يقول أن ابن عباس كان هذا مذهبه أنه يشدد حتى في نهي الطبيب له أن ينكف البصر لم يرخص لنفسه ، لهذا قال بعض العلماء : إن الخوف على العضو، أو الخوف من الزيادة في المرض لا يرخص بترك السجود .

والصحيح أنه يرخّص ، فمن كان قد تعاطى علاجاً أو عملية جراحية في صلبه أو ظهره ، وخشي أنه لو سجد يتضرّر أو يذهب عضو من أعضائه ؛ فإنه يرخّص له في ترك السجود ، ولا حرج عليه أن يسجد بالقدر الذي يصل إليه ، فإن صلى على مرتفع نشز كالكرسي ونحوه ؛ فسجوده أخفض من ركوعه ، بمعنى أن يكون انحناؤه على أبلغ ما يكون عليه الانحناء هو السجود ، ويكون الركوع أرفع منه قليلاً ، هذا إذا كان على نشز.

أما لو كان على الأرض كأن يجلس جلسة التشهد ، فإن سجوده أن ينحني إلى القدر الذي يستطيع تحصيله دون ضرر، فإذا بلغ هذا القدر؛ فإنه يعتبر ساجدًا ، لكن ينبغي أن ينبه على كيفية السجود ، فبعض الناس يكون مريضاً ولا يستطيع السجود ، فتجده إذا سجد وضع كفيه على فخذيه وانحنى ، وهذا لا يصح ، بل المنبغي أن ينـزل الكفين إلى الأرض ؛ لأنه مأمور بالسجود على السبعة الآراب ، فكونه عاجزًا عن إيصال الجبهة أو الرأس إلى الأرض لا يوجب أيضاً الترخيص بترك مماسة اليدين للأرض ؛ لأن القاعدة : " أن ما أبيح للضرورة يقدّر بقدرها " ، فضرورته أن لا يصل رأسه إلى الأرض ، والزائد على الضرورة من كونه يترخّص بسحب اليد ووضعها على الفخذ لا موجب له ، فيبقى على الأصل الموجب لتحصيل السجود به .

[ والاعتدال عنه ] : الاعتدال عن السجود ، والمراد بذلك أن يحصّل القعدة ، وذلك بالرفع من السجود ، فإذا اعتدل من السجود حصل الركن ، وهذا الاعتدال أمر به النبي-r- في حديث المسيء صلاته : (( ثم ارفع حتى تستوي جالساً )) فدل على ركنيّة هذا الرفع من السجود ، وأنه يلزم به ، ذكره في موضعين : ذكره في السجدة الأولى ، والسجدة الثانية ، فقال : (( حتى تستوي جالساً )) وقال : (( ثم ارفع حتى تستوي قائماً )) (( أو تعتدل قائماً )) فدل على ركنين :

الركن الأول : الرفع من السجود أو الاعتدال عنه .

والركن الثاني : الجلسة بين السجدتين .

[ والجلوس بين السجدتين ] : والجلوس بين السجدتين : وهناك من العلماء من يجعلهما ركناً واحداً ، ولكن من دقة المصنف ، وتحرّيه ، وفقهه أنهما ركنان ، وليس بركن واحد ؛ لأن هناك فرقاً بين قولك : الجلوس بين السجدتين ، والاعتدال من السجود ؛ لأن الاعتدال يقع بالجلوس ، ويقع أيضاً بعد الجلوس ، كما لو سجد السجدة الثانية ، فمن دقّة المصنف قال : [ الاعتدال عنه ] حتى يشمل ما بعد السّجدة الثانية ، ويكون قوله : [ والجلسة بين السجدتين ] ركن منفصل ؛ لأنه يختص فيما بين السجدتين ، فلو قال الاعتدال عنه وسكت ، فإنه لا يتضمن ذلك الجلسة بين السجدتين ، ولو قال الجلسة بين السجدتين وسكت ، فإن هذا لا يشمل الرفع بعد السجدة الثانية ، ومن هنا كان من فقهه-رحمة الله عليه- أن جعلهما ركنين ، وهذا هو الصحيح ، ولذلك تعقّب بعض الشراح للمصنف-رحمة الله عليه- ليس في محله ، بل من دقّته أن هذا ركن وهذا ركن ؛ لأنك لو قلت : الجلوس عن الجلسة بين السجدتين لم تنبّه على ركن الرفع من السجدة الثانية ، فإن الرفع من السجدة الثانية ليس فيها جلوساً بين السجدتين كما هو معلوم ، ولو قلت : الرفع من السجود ، فإن الرفع من السجود مطلق لا يستلزم جلوسك بين السجدتين ؛ لأن من رفع ولم يجلس صدق عليه أنه قد حصّل الركن ، فلذلك كان من دقّته-رحمة الله عليه- تعبيره بهذه العبارة : [ الرفع من السجود أو الاعتدال عنه ] كما قال : [ والجلسة بين السجدتين ] .

الجلوس بين السجدتين يتحقّق بحصول الجلسة ، والجلسة بين السجدتين كما هو معلوم بالافتراش ، يرفع الإنسان حتى يستوي جالساً ، وتحصل له طمأنينة الجالس ، لكن لو رفع من السجود ، وقبل أن يستوي جالساً كبر للسجدة الثانية ، فإنه لا يجزيه ، ولم يتحقّق ركن الجلوس بين السجدتين ، فيلزم أن يرجع مرة ثانية ، ويستقر جالساً ؛ لأنه قال : الجلوس ، وهذا لم يجلس ، ويتحقّق الجلوس كما يذكر بعض العلماء بالتصاق الإلية بالعقب أو بباطن إذا فرش رجله اليمنى للإليتين ، فإذا حصل هذا فقد جلس ، لكن لو كان قبل أن يرجع وتصل الإلية إلى العقب ، قال : (الله أكبر) لم يصح ذلك ولم يجزه ، ويلزمه أن يعيد الجلوس بين السجدتين ، وتلغى السجدة الثانية التي سجدها ، ويسجد لها سجود الزيادة ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- .

[ والطمأنينة في الكل ] : الطمأنينة : الطمأنينة المراد بها تحصيل الوقت الكافي الذي يصدق به تحصيل الركن ، ففي القيام لا إشكال أنه سيقرأ الفاتحة ، فيحصل الطمأنينة المعتبرة ، فإن وقت الفاتحة قدر للطمأنينة ، لكن في الركوع ، والسجود ، والرفع من السجود ، والرفع من الركوع ، هذا هو الذي يبحث العلماء فيه الطمأنينة، فأكثر ما تقع الطمأنينة في هذه المواضع :

أولها : إذا ركع ؛ لأنه في القيام سينشغل بالقراءة ، إذا ركع ، فإذا ركع فإن الواجب عليه تسبيحة واحدة ، فإذا ركع ومباشرة رفع ، ولو قال : (سبحان ربي العظيم ) بالخطف ؛ فإنه حينئذٍ لا يجزيه ؛ لأنه لم يطمئن وهذا هو الذي وقع من المسيء صلاته ، وهو الذي من أجله نبّهه النبي-r- على صفة الصلاة ؛ لأن هذا الرجل كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة صلّى ولم يحسن الصلاة ، والمراد بعدم إحسان الصلاة استعجاله فيها ، فهذه الطمأنينة إذا ركع تكون بمعنى أنه ينتهي إلى الركوع الكامل ، فإذا انتهى إلى الركوع الكامل يقول : ( سبحان ربي العظيم ) ، قدر قوله : ( سبحان ربي العظيم ) يعتبر تحصيلاً للطمأنينة ، قدر قوله : ( سبحان ربي العظيم ) فلو أنه خطف الكلام ، أو أنه -مثلاً- ركع ونسي ( سبحان ربي العظيم ) ورفع مباشرة ؛ فإنه حينئذٍ يبطل ركوعه ، في هذه الحالة يبطل ركوعه ، ويلزمه أن يعيده ، فإن لم يتداركه بالإعادة ؛ لأننا نلغي ، لو قال : ( الله أكبر ) وركع مباشرة ، وقال : ( سمع الله لمن حمده ) ، فإن هذا الركوع يلغى ، ما الحكم ؟ نقول : أعد ركوعك ، مباشرة بعد قوله : ( سمع الله لمن حمده ) يلزمه أن يرجع إلى الركوع ، فيقول : ( الله أكبر ) ويركع ويقول : ( سبحان ربي العظيم ) ويحصّل قدر الطمأنينة ثم يرفع ، ويبقى ما بين الركنين من كونه ركع ورفع لاغياً ؛ لأنه لم يعتد به الشرع ، فيسجد له السجود البعدي المتعلق بالزيادة فتلغيه له ، وتأمره بسجود الزيادة .

[ والتشهد الأخير ] : والتشهد الأخير : التشهد في الصلاة تشهدان إذا كانت رباعية أو ثلاثية ، أما إذا كانت ثنائية أو كانت وترًا فالتشهد واحد ، فإن كانت ثنائية أو وتراً ؛ فإنهم يعبّرون ويقول التشهد الأخير ، لأنه هو الأخير فليس قبله تشهد ولا بعده .

كذلك أيضاً يقول التشهد الأخير المراد به الذي بعده السلام ، أي الذي يتحقّق أو يحصل بعده السلام ، هذا التشهد يعتبر ركناً من أركان الصلاة ، وقد أمر النبي-r- به أن يقعد الإنسان للتشهد ، وهذا الركن لو أن  إنساناً جاء وكبّر ، وسجد السجدة الثانية من الركعة الثانية ؛ ثم مباشرة سلّم ؛ فإنه يحكم ببطلان صلاته ، فلابد من التشهد ، الذي هو قراءة التشهد ، والمراد بقوله : [ التشهد ] يعني اللفظ الذي هو ذكر التشهد ، وقد تقدم بيانه وذكر الأحاديث فيه ، وهي حديث ابن مسعود ، وحديث عبدالله بن عمر ، وحديث عبدالله بن عباس ، وحديث عمر بن الخطاب-رضي الله عن الجميع- ، وأبي سعيد الخدري- رضي الله عن الجميع- ، وذكرنا صفات التشهد ، وذكرنا كلام العلماء فيها ، لكن هذا التشهد الأخير الركن فيه ينتهي عند قولك : ( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) ، فلو أن مصلياًّ قال : ( التّحيات لله ) قرأها ، حتى بلغ قوله : ( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ) وجاء أمر فزعه واحتاج أن يقطع الصلاة فسلّم صحت صلاته ؛ لأن الزائد ليس بركن ، يعني ما بعد التشهد من الصلاة على النبي-r- ، والدعاء ليس بركن ، على أصح أقوال العلماء كما سيأتي ، وبناءً على ذلك لو وقف عند آخر جملة من التشهد ، عند قوله : ( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدّا رسول الله ) وسمع أمراً خطيراً ، وأمراً أفزعه ، ويريد أن يدركه وسلم ؛ صحت صلاته وأجزأه .

[ وجلسته ] : وجلسته أي الجلوس للتشهد الأخير، فلو قرأ التشهد الأخير وهو واقف ؛ فإنه لا يعتدّ بقراءته إلا أن يكون معذورًا ، أو قرأ التشهد الأخير قبل أن يستتمّ جالساً ، رفع من السجدة الأخيرة وانحنى فلم يستتمّ جالساً ، وقرأ التشهد بسرعة وسلم لا يجزيه ، ولابد من أن يستتمّ جالساً ، ويقرأ التشهد بكماله بالقدر الذي قلناه ، ثم بعد ذلك إن سلّم لحاجة ؛ فحينئذٍ تصح صلاته وتعتبر .

[ والصلاة على النبي-r- ] : والصلاة على النبي-r- ؛ لأنها ركن على هذا القول ، والحقيقة ليس هناك دليل قوي في ركنيّة الصلاة على النبي-r- في الصلاة ، هي سنة وثابتة ، ومن هدي النبي-r- لا يشك في هذا ، لكن القول بكونها ركن لو تركت تبطل بها الصلاة , هذا ليس هناك دليل صريح عليه ؛ احتجوا بقوله-تعالى- : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } وهذا عام ، ولا يدلّ أعم من موضع النزاع ومثل هذا لا يصح حجّة على الإلزام ، ولو قلنا بأنه يصرف حجة نقول: غايته أن يكون واجباً ، ولا يقال بكونه ركناً ؛ لأن الركنيّة توجب بطلان الصلاة .

والأمر الثاني : أن الصلاة على النبي-r- جاءت في الدعاء ، يعني أشبه ما تكون من أجل الدعاء ، ولذلك شرع في الأدعية أن يكون فيها الصلاة على النبي-r- ، والصلاة أشرف مواضع الدعاء ، فهي مناسبة من أجل الدعاء ، وما شرع يعني إذا كان الأصل ليس بواجب فمن باب أولى ما يقصد له ، فإن الدعاء نفسه ليس بواجب ، وبناءً على هذا يكون ما شرع له ليس بواجب من باب أولى وأحرى ، ولذلك ليس هناك حديث أو آية تدل صراحة على كون الصلاة على النبي-r- ركناً في الصلاة ، قالوا : حديث كعب بن عجرة-t- في تعليمه-عليه الصلاة والسلام- ابن مسعود وتعليمه-عليه الصلاة والسلام- الصحابة والصلاة عليه قالوا قوله : (( قولوا : اللهم صل على محمد )) (( قولوا )) : هذا أمر ، ويدل على ركنية الصلاة على النبي-r- في الصلاة ، وهذا مردود ، أو يجاب عنه : بأنه مبني على بيان ، وذلك أن الصحابة سألوا النبي-r- ، والسؤال معاد في الجواب ، فيكون قوله : (( قولوا )) من باب البيان ، ألا ترى لو أن إنسانًا قال لعالم : كيف أصلي ركعتي نافلة ؟ قال له  - مثلاً - : قم وافعل كذا وكذا وكذا ، فإننا لا نقول : إن هذا لازم عليه بالأصل أنه يجب عليه أن يصلي الركعتين ، وإنما يكون من باب البيان المرتّب على السؤال ، والبيان المرتّب على السؤال لا يقتضي الإلزام ، وإنما يكون إلزاماً أن يقول-عليه الصلاة والسلام- : (( إذا صليتم فصلوا علي )) -عليه الصلاة والسلام- ، ثم أيضاً حديث كعب بن عجرة الذي فيه التعليم لصفة الصلاة على النبي-r- ليس فيه الدليل على التعيين في الصلاة أيضاً ، تخصيصه في الصلاة ، وبناءً على ذلك يعتبر حتى ولو سلمنا أن الدلالة قوله : (( قولوا )) للوجوب فإننا نقول : إن هذا على سبيل العموم ، ومسألتنا على سبيل الخصوص ، وإذا كان الدليل أعم من موضع النـزاع فإنه لا يقوى على إفادة المراد ، وبناءً على هذا الذي يترجح - والعلم عند الله - أن الصلاة على النبي-r- ليست بركن ، بمعنى أن من تركها لا تبطل صلاته ، ولكن لا شك أن الأكمل والأحرى والأولى بالمصلي أن لا يصلي إلا وقد صلى على النبي-r-.

[ والترتيب ] : والترتيب : رتب الشيء على الشيء إذا جعله عليه ، بمعنى كان وجود الثاني بعد الأول ، والثالث بعد الثاني ، وهكذا ... فالترتيب المراد به جعل الشيء مبنياًّ على الشيء ، ومراد المصنف هنا بالترتيب : أي أن يوقع هذه الأركان مرتّبة على الصورة التي وردت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -r- ، فبناءً على ذلك هذه الأربعة عشر ركناً لو أنّ إنساناً قدّم بعضها على بعض ؛ فإنه قد يقول لك قائل : أنت تقول بكون هذه الأركان لازمة ، والمكلّف فعل جميع هذه الأركان ، جاء وكبّر ، فلما قام ركع مباشرة ، وبعد الركوع رفع من الركوع وقرأ الفاتحة ، فإذا نظرت إلى الصلاة الأركان جميعها موجودة ، لكنها ليست مرتّبة على الصفة التي وردت في السُّنة ، تقول : هذا غير معتبر ، فالركن ومحل الركن لابدّ منه ؛ ودليلنا على الإلزام بالترتيب ، قوله-عليه الصلاة والسلام- للمسيء صلاته : (( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع ، ثم ارفع ، ثم اسجد ، ثم ارفع )) فالعطف بـ ( ثم ) يفيد الترتيب ، وقد وقع هذا العطف بين هذه الأركان فدل على أنه لا يصح إيقاع بعضها سابقاً على بعض .

[ والتسليم ] : والتّسليم : الركن الأخير التّسليم ، والمراد بذلك أن يقول : ( السلام عليكم ) ، هذا أقلّ قدر يصح به التّسليم ، فلو أن مصلياً قال : ( السلام عليكم ) تسليمة واحدة ؛ فإنّه يجزيه ، وتتمّ صلاته ، وهناك صفات أخرى ذكرناها في التسليم منها : أن يقول : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، ( السلام عليكم ورحمة الله ) هذه الصفة الأولى .

والصفة الثانية المشهورة : ( السلام عليكم ورحمة الله ) ، ( السلام عليكم ورحمة الله ) .

والصفة الثالثة : ( السلام عليكم ورحمة الله ) على اليمين ، ( السلام عليكم ) على اليسار .

الصفة  الرابعة : ( السلام عليكم ) على اليمين فقط ، هذه أربع صفات من فعل واحدًا منها ، فإنه قد خرج من صلاته .

[ التسليم ] : المراد به التسليم الأولى ، فلو أنه سلم التسليمة الأولى ، ثم أحدث فإنه تصح صلاته وتجزيه ، ولو أنه سلّم التسليمة الأولى ، فمرّت بين يديه امرأة قبل أن يسلّم التسليمة الثانية ؛ فإن صلاته صحيحة ؛ لأن التسليم قد حصل بالأولى ، والثانية تعتبر سنة ، وليست بواجبة ، هذا بالنسبة للتّسليم ، ودليلنا على أن التسليم ركن : قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )) .

وفائدة كونك تجعل التسليم ركناً حصول الموجب لبطلان الصلاة قبل التسليم ، فلو أن إنساناً تشهّد وقبل أن يسلم انتقض وضوؤه ؛ فإنه حينئذٍ تبطل صلاته ؛ لأنه بقي ركن من أركانها ، وهكذا لو أنه صلّى ، وفي التشهد مرّت امرأة على القول بأنها تقطع الصلاة أو مرّ حمار - أكرمكم الله - أو كلب - أكرمكم الله - فإنه حينئذ نحكم بكونه قد بطلت صلاته ؛ إذ لابدّ من وقوع التسليم قبل وجود المخلّ ، فمادام أن التسليم ركن فإن الصلاة لا تصح .

خالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة-رحمة الله عليه- فإنه يرى أن الخروج من الصلاة بصنعة ، حتى ولو أن إنساناً التفت وقصد بهذا الالتفات الخروج ؛ فإنه يخرج من صلاته ، وهكذا لو صنع أي شيء يخل بالصلاة قاصدًا به الخروج من الصلاة ؛ فإنه يجزيه ، ويعتبر خارجاً من الصلاة .

والصحيح أن الخروج من الصلاة عند تمامها أو قبل تمامها كأن تقام الصلاة وأنت في الركعة الأولى وتريد أن تخرج منها أن تخرج بالتسليم ؛ لأن النبي-r- قال : (( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )) ولم يفصّل-عليه الصلاة والسلام- بين كمالها وبين نقصانها ،فلو قال قائل : قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( تحليلها التسليم )) المراد به أن يكون بعد تمام الصلاة قلنا : هذا تخصيص بدون دليل يدل على التخصيص ، بل إن ظاهر الحديث في سياقه يدل على أن التّسليم مطلق ، وذلك أن قوله : (( تحريمها )) يدل على أنك قد دخلت في الحرمات ، وأن هذا الخروج من الحرمات يفتقر إلى شيء تخرج به ؛ فقال :  (( وتحليلها التسليم )) فالمقابلة تقتضي الملازمة ، بمعنى أنك إذا دخلت في الحرمات لا تخرج من هذه الحرمات إلا بتسليم. طيب ما الفرق بين قولنا : يخرج بتسليم أو يخرج بدون تسليم ، أو أن التسليم هذا لازم ؟

الفرق بينهما أنك لو كنت ترى أن التسليم معتبر للخروج من الصلاة فكبرت وقرأت الفاتحة وقرأت السورة فأقيمت الصلاة وغلب على ظنك أن الصلاة ستفوتك لو استمريت في هذه النافلة فأردت قطع هذه الصلاة فقطعتها بفعل ولم تقطعها بتسليم ؛ فإنه حينئذٍ لا أجر لك فيما مضى ؛ لأنك أبطلت الصلاة بهذا الفعل ؛ لأنه فعل غير شرعي ، وخرجت به عن كونك مصلياً ، لكن لو سلمت معتداً بالأصل الشرعي كتب لك ،دخلت بالحرمة ، وخرجت بالحكم ، فيكتب لك أجرها ، هذا إذا كنت ترى أن التسليم لازمٌ .

أما إذا كنت ترى - كما هو مذهب الحنفية - يرون أنه يخرج بصنعة يقولون : إذا أقيمت الصلاة له أن يلتفت وله مباشرة أن ينوي القطع بقلبه ويكبّر ، وهذا كما قلنا : مخالف لظاهر العموم ، وثانياً : أن قولهم : أنه له أن يتشاغل بأي فعل ، ويكون قلبه مباشرة لو قال : ( الله أكبر ) تكبيرة الإحرام الثانية قالوا : تنعقد لأنه قد قطع بنيّته ، نقول : إن هذا ضعيف ؛ لأن الخروج من الصلاة جمع الشرع فيه بين الظاهر والباطن ، وكونكم تقولون إنه يخرج بمجرد نيّته إنما هو خروج بالجزء ؛ لأن الشرع في الصلاة المعهودة تخرج بالفعل ولا تخرج بالنية ؟ تخرج بالفعل ، وهو التسليم القول والفعل ، فكونهم يقولون : نيته كافية في الخروج يكون اجتزاء بالبعض ، مع أن الشرع لم  يجتزِ بهذا البعض ، واعتبر الخروج من هذه العبادة دلالة ظاهرة ، فلا وجه للاقتصار على دلالة الباطن وهي النية ، ولذلك يقوى مسلك الجماهير أنه لابد من التسليم .

@ @ @ @ @   الأسئلة  @ @ @ @ @

السؤال الأول :

متى يقرأ المكلف الفاتحة خلف الإمام خاصة إذا لم يترك له الإمام فرصة للقراءة ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

قراءة الفاتحة وراء الإمام تكون في السكتات ، كسكوته ما بين قراءة الفاتحة وقراءة السورة ، ولذلك جاء فيها عن سعيد بن المسيب وهو وإن كان مرسلاً فإنه يدل على أن أقل درجاتها أنه كان معهوداً على عهد السلف الصالح-رحمة الله عليهم- ، ومعلوم مكانة سعيد بن المسيب ، وهو أقرب بعهد النبي-r- وكان بالمدينة ، وكان في عهد سعيد بن المسيب يقول الإمام مالك : إن المدينة إلى عهد مالك ما دخلتها بدعة ، وكيف بعهد سعيد بن المسيب الذي كان أقرب الناس إلى عهد أصحاب النبي-r- ، ولذلك يسكت الإمام هذه السكتة ، وهي من فعل السلف كما ذكرنا، ويعطي للمأموم مجالاً أن يقرأ ، فإذا أمكنته قراءتها فالحمد لله ، وإذا لم يمكنه أن يقرأها يستمر ولو استمر الإمام في قراءته ؛ لأننا قلنا يتشاغل بالركن عن الواجب على القول بالوجوب ، ولذلك أمر بها أبو هريرة روى البيهقي عنه في السند الصحيح في جزء القراءة خلف الإمام أنه أمرها بها وقال حتى ولو قرأ الإمام ولذلك يقرأ ولو قرأ الإمام ويستمر حتى ولو لم يعطه الإمام مجالاً لقراءتها لانشغاله بما هو ركن تنعقد به الصلاة ولا تصح إلا به ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الثاني :

ما حكم قراءة الفاتحة للمأموم خلف إمامه في صلاة النفل ؟

الجواب :

الحكم في ركنية الفاتحة شامل للفرض والنفل ؛ فإن النبي-r- لم يفصل في الصلوات ، ولم يفرق بين حال الائتمام وحال الانفراد والإمام ، فيبقى هذا العموم على ظاهره ويلزم المكلف بالقراءة على كل وجه سواء كان في فريضة أو كان في نافلة ولا وجه للتخصيص لعدم ثبوت دليل يخصص ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الثالث :

من كبر تكبيرة الإحرام وانتهى منها في الركوع أو في أثناء الركوع فهل تجزيه ؟

الجواب :

هذه المسألة أن تأتي متأخرًا والإمام راكع، فكبرت ثم رفع الإمام ، أو كبرت وأثناء التكبير رفع الإمام هذه المسألة على صور :

الصورة الأولى : أن تكبر لركوعك وتنتهي من التكبير لكمالها أي أن تكون بعد انتهائك من (الراء) من قولك : (أكبر) قال الإمام : (سمع الله لمن حمده) فأنت مدرك للركوع ، إذا انتهيت من (الراء) من (أكبر) قبل أن يتلفظ الإمام (بالسين) من (سمع) فقد أدركت ولو رأيت بالفعل ؛ لأن العبرة بالقول وليس بالفعل ، وبناءً على ذلك لو رأيته تحرك ثم أنت مباشرة وحذفت التكبير وكبرت فإنه يجزيه وتعتبر مدركًا للركوع وتسقط عنك الركعة كما ذكرناه عند بياننا لمسألة الفاتحة .

أما الحالة الثانية : وهي أن يرفع الإمام أو يسمّع الإمام في أثناء تكبيرك أو قبل تكبيرك فحينئذٍ لا تعتبر مدركًا للركوع، فإذا قلت : (الله أكبر) وما بين لفظ الجلالة (وأكبر) قال : (سمع الله) فحينئذٍ تتم تكبيرك وتبقى قائماً فقد أدركت ركن القيام ولم تدرك ركن الركوع ، وبناءً على هذا يصبح في هذه الحالة يلزمك أن تقضي هذه الركعة لعدم إدراكك لركوعها ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الرابع :

هل الإمام إذا كان راكعًا أن ينتظر الداخل إلى المسجد لإدراك الركعة ؟

الجواب  :

هذه المسألة اختلف فيها السلف-رحمة الله عليهم- كان بعض العلماء يقول : إذا ركع الإمام وسمع رجلاً يدب إلى الصف فإنه لا ينتظره ؛ لأن الصلاة لله وليست للناس ؛ لأنه إذا انتظره وأطال القيام أساء من وجوه :

أولها : أنه قصد الداخل ولم يقصد العبادة، وبناءً على ذلك قالوا هذا يخل في قصده ونيته ، والمساجد لله وليست للناس.

وثانيها : أنه يشق على الجماعة لقاء الفرد ، والأصل تقديم ضرر العام على ضرر الخاص ، فإن إطالة الركوع مشقة لمن ركع وهم الجماعة ، وكونه يرفع من الركوع مشقة على المنفرد وهو المسبوق ، قالوا فنقول : إنه يلزمه أن يعتد بركوعه المعتاد ، فإن بلغ القدر الذي في مثله يرفع رفع .

 وقال طائفة من العلماء بالتفصيل : إن كان يشق الانتظار على المأمومين فلا كالمساجد الكبيرة التي يكون فيها فسحة ، ومكان بعيد بين بابها وبين آخر الصفوف ، فهذا لا ينتظر ، قالوا لأنه إذا انتظر شق على المأمومين . وأما إذا كان لا يشق عليهم فإنه ينتظر ؛ وذلك لعموم الأوامر ، ولثبوت السُّنة بما يشهد بهذا ؛ فقد ثبت في الحديث الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- " أنه كان يصلي الظهر حتى لا يسمع قرع نعال " ، والمراد بذلك إطالته للقيام لكي يحصل المأمومون الصلاة . وقالوا أيضاً أما قولكم : إنه يطيل من أجل الناس فإن الصورة ليست بمقصودة ، وإنما المقصود معنى الصورة ، فإنه لما أطال ليس بذاك الرجل بدليل أنه لا يعرف من الداخل ، وإنما أطال تحصيلاً للقربة ، فكان ثواباً للجماعة وثواباً للداخل ؛ لأنه يطيل من أجل ماذا ؟ من أجل أن المأمومين يحصلون الخير يسبحون أكثر وتكون صلاتهم ما في مشقة لاحظ أن هناك ليس مشقة فقالوا إنما أطال تحصيلاً للقربة ؛ لأنهم إذا أطالوا كان أعظم لأجرهم وتحصيلاً للمكلف أن يدرك الفضل، فليس ثم إخلال ما قصد ، ومن هنا نفهم عبارة بعض العلماء الذين يقولون بهذا القول قالوا : فإن كان الذي دخل يعرفه من ذي شرف أو ذي جاه حرم عليه ، بل قال بعض العلماء : تبطل صلاته إن كان قصد مثل هذا الرجل يعني قصده الإطالة في الركوع مداهنة هذا الرجل أو محبته أو تأليفه أو نحو ذلك مما ليس بمقصد شرعي .

المقصود أن أصح الأقوال أنه إذا كان لا يشق على المأمومين ، والقدر ليس بالضيق عليهم ، ونية الإنسان صالحة أو نية الإمام صالحة فلا حرج لظاهر السُّنة في حديث الظهر ؛ ولعموم الأدلة  التي دلت على معونة الناس في تحصيل الخير ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الخامس :

إذا كان المأموم خلف إمامه في صلاة التراويح فهل له في ركعتين منها أن ينوي السُّنة الراتبة أعني سنة العشاء ؟

الجواب :

لا حرج على المأموم أن ينوي الراتبة راتبة العشاء مع الإمام في صلاة التراويح ، وكان بعض العلماء يستحب غير هذا فيقول: أستحب أن يدخل وراء الإمام بنية التراويح ولا يقلبها راتبة حتى إذا انتهى من الوتر صلى ركعتين ؛ لأنه ثبت في الصحيح عن النبي-r- أنه صلى ركعتين بعد الوتر ، ما الداعي إلى هذا ؟ قالوا : لأنه إذا فعل هذا فقد حصل فضل قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( من قام مع إمامه حتى ينصرف )) قالوا لأن هذه الركعتين الأوليين من التراويح إنما هي من القيام يعني من إحياء الليل فلو نوى بها راتبة العشاء خرج عن كونه مقتدياً بالإمام لاختلاف النيتين . وكان بعض العلماء يستحب أن لا ينوي وراءه ، وإنما يقيم ركعتين بعد الانتهاء من الوتر . والأولون يقولون يدخل بنية الراتبة من أجل قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً )) قالوا لأنه سيحتاج بعد هذا أن يشفع بعد الوتر فيفوته هذا الفضل ؛ ولذلك الحقيقة الذي تميل إليه النفس أنه لا ينوي وإنما يصلي حتى يوتر ثم بعد الوتر يصلي ركعتين ؛ لثبوت فعل النبي-r- لذلك ، ويكون قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً )) على سبيل الاختيار ، وهذا لا اختيار له بمكان ضيق الوقت ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال السادس :

أشكلت علي مسألة حديث : (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) وقد قرأت حديثًا عن النبي-r- في قوله : (( ما لي أنازع )) فقال أبو هريرة : فانتهى الناس عن القراءة والفاتحة أيضاً فما توجيهكم في هذا الإشكال ؟

الجواب :

والفاتحة أيضاً هذا يحتاج إلى نظر! وأبو هريرة بنفسه أمر بها وقد روى ذلك عنه البيهقي في جزء القراءة خلف الإمام بسند صحيح ، فينتبه إذا ثبت هذا يراجع : والفاتحة أيضًا هذا اللفظ . أما إذا كان من تعبيرك أنك فهمت من قوله فانتهى الناس وهذا هو الثابت فانتهى الناس عن القراءة وراء الإمام عن القراءة وراء الإمام، وهذا الذي ذكرناه ؛ لأنه قال : كانوا يقرأون يقول مثلاً الإمام (سبح اسم ربك الأعلى) فيصير الناس يقول : (سبح اسم ربك) يقرأون مع الإمام ؛ لأنهم كانوا يرون أن الإمامة تقتضي المشاركة ، ونهاهم النبي-r- عن هذا الجزء الزائد ، وهو قراءة الإمام ، ولذلك قال : فقراءة الإمام ؛ لأن الإمام يختار في هذا الموضع لكن في الفاتحة يختار ولا ليس باختيار؟ ليس باختيار إنما هو قراءة للكل ، ولذلك قال : فقراءة الإمام له قراءة , أي ما يختاره من السور ويعيّنه له قراءة أي تجزي المأموم ويكون حاملاً له ، وبناءً على ذلك فإننا نقول : حتى لو فرض هذا فإن الحديث الذي نص بالصراحة (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) من كلام النبي-r- فانتهى الناس هذا متردد بما ذكرناه وهو محتمل فالتشريع للأمة في قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) كونه انتهى الناس أو لم ينتهوا الذي هو جزء الحكاية لا يعتبر حجة ، ثم نقول : إن الراوي نفسه أبو هريرة بيّن أنه تلزم قراءة الفاتحة هل يعقل أنه يروي أن الناس انتهوا من القراءة ثم يلزم بقراءة الفاتحة إلا ومراده ما زاد عن الفاتحة وليس الفاتحة بنفسها ، هذا أمر ينبغي التنبه له ، ولذلك أنا أوصي طالب العلم بالتحفظ خاصة في حكاية سنة النبي-r- . يعني بعض الأحيان قد تجد هذا في بعض فتاوى العلماء ، فقد تجده أيضاً في كتبهم حينما يصفون شيئاً على هدي النبي-r- يقولون مثلاً : من السُّنة كذا وكذا ، ويكون من السُّنة المفهومة يعني ليس بالصريح ، فيفرق بين حكاية النص وبين فهم مدلول النص ، يعني فهم ما دل عليه النص ، الفهم شيء والنص شيء آخر ، فإذا جئت تحكي شيئًا عن السُّنة وتثبته بمعنى تقول : "وكان كذا وكذا" ، أو قال أبو هريرة :" كذا وكذا" أو قال النبي-r- : " كذا وكذا"  ينبغي أن تتقيد فيه باللفظ، ولا تراعي فيما ترى ، ولا تراعي في المذهب ؛ لأن هذا أمانة لابد فيه من الحيطة والحذر ؛ خاصة طلاب العلم ؛ ولذلك ما رأيت شيئاً يعني يكمل به طالب العلم يكمل به فقهه ، ويكمل به فهمه ، وتكمل به فتواه وقضاؤه وحكمه بعد توفيق الله-U- مثل الأمانة والتحفظ . تتحفظ في فهمك لا تتجاوز في فهم الشيء أكثر ما دل عليه النص ، ولا تتجاوز في بيان ما دلت عليه النصوص ، يعني ترى شيئًا فتأتي وتقول : "السُّنة كذا وكذا" بمعنى أنك تعكس وتقول : النبي-r- قال : " كذا وكذا أو فعل كذا " وكذا وأنت تفهم الشيء فتحكيه قولاً أو تحكيه سنة هذا أمر من الصعوبة بمكان إلا في حالة واحدة رخص فيها العلماء بيان الهدي الذي يكون على سبيل السياق مثل يعني أن يحكي صفة صلاة النبي-r- على سبيل العموم لكن يحتاط في المواضع يقول : مثلاً وكان من هديه-عليه الصلاة والسلام- ، ولذلك من دقة العلماء المتقدمين كانوا يقولون وكان من هديه-عليه الصلاة والسلام- كذا وكذا ، فيذكرون الهدي المنصوص عليه ، فإذا جاءوا لمواضع الخلاف . انظروا الأمانة إذا جاءوا لمواضع الخلاف ما يقولون : " وكان من هديه كذا وكذا " هو يرى أنه الهدي لكن ماذا يقول وقال-عليه الصلاة والسلام- : كذا وكذا من الورع . يعني يقول : قال-عليه الصلاة والسلام- : " كذا ، وكذا " يعني يكون القول محتمل للوجهين فما يأتي ينص لك-عليه الصلاة والسلام- بصراحة بناءً على مذهبه ؛ وإنما تكون فيهم الأمانة ، أو يقول : والسُّنة وكان من هديه كذا وكذا على أصح قولي العلماء لقوله-عليه الصلاة والسلام- كذا وكذا هذا موجود خاصة عند المتقدمين من الورع والتحفظ ، على خلاف حالنا اليوم ، تجد الرجل إذا رأى قولاً رأى رأياً أو اعتبر قولاً فهو يرى أنه السُّنة التي لا جدال فيه ، وقد تكون هذه السُّنة بنصوص محتملة ، وقد تكون بأحاديث ضعيفة حسنت بالشواهد والاعتبار ، فيأتي ويحكم بكونها السُّنة الثابتة التي لا تقبل نقاشاً ، وأن دلالتها صريحة لا تحتمل قولاً ثانياً ، هذا أبداً لا يجوز، لا يجوز أن الإنسان يحكي ما ليس صريحاً على وجه الصراحة ، ويحكي المحتمل على وجه غير المحتمل، هذه ليس من الأمانة ، العلم أمانة وتحفظ ، يأتي الإنسان وينقل العلم للناس مثل ما علم لا يزيد فيه بفهمه ولا ينقص منه برأيه ، وهذه هي الأمانة ، ومن فعل ذلك بارك الله له في علمه ، وغالباً لن تجد طالب علم يتحفظ ويتقيد في أخذه للعلم وفهمه ، وكذلك أيضاً في إفهام الناس وبيان الفتوى لهم إلا وجدت الله-U- قد وضع له القبول في فتاويه ، وضع له القبول في علمه ؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن يترجح عندي قول مثلاً في مسألة فيها أحاديث محتملة وهناك نصوص أخرى عارضت ، فآتي وأغرس في نفس طالب أو طلاب العلم أن هذه هي السُّنة وحدها ، فيصبح كل من خالفه من أهل العلم كأنه مرتكب لمن خالف السُّنة ، هذا لا ينبغي ، إنما المنبغي أن نقول ترجح وظهر لي وهذا هو السُّنة على ما ظهر ، وعلى أصح أقوال العلماء ، وهناك قول لآخر لقوله-تعالى- , لقوله-عليه الصلاة والسلام- , لكن الصحيح كذا وكذا ، فيصبح إذا رأيت من خالفك تعلم أن عنده سنة ، وأن عنده حجة فلا تبالغ في الإنكار عليه ، ولا تستعجل في استهجانه ، وقد يكون الحق معه ، وكان السلف يقولون : قولنا صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ، هذا في النصوص المحتملة ؛ ولذلك لا ينبغي الحقيقة أن الإنسان يجاوز دلالة النصوص ، بل ينبغي عليه أن يتقيد ، فالشيء المحتمل يكون محتمل هذا يعني فائدة عارضة ، وأوصي بها طلاب العلم كثيراً خاصة في هذا الزمن الأخير، ولذلك يعني كان الوالد-رحمة الله عليه- يقول لي كثيراً ما يوصيني : أي علم تستطيع أن تأخذه من الأوائل فابدأ به ، يعني ليس من السائغ أن يبدأ الإنسان بعلمه من الأواخر. لا يعني هذا هجران العلماء الموجودين ، لا . إنما المراد أن تلتزم بمنهج الأوائل وطريقة السلف الصالح-رحمة الله عليهم- ، فكنت كثيراً ما أرجع إلى كتب الأولين ، فتجد المسألة تعرض بشيء من الأمانة والتحفظ ، والله إن بعض العبارات في الفتاوى وفي الشروحات إنك تلمس خوف العالم من كلامه ، خوفه من الله-U- وتلمس ورعه وتحفظه وصيانته ؛ ولذلك تجد بعض العلماء لو جئت تجمع بعض فتاوى المتقدمين قد تجدها لا تجاوز جزءاً واحداً ، السؤال وجوابه بكل تحفظ ، وبكل حذر من الزيادة عما دلت عليه النصوص الشرعية ، وهذا هو العلم ، من سلك هذا المسلك فقد علم ، ومن سلك فقد فهم ، ولكن إذا جئت مثلاً لإنسان مثلاً في مسألة اليوم يريد أن يبين لك فيها حكمه . يقول لك : مسألة خلافية سبق الكلام فيها بين العلماء ، يكتب رسالة أو يجيب عن سؤال ، فتجده يبين لك المسألة ويبين لك الدليل ، قد يكون الدليل هذا حديثاً مختلفاً في إسناده ، أو يكون مثلاً دليلاً صحيحاً ثابتاً في الكتاب والسُّنة ولكن دلالته محتملة ، معروف الدلالات منها صريحة ومنها المحتملة كدلالة الظاهر ، فيأتي ويذكر الحديث ، وما أن ينتهي من الحديث حتى يقول : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ويعطيك خطبة في حجية السُّنة يعني إن خالفتني فقد خالفت السُّنة ، وإن تركت قولي فأنت على غير محجة ، وعلى هلاك ، لا ينبغي ، لا ينبغي ؛ لأنه إذا أصبحت أنا أحجر الناس كلهم على رأيي وفهمي فإنه تأتي إلى الأقوال المخالفة تستهجن آراء العلماء ، وتبالغ في الرجال ، تعتبر شيخك هو الوحيد الذي ينبغي قبول السُّنة منه ، وأنه إن خرج أحد عن الذي في كتاب فلان فليس من أهل السنة والجماعة ، فلا ينبغي ، هذا تغرير ثم تصل الأمر إلى أنك تجد أقوالاً للسلف الصالح-رحمة الله عليهم- يعني الخلاف قديم موجود بين أئمة العلم فتحتقر هذه الأقوال وهي لأئمة وعلماء ، وقد يكون الذي رجحه شيخك من أقوال الشذاذ ، قد تكون من أقوال أفراده وهذا يقع قد يترجح مشايخك قول الأفراد ، ويكون هذا من قول الأفراد فتأتي فتنظر فتقول : سبحان الله جماهير أهل العلم خالف السُّنة ، إي نعم لا تعتد بالرجال ، وإنما اعتد بالدليل . سبحان الله ! الأئمة هذه أكثر من إحدى عشر قرن على ضلالة ومعرفة الحق إلى اليوم ! يعني تجد أقوال الأفراد من التابعين أو الصحابة من الأقوال التي نسيت وتركت وأصبح العمل في القرون كلها على هذا القول وانتشر وذاع هذه الأمة كلها على ضلالة ! وهي أمة معروفة بالعلم والورع والصلاح والإخلاص لله-U- ، كل هؤلاء ما أصابوا الجاد ! فهذا أمر يحتاج إلى تنبه ولذلك تجد بعض طلاب العلم اليوم يفرحون ببعض الأقوال المنفردة ، حتى إنه بعض طلاب العلم قد يفرح حينما يجد أن هذا القول لا يقول به إلا الأفراد ، هذا وجدته ولمسته من القرناء والزملاء ، ولمسته من الطلاب ، ولذلك ينبغي التأني والتريث وأخذ العلم عن أهله والتحفظ لضبط العلم وتحريره . لما يأتيك العالم ويقول لك : هذا القول هو الصواب ، وظهر لي منه كذا ، فتش ونقب ، ليس قولي هو الغاية ، ولست أنا النهاية ، سبقني رجال ، سبقني فحول في العلم ، وأرباب في العلم ، وناس لهم فهمهم ، ولهم علمهم وورعهم وقدمهم الراسخة ، أئمة سبقوا ينبغي الرجوع إليهم ، والاعتداد لأقوالهم ، والتنبه هل هذا الأمر إجماعي ولا في خلاف ؟! وهل الدلالة التي أعطيتكها دلالة مسلمة ؟! ابحث في كتب الأصول ، ولذلك كثير من طلاب يغتر بمثل هذا ، فتجد البعض إذا قرأ رسالة في مسألة لمست هذا ، أقول بقولي مثلاً ويكون الرسالة مرجحة لقول مخالف ، فيأتيني طالب علم قرأ رسالة ما لمتأخر يأتيك طالب علم وهو مقتنع اقتناعًا كاملاً أن الحق في هذه الرسالة ، وكأن صاحبه هو المعصوم ؛ لماذا ؟ لأن أسلوب الرسالة يجبر هذا الطالب أنه لا يحيد عنه ، ابتدأ الرسالة بالسُّنة وأهمية السُّنة وحجية السُّنة يعني معناه أنني قد أصبتها فإياك أن تحظر عنه . نعم أصبت شيئاً لكن شيئًا محتملاً فليس هذا من الأمانة ينبغي التحفظ والصيانة خاصةً في المسائل الخلافية ، فيأتيك الطالب بعد قراءة الرسالة . أقول له : هذا القول الذي تقوله يستدل حديث كذا وكذا ، وهذا الحديث دلالته مختلف فيه حتى بين الأصوليين ؛ لأن دلالتها معارضة بما هو أقوى منها ، وهذا الحديث ضعيف ، وتحسينه قول بعض العلماء، هناك حديث أصح منه ، فتجد الطالب والقارئ مقتنع اقتناعاً كاملاً . طيب أقول له : يا أخي ، أنت قرأت الرسالة ما هو الدليل الذي أخذته ؟ أعطني الأدلة حتى أجيبه ، والله في بعض الأحيان مر عليَّ بعض الطلاب لا يحفظ منها دليلاً واحداً ، إنما شعور نفسي ، يعني ليست القضية قضية علمية مبنية على الفهم والضبط والتحري ، القضية قضية عاطفية ، ولذلك أنا أقول : لا ينجر الإنسان وراء العواطف ، يحرر ويدقق ، والمشكلة أن الطلاب اليوم لا يقرؤون للأوائل ، ويكتفون فقط بمجرد ما يجد رسالة في مكتبة أو غيرها خلاص يعتد أن علمه في هذه المسألة مجموع في هذه الرسالة . لا ، ما يصح هذا ، ينبغي أننا إذا جئنا نقرأ في مسائل العبادات نقرأ في كتب المتقدمين ، ماذا قال عنها أئمة السلف-رحمة الله عليهم- ؟ وهذه المسألة فيها إجماع وفيها خلاف ، وإلى كم القول ، وعلى كم القول انحصر الخلاف ، وقس على هذا . أقول هذه الأمور مهمة جداً ، مسألة فقه الخلاف ، وفقه الأدلة ، وفهم الأدلة ، وعرض الأقوال، أهم شيء فيها الأمانة ، وإذا صحب الإنسان بتوفيق الله-U- بإخلاص مع ورع مع أمانة مع جد واجتهاد والله قل أن يخالفه الحق ، قل أن يخالف الحق ، إخلاص لوجه الله ؛ لأن المخلص موفق .

وثانيًا : الورع ، والورع هذا يجعلك لا تتكلم إلا بحدود ما دلت عليه النصوص .

وثالثًا : الأمانة ، بعد الورع تأتي الثمرة وهي الأمانة العلمية ، تنقل بكل أمانة . أذكر بحثًا لبعض المتأخرين في مسألة من مسائل البيوع ، فيها حديث ، هذا الحديث فسره تابع التابعين ، انظر تابع التابعين ! هذا التفسير نقل من كتب المصنفات ، موجود كتب التابعين والصحابة توجد في المصنفات ، هذا التفسير مخالف لتفسير جمهور الصحابة والتابعين ، يعني في هناك من الصحابة من له كلام في المسألة ، وله شرح للحديث ، ومخالف لما كان عليه أئمة المذاهب ، يعني ذكروا هذا التفسير الذي هو تفسير جمهور الصحابة وارتضوه ، فمن العجيب أنني وجدت اختياراً لقول هذا التابعي بعينه ، فكنت أظن أن الباحث أو الذي كتب هذا التفسير لم يطلع على أقوال الصحابة فعذرته ، ويشاء الله-U- أنه أحال إلى قول هذا التابعي في مصنف ما ، وإذا في هذا المصنف الباب الذي وضعه المصنف أول ما ذكر أثر ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن الذي يقول له النبي-r- : (( فقهه في الدين )) ، وقد فسر هذا الحديث بتفسير جماهير العلماء ، فلم يلتفت إلى قول ابن عباس ، حبر الأمة وترجمان القرآن ، ويأتي إلى قول هذا تابع التابعي ويعتد به ، ويقيم له هذا دون أن يشير إشارة فقط ، كأن المسألة يقول على هذا مثلاً قول السلف ولم يذكر شيئاً عن الصحابة ، عن قول هذا الصحابي ، وقد صح عنه وعن قول طاووس بن كيسان له قول أيضًا في المسألة وتفسير ، وابن سيرين ، كذلك الزهري حكى عن جماعة من الصحابة ، الأمر يحتاج إلى تحفظ ، فلما تقرأ مثل هذه الرسالة تقول أبدًا خلاص هذا الحديث معناه كذا ؛ لأنه فسره التابع الفلاني ، فتأتي وأنت طالب علم المنبغي أن تنقب وأن تبحث وأن تتتبع وأن تتقصى ، فتغتر بهذا القول بناءًا على تعصب قائله مثلاً أو على عدم اعتداده بالقول المخالف ، ماذا يجري ؟ ربما تأتي في مجلس وتنقل نفس الكلام دون أن تتحفظ فتقع في غلط غيرك، ولاشك أنك مسؤول أمام الله-U- لأنه كان المنبغي أن تتحفظ وتتثبت ، فالتقليد الذي نجده الآن الذي يصل إلى درجة تنسى معها أقوال العلماء وتنسى فيها دلالة النصوص هذا لا ينبغي .

- ونسأل الله أن يعصمنا من الزلل ، وأن يوفقنا في القول والعمل - .

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ  وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد  وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن