دروس زاد المستنقع رقم 26

ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس وتعجيلها أفضل ( لم يراجع من قبل الشيخ )


ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس وتعجيلها أفضل ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب كتاب الصلاة

P

قال المصنف-رحمه الله- : [ ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس وتعجيلها أفضل ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

أما بعد فلا زال المصنف-رحمه الله- في معرض حديثه بيان مواقيت الصلاة ، وقد ذكرنا في المجلس الماضي مواقيت صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وشرع بهذه الجملة في بيان الوقت الخامس للفريضة الخامسة وهي صلاة الفجر .

فقال : [ يليه ] : أي يلي وقت العشاء ، وذلك أن الفجر يقع بعد العشاء بحسب ترتيب الشرع وبحسب العادة والطبع ، وقت الفجر يبدأ من انفجار النهار واتضاحه ويكون ذلك بتبين الصبح ، والفجر فجران : فجر صادق ، وفجر كاذب . أما الفجر الكاذب فهو خيط وبياض يكون في منتصف السماء لا يلبث أن يزول ، فيفترق عن الفجر الصادق أن الفجر الصادق كلما مضت فترة ازداد ضياؤه وانتشاره ؛ ولكن الفجر الكاذب يكون كالخط الذي يكون ممتداً في أعلى الأفق ثم بعد ذلك ينحسر بخلاف الأول فإنه ينتشر ، وقيل : إن الفرق بين الفجر الصادق والكاذب بالنسبة للزمان ليس بطويل ، حدّه قال : بعض العلماء بأنه هو السدس الأخير من الليل ، ولذلك تقدر ما بين الساعة يزيد قليلاً وينقص قليلاً على حسب فصلي الشتاء والصيف . وهذه الفريضة أشار الله إليها في آية المواقيت المجمِلة في قوله-تعالى- : { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً } وأجمع العلماء-رحمهم الله- على أن الفجر يجب أداؤها بعد تبين الفجر الصادق ، وأنها إذا وقعت قبل الفجر الصادق أنها ليست بصحيحة ولا معتبرة وعلى المكلف قضاؤها . وأما بالنسبة لانتهاء وقت الفجر فإنه ينتهي بطلوع الشمس . هذا بالنسبة لآخر الوقت الذي ينتهي به أمد الفريضة .

وقال حبر الأمة وترجمان القرآن : إنه ينتهي وقتها بصلاة الظهر، وهو قول شاذ ، قال بعض الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة . يحكى عن ابن القاسم من أصحاب الإمام مالك-رحمة الله على الجميع- ، والصحيح أنه إذا طلعت الشمس فقد انتهى وقت الفجر ؛ فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي-r- أنه قال : (( من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح )) ومفهومه أن من لم يدرك الركعة قبل طلوع الشمس أن صلاته صلاة قضاء وليست بصلاة أداء ، ولذلك ذهب جماهير السلف والخلف إلى أنه لا يجوز تأخير الفجر إلى طلوع الشمس ، وإذا طلعت الشمس فإنه ينتهي وقتها على ما ذكرناه .

والسنة تعجيل الفجر : للعلماء في هذه المسألة قولان :

قال بعض السلف-رحمه الله- : السُّنة أن تبتدئ الفجر في أول وقتها وهو الذي اصطلح العلماء على تسميته بوقت الغلس ؛ وذلك لما ثبت من هدي النبي-r- في الأحاديث الصحيحة أنه كان يصليها بغلس قال جابر-t- كما في الصحيح : " والصبح كان النبي-r- يصليها بغلس " والغلس : يكون في أول الفجر الصادق ؛ لأنه مع تبين الضوء في أعلى السماء فإنه لا تزال ظلمة الليل بين الناس أعني على البسيطة والأرض ، فلا تزال هذه الظلمة تنكشف بحسب قوة الضياء ، فالسُّنة في فعل هذه الصلاة أن تقع عند الغلس أو في الغلس ، وذهب الإمام أبو حنيفة-رحمه الله- مخالفاً للجمهور إلى أن السنة والأفضل في الفجر أن يسفر بها . وذلك لما ثبت في الحديث عنه   -عليه الصلاة والسلام- أنه قال : (( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر )) . والصحيح مذهب الجمهور أن الأفضل في صلاة الفجر أن تؤديها في أول وقتها ؛ وذلك لثبوت الحديث الذي ذكرناه أعني حديث جابر في الصحيحين ولما ثبت أيضاً في الحديث عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت : " لقد كان رسول الله-r- يصلي الفجر فيشهد معه النساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يُعْرَفْن من شدة الغلس " لكن لا يعارض هذا قول أبي بَرْزة : " وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل منا جليسه " هذا بالنسبة للقرب بمعنى أنه كان النبي-r- يوقعها في الغلس ولكن إذا سلم من الصلاة عرف الإنسان جليسه وذلك لسبب القرب وتأثير الضياء - أعني دخول الضياء على البسيطة - ، ولذلك أقوى الأقوال أن الأفضل إيقاعها في أول الوقت .

وكيف يجاب عن دليل الإمام أبي حنيفة-رحمه الله- (( أسفروا بالفجر )) ؟ للعلماء في هذا الحديث أوجه :

منهم من قال : إن النبي-r- أراد بقوله : (( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر )) التبيّن والتثبّت حينما يكون الإنسان موقعاً الصلاة في وقتها ؛ لأن الفجر مشكلته أنه يعترض وبخاصة في الأزمنة التي لم تكن فيها الساعات موجودة كان الناس يجدون مشقة وعناء وبخاصة في الليالي البيض ، فإن الليالي البيض كما هو معلوم القمر شديد الضياء ، ولذلك يلتبس ضياء السماء مع ضياء الفجر، وتجد الناس ربما صلوا الفجر ثلاث مرات أو أربع مرات يظنون أن الصبح قد طلع والواقع أنه لم يطلع قالوا : فقصد النبي-r- التبيّن والتحري .

وقال بعض العلماء وهو أوجه والنفس إليه تطمئن : أن مراد النبي-r- بالإسفار بالفجر أن تبتدئ بها بغلس وتطيل القراءة فيها حتى إذا سلّمت أصبح الإسفار وهذا هو - في الحقيقة- الأقوى ؛ لأمرين :

الأمر الأول : أن فيه معنى يؤكد زيادة الأجر ووجه ذلك : أنك إذا أطلت القراءة فإنه يوجد موجب للحكم بزيادة الأجر .

الأمر الثاني : تأكد هدي النبي-r- إذ كان يقرأ فيها من الآية الستين إلى المائة-صلوات الله وسلامه عليه- مع ما فيه من الترتيل والتجبير في قراءته-صلوات الله وسلامه عليه- ، فإذا كان يوقع الصلاة في غلس ، ويخرج منها حين يتبين الرجل جليسه فلا شك أنّ هذا نوع من الإسفار، فقُصِد من الإسفار أن الإنسان يطيل القراءة بشرط أن لا يشق على من وراءه فهذا هو أعدل الأقوال : أن الحديث لا يعارض الأصل، ثم نضيف إلى ذلك أن المعهود في الشريعة أن مواقيت الصلاة الأفضل فيها الإيقاع في أول الوقت كما جاء في حديث أبي مسعود أنه لما سأل النبي  -r- عن أحب الأعمال إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) وفي رواية ابن حبان وغيره : (( على أول وقتها ))، ولذلك يقوى القول بأن المراد بها التعجيل وليس المراد به تأخير وقت الصبح إلى الإسفار .

[ وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها ] : اعلم-رحمك الله- كأن المصنف يقول : إن المكلف إذا علم أوقات الصلاة ، فعلمت وقت الفجر ووقت الظهر ووقت العصر والمغرب والعشاء فحينئذٍ ينبغي أن تعلم أنك إن أوقعت الصلاة في هذه المواقيت التي وقّتها الشرع وحددها لهذه الصلوات فإن صلاتك معتبرة مجزئة ، هذا متى ؟ إذا وقعت في الوقت ، واصطلح العلماء -رحمهم الله- على أنك إذا أوقعت الصلاة في وقتها أنها صلاة مؤداة بمعنى أنها قد أُدّيت في الوقت المعتبر، ثم إذا علمت أن الصلاة ينتهي وقتها في ذلك الزمن المحدّد الذي سبقت الإشارة إليه فاعلم أنك إن خرجت عن هذا الوقت أنك قاضٍ ولست بمؤدٍ ، ولو كنت معذوراً ، فلو أن إنساناً نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فإنه بالإجماع إذا أراد أن يصلي أنه ينوي القضاء ولا ينوي الأداء ؛ لأن الوقت الذي يوقع الصلاة فيه أعني إيقاعها بعد طلوع الشمس إنما هو وقت قضاء وليس بوقت أداء . طيب إذا ثبت عندنا أن للصلاة وقتاً وأنك إن أوقعت الصلاة خارج الوقت قضيت ، وإن أوقعتها داخل الوقت أدّيت يرد السؤال : لو أن إنساناً أوقع جزء الصلاة في الوقت المعتبر وجزأها في الوقت الخارج عن المحدد عن ذلك الوقت المحدد ، فهل يوصف كله بالقضاء أو يوصف كله بالأداء أو يوصف بحسب الأجزاء ، هذا يتردد من جهة النظر ؟

والجواب :

فقال-رحمه الله- [ وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها ] : [ وتدرك الصلاة ] : أي أداؤك لها بتكبيرة الإحرام في وقتها هذا أحد أقوال العلماء : أن من كبر تكبيرة الإحرام قبل أن ينتهي وقت الصلاة فإنه مؤدٍ لها ، لا قاض لها مثال ذلك : لو أن إنساناً كبر تكبيرة الإحرام قبل أن تغرب الشمس فإنه يعتبر مؤدياً لصلاة العصر لا قاضياً لها ، ولو أنه كبر تكبيرة الإحرام قبل أن يغيب الشفق الأحمر فإنه يعتبر مؤدياً لصلاة المغرب لا قاضياً لها وقس على هذا . هذا أحد الأقوال : أن العبرة في الصلوات الخمس لإدراك مواقيتها أن توقع تكبيرة الإحرام قبل انتهاء الأمد والزمان .

وذهب طائفة من العلماء ، وهو مذهب الجمهور : إلى أن إدراك الصلاة إنما يكون بالركعة الواحدة فأكثر ، فإن أدركت ركعة بمعنى ركعت قبل أن يخرج وقت الفريضة فأنت مؤدٍّ ولست بقاضٍ ، مثال ذلك : لو أن إنساناً كبر لصلاة العصر ثم قرأ ثم ركع ووقع تكبيره للركوع قبل أن تغرب الشمس ، فلما ركع ورفع من ركوعه غابت الشمس أو لما ركع ، وقبل : أن يرفع من الركوع غابت الشمس ، كل ذلك يوصف فيه بكونه مؤدّياً للصلاة مدركاً لها هذا بالنسبة للقول الثاني وهو أصح القولين أن العبرة في إدراك الفرائض ؛ إنما هو بالركعة الكاملة وأن من أدرك وقتاً يستطيع في مثله أن يؤدي ركعة من الصلاة أنه يعتبر مؤدّياً لها لا قاضياً لها . ما الدليل على أن من أدرك الركوع فقد أدرك وقت الصلاة ؟ ما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي-r- قال : (( من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ، ومن أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر أو الصبح )) وجه الدلالة : أن النبي-r- علّق إدراك الصلاتين - أعني الفجر والعصر - على كونه أوقع الركعة قبل أن ينتهي أمد الصلاة المعتبرة فإذاً أصح الأقوال أن العبرة بإدراك الركوع ؛ لأن الركعة تدرك بالركوع ، وهذا القول لا شك أنه أعدل الأقوال لدلالة السُّنة عليه . يتفرع على هذا فوائد : لو قلت : إن العبرة بتكبيرة الإحرام يصبح لو أن المرأة لو أدركت لحظة في مثلها يمكن أن تكبر تكبيرة الإحرام فطهرت من حيضها أو طهرت من نفاسها وجب عليها قضاء العصر ، وإن كانت قد أدركت هذا القدر الذي هو دون أن تدرك الركعة فإنه لا يجب عليها قضاء العصر على القول الثاني بناء على هذا تنظر إلى قدر الزمان فتكبيرة الإحرام لا تأخذ وقتاً يعني تكبير الإنسان لتكبيرة الإحرام قد يأخذ لحظات فمن أدرك هذه اللحظات عند أصحاب القول الأول يجب عليه قضاء الصلاة ، فلو أن مجنوناً أفاق من جنونه قبل أن تطلع الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام نقول : يلزمك أن تقضي صلاة الفجر أو أن حائضاً طهرت أو نفساء طهرت نقول: يلزمك قضاء هذه الصلاة ؛ لماذا ؟ لأنها قد طهرت في أمد يمكنها أن تكبر فيه تكبيرة الإحرام والصلاة مدركة بهذا التكبير ، أما لو قلت العبرة بالركعة فقدر للركعة زماناً فلو قلنا : إن الركعة يمكن للإنسان أن يقرأ الفاتحة وأقل ما يجزيه للقراءة ثم يركع يمكنه ذلك في حدود الدقيقتين أو ثلاث دقائق فحينئذٍ تقول : هذا الأمد - أعني الثلاث الدقائق - إذا أدركه الإنسان قبل غروب الشمس وقبل طلوع الشمس فإني أحكم بكونه مدركاً للفريضة على التفصيل الذي ذكرناه ؛ لكن لو أدرك دقيقة فإنه على هذا القول لا يجب عليه القضاء أو لو أوقع الصلاة فيها فإنه قاضٍ وليس بمؤدٍ .

[ ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها ] : بعد أن بيّن لك-رحمه الله- أن للصلاة بداية وللصلاة نهاية شرع في بيان الأحكام المترتبة على البداية والنهاية ، فبيّن لك النهاية بما يدرك الإنسان ، وشرع الآن في بيان أحكام البداية أي إذا علمت هذه المواقيت فإن أحكام بدايتها أنه لا يجوز للمكلَّف أن يوقع أي صلاة قبل وقتها إلا ما استثناه الشرع كجمع التقديم في صلاة العصر مع الظهر ، وجمع التقديم في صلاة العشاء مع المغرب ، فإنك إذا نظرت إلى إيقاع صلاة العصر فقد وقعت في جمع التقديم قبل وقتها ، وكذلك - أيضاً - إذا نظرت في صورة الجمع إلى صلاة العشاء مع المغرب جمع تقديم فإنها قد وقعت صلاة العشاء قبل وقتها ، لكن باستثناء من الشرع وبأصل ودليل دل على ذلك وهو أنه لا حرج على المكلف في فعله ، أما لو أن إنساناً ليس عنده عذر الجمع جاء وفعل الجمع أو أوقع الصلاة قبل وقتها ، مثال ذلك : لو أن إنساناً توضأ لصلاة الظهر ثم صلى الظهر قبل أن تزول الشمس فإنه بالإجماع تبطل صلاته ولا تصح منه ويلزم بالقضاء ؛ لماذا ؟ لأن الله-U- أمره بالصلاة بعد زوال الشمس فحدد الأمر بها ووقّت الزمان للإلزام بها بزوال الشمس . فالصلاة إذا أوقعها قبل زوال الشمس فهي صلاة غير الصلاة التي أمره الله بها ، فإذا زالت عليه الشمس بعد انتهائه من الصلاة توجه عليه خطاب جديد يطالبه بفعل الصلاة ؛ لأن أثناء فعله لم يكن هناك ثَمّ خطاب شرعي بالفعل ، ولذلك يقول العلماء : من أوقع الصلاة قبل وقتها غير معذور فإنه تلزمه إعادة تلك الصلاة ، وصلاته السابقة نفل ، صلاته السابقة قبل الوقت صلاة نفل سواء كان ذلك على سبيل الخطأ منه أو كان على سبيل التعمد والعلم .

[ ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها ] : [ ولا يصلي قبل غلبة ظنه ] :

أولاً : لا تجوز الصلاة قبل وقتها ، وبيَّنَّا هذا ودليله .

ثانياً : أنه إذا غلب على ظنك ، يستفاد من هذه العبارة أنه إذا غلب على ظنك أن وقت الصلاة قد دخل جاز لك أن تصلي ، فمن باب أولى إذا تيقنت ، وقد تقدم معناه أن مراتب العلم تنقسم إلى أربع مراتب :

الوهم ، والشك ، والظن أو ما يعبر عنه العلماء بغالب الظن واليقين .

الوهم : وهو أقل العلم وأضعفه ، وقلنا : تقديره من واحد في المائة إلى تسع وأربعين في المائة (1% - 49 % ) ، ما كان على هذه الأعداد يعتبر وهماً ، فلو أن إنساناً يعلم أن أخاه يخرج بعد صلاة العصر وسأله رجل وقال له : فلان موجود في البيت - يعني أخاه - ؟ من عادتك والمعهود والمعروف أنه في هذا الوقت ليس بموجود . فتقول : هو موجود على ، وهم غير موجود على غالب الظن أنه ليس بموجود تستطيع أن تقول : تسعاً وتسعين في المائة   ( 99% ) أنه غير موجود بناءً على ما عهدته وعرفته أن الوقت لكن يحتمل أنه قد جاءه الظرف أو جاءه الأمر الذي يكون فيه موجوداً في البيت في هذا الزمان . يقول العلماء : في مثل هذا يعتبر الواحد في المائة ( 1% ) خلاف غالب الظن والتسعة والتسعين في المائة ( 99% ) تعتبر غالب الظن ، وهي الظن الراجح كما يسميه العلماء . إن شئت قلت الظن وإن شئت قلت غالب الظن أو الظن الراجح .

الأمر الثاني : الخمسون في المائة ( 50 % ) وهو الشك ، بعد الوهم الشك ، فالوهم هذا لا يكلف به ، يعني ما يرد التكليف بالظنون الفاسدة ، وقد أقر ذلك الإمام العز بن عبد السلام-رحمه الله- في كتابه النفيس " قواعد الأحكام" قال : إن الشريعة لا تعتبر الظنون الفاسدة ، والمراد بالظنون الفاسدة يعني الضعيفة المرجوحة ، إن شئت قلت : ظنون فاسدة ؛ لأنّ وجودها وعدمها على حد سواء . ثم بعد ذلك الشك وهو أن يستوي عندك الأمران فأنت لا تدري أهو موجود أو غير موجود ؟ تقول : يحتمل أن يكون موجوداً ، ويحتمل أن يكون غير موجود ، وكلا الاحتمالين على مرتبة واحدة ، هذا يسميه العلماء الشك .

النقطة الثالثة أو المرتبة الثالثة : غالب الظن أو الظن الراجح هذا يكون من واحد وخمسين في المائة إلى تسع وتسعين في المائة ( 51 % - 99% ) ، فإذا كان الإنسان عنده غلبة ظن بمعنى أنه عندك احتمالان أحدهما أقوى من الآخر فحينئذٍ تقول أغلب ظني ، فإذا كان حالك أن غالب ظنك أن الوقت قد دخل فإنه يجوز لك أن تصلي الصلاة وتفعلها ، كذلك - أيضاً - إذا تيقّنت وهي المائة في المائة ( 100% ) طيب تتيقن بأن ترى الشمس زالت وتعرف زوالها بالأمارة ، ترى الشمس قد غابت وتعرف مغيبها بالأمارة، فإذا رأيت الشمس غابت أمام عينيك فأنت مائة في المائة ( 100% ) قد جزمت هذا اليقين ؛ لكن مثلاً : لو أن إنساناً قدّر مغيبها من عادته أن ما بين العصر والمغرب يفعل أشياء بمجرد أن ينتهي من هذه الأشياء ينتهي الوقت ، والسماء مغِيْمة لا يستطيع أن يرى مغيب الشمس فيها أو يكون في مكان لا يرى فيه الشمس لكن يعلم أن مثل هذا القدر من الزمان الذي من عادته أن يجلسه أن الشمس تغيب في مثله لكن هل هو بالقطع أو بغالب الظن ؟ الجواب : أنه بغالب الظن فقال : لا يصلي الصلاة إلا بغلبة ظنه ، كذلك أيضاً لو جلس من طلوع الشمس إلى زوالها ، رجل كفيف البصر ، من عادته أن يجلس ما بين طلوع الشمس إلى زوالها ، يصلي ما شاء الله له ، ويقرأ من القرآن ما كتب الله له ، من كثرة الإلف والعادة وهذا موجود عند بعض الناس يقرأ حفظاً من كتاب الله يعلم أنه إذا بلغ إلى القدر المعين أن الشمس تزول وأن وقت الظهر يدخل ، هذا غالب ظن معتبر هذه الدلائل بالنسبة لشخص الإنسان أو دلائل بالأمارات والعلامات يغلب بها ظن الإنسان أن وقت الصلاة قد دخل ، فإذا حصّل الإنسان غالب الظن أو حصّل اليقين فحينئذٍ يتعبّد الله ويصلي . أما لو كان الظن وهماً أو كان شكاً فإن الأصل عدم الصلاة . مرة ثانية أن الإنسان لا يخلو من حالتين :

الحالة الأولى : إما أن يغلب على ظنه أو يقطع ، ففي هذه الحالة يصلي .

الحالة الثانية : أما إذا قطع فلا إشكال ، أما إذا غلب على ظنه فيسألك سائل فيقول : ما الدليل على أنه في غالب ظنه يصلي ؟ نقول : إن الشرع علَّق الأحكام على غلبة الظن ؛ وقد قرر ذلك العلماء-رحمة الله عليهم- ، ولذلك قالوا في القاعدة : " الغالب كالمحقق " يعني الشيء إذا غلب ظنك ووجدت دلائله وأماراته التي لا تصل إلى القطع لكنها ترفع الظنون فإنه كأنك قد قطعت به ، ولذلك قالوا : " الغالب كالمحقَّق " يعني كالشيء اليقيني وقالوا في القاعدة : " النادر لا حكم له ، الحكم للغالب والنادر لا حكم له " فالشيء الغالب الذي يكون بالظنون أو غيرها هذا الذي به يناط الحكم ، وبناءً على هذا إذا غلب على ظنك أن الوقت قد دخل أو تحققّت فصلِّ ، لكن لو أن إنساناً قال : أنا أشك أن الشمس قد غابت ، احتمال مغيبها واحتمال بقائها عندي بمرتبة واحدة ، أو قال : أتوهم أن الشمس قد غابت فما الحكم ؟ مفهوم ذلك أنك إذا شككت في مغيبها أصبح عندك تردد أغابت الشمس فأصلي المغرب أو لم تغب فأنتظر . أنك لا تصلي المغرب ؛ لماذا ؟ لأن اليقين أن العصر باقٍ واليقين أن النهار باقٍ والقاعدة في الشرعية : " أن اليقين لا يزول بالشك " ولذلك تبقى على اليقين ، والقاعدة مفرعة على القاعدة التي ذكرناها تقول : " الأصل بقاء ما كان على ما كان " فما دمت في النهار ، فالأصل أنك في النهار حتى تتحقق من مغيب الشمس، وما دمت أنك في المغرب ولم تتحقق من مغيب الشفق فالأصل أنك في المغرب حتى تتحقق من مغيب الشفق . هذا بالنسبة إذا شك واستوى عنده الاحتمالان ، ولذلك قال العلماء : من شك هل طلع الفجر أو لم يطلع ؟ جاز له أن يأكل ويشرب ، إذا كان في الصيام لو أن إنساناً استيقظ من نومه ولم يستطع أن يتبين هل طلع الفجر أو لم يطلع ؟ فالأصل واليقين أنه بالليل ونقول: كُلْ وأنت معذور في أكلك ؛ لكن لو كان مستطيعاً أن يتحرى وجب عليه التحري للقاعدة : " أن القدرة على اليقين تمنع من الشك " ولا يجوز للإنسان ان يجتهد مادام انه بإمكانه أن يصل إلى اليقين . هذا بالنسبة لحكم الوقت ابتداء . نلخص ما سبق : أن الإنسان له أربعة أحوال : إما أن يَهِم بدخول الوقت ، أو يشك ، أو يغلب على ظنه ، أو يستيقن ، فإن توهم دخول الوقت أو شك لم يصلِّ ، وإن غلب على ظنه أو قطع فإنه يصلي وصلاته مجزئة معتبرة .

[ بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر ثقة متيقن ] : لا يخلو - يعني اعتبار الإنسان بدخول الوقت - إما أن يكون هو قال المصنف : [ باجتهاد ] لماذا ؟ لأن غالب الظن ينبني على الاجتهاد ، وغالب الظن يكون مبنياً على الإخبار ؛ لأنه ربما كذب المخبر لكنه-رحمه الله- عبّر بغالب الظن وإلا ممكن في بعض الأحوال أن تستيقن كما لو رأيت الشمس غابت بنفسك ، فحينئذٍ أنت على يقين ، فاختار المصنف-رحمه الله- حال غلبة الظن كي نعلم أن اليقين من باب أولى وأحرى ؛ لأنه إذا حكم لك أنه في غلبه الظن تصلي فتعلم بداهة أنه لا حاجة أن يقول لك : أو استيقن ؛ لأنه إذا غلب على ظنه فمن باب أولى إذا استيقن ، وغالب الظن أما أن يكون باجتهاد أو بخبر ثقة متيقن . غالب الظن بالاجتهاد بالعلامات والإمارات والدلائل التي يتحرى الإنسان بها زوال الشمس ويتحرى بها صيرورة ظل كل شيء مثله وصيرورة ظل كل شيء مثليه ومغيب الشمس .

وكذلك - أيضاً - مغيب الشفق ، وكذلك - أيضاً - انتصاف الليل ، وكذلك طلوع الفجر. فالإنسان يعلم دلائل الفجر الصادق من الفجر الكاذب يستطيع أن يتحرى ويجتهد ويعرف أن هذا الوقت هو وقت الفجر الصادق نقول : اجتهد، فإن غلب على ظنك فافعلْ وأدِّ الصلاة ، إن غلب على ظنك أن الفجر قد طلع صَلِّ وصلاتك معتبرة ، وحينئذٍ لا يخلو من أحوال : إما أن يجتهد ويتبين له صدق اجتهاده فصلاته معتبرة إجماعاً ، أن يجتهد أن الفجر قد طلع ثم يتبين أن اجتهاده فحينئذٍ صلاته معتبرة إجماعاً ، أن يجتهد ويتبين خطأ اجتهاده ، كأن يظن أن الفجر قد طلع ثم تبين أن الفجر لم يطلع ؛ فحينئذ القاعدة تقول " لا عبرة بالظن البين خطؤه " أي لا عبرة بالظن البين خطؤه أي الذي بان واتضح خطؤه ، وبناءً على ذلك يطالب بإعادة الصلاة ؛ لأن ظنه في غير موضعه وقد توصل باليقين إلى خطئه فيلزمه أن يعيد .

الأمر الثالث : ألا يتبين له هل صدق اجتهاده فأصاب الوقت أو أن اجتهاده على خطأ ؟ سافرت ثم بعد ذلك نزلت فتحريت بالدلائل على أن الفجر قد طلع فصليت ثم مضيت ؛ فحينئذ نقول : تعبدك الله بغلبه الظن ولا عبرة بما وراء ذلك . ما الدليل على أن غالب الظن في مثل هذا يجزئ ؟ تعبدت الشريعة بغلبة الظن ، بل إنها تحكم بسفك الدماء في حكم القاضي بالقتل بناء على شاهدين ؛ لما يشهد شاهدان أن فلاناً قتل فلاناً ، ما الحكم ؟ بالإجماع أنه يقتص من القاتل أنه قتله عمداً عدواناً ، يجمع على أنه يقتص منه مع أنه يحتمل أن الشاهدين زوّرا ، ويحتمل أن الشاهدين أخطأ ، مع هذا فالغالب أنهما لم يخطآ والغالب أنهما صادقان ؛ لأننا لا نقبل إلا شهادة الثقة العدل ، فلما كان الشاهدان على ثقة وعدالة حكمت الشريعة بغلبة الظن ، ولذلك غالب الظن يحكم به ونحكم به في الفروج فنقول : فلانة امرأة فلان ، ويحكم القاضي بذلك بناء على شاهدين عدلين ، وهكذا بالنسبة للأحكام الشرعية حينما تأتي لمجتهد وتسأله عن مسألة اجتهادية فيفتيك ، فإنه يفتيك على غالب ظنه وليس على يقين وقطع إلا فيما دلت عليه النصوص القطعية ؛ فإن هذا الإفتاء قال-r- : (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران وإذا اجتهد واخطأ كان له أجر واحد )) طيب اجتهاد القاضي على يقين أو على غلبة ظن ؟ على غلبة ظن ، كما قال العلماء : بناءً على هذا فهمنا أن الشريعة تنيط الأحكام على غلبة الظن، فإذا اجتهد الإنسان وغلب على ظنه أن الوقت قد دخل ثم لم يتبين له خطأ الاجتهاد ؛ فاجتهاده معتبر وعبادته مجزئة صحيحة .

[ أو خبر ثقة متيقن ] : هذه الحالة الثانية : أن يخبرك الثقة فخرج خبر الفاسق ؛ فإن الفاسق أمرنا الله بالتبين لخبره كما قال-I- : { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } وفي قراءة { فتثبتوا } ، ولذلك أمر الله-U- في مثل هذا الخبر أن لا تحكم به ولكن نتبين فدل على أن خبره لا يعتد به ؛ إذ لو كان خبر الفاسق معتداً به لوجب الحكم به مباشرة ، لكن كون الله-U- يأمرنا بالتثبت والأخذ من غيره والتبين من صحته دل على أن مثله لا يعول عليه ؛ ولذلك قال-تعالى- : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } . وقال-I- : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ثم قال بعد ذلك : { ممن ترضون من الشهداء } إذاً لو أخبرك من لا يرضى دينه ولا يرضى خلقه فليس خبره بمعتد به . قال العلماء : لأن الفاسق كما أنه اعتدى حدود الله بفسقه فلا يأمن أن يعتدي حدود الله فيكذب عليك ويقول : دخل الوقت وهذا موجود ، فإن بعض الفساق-والعياذ بالله- عنده استهتار بالدين، وبما أراد أن يخدع المطيع لربه فقال : دخل الوقت ، ثم تركه يصلي ، وكل ذلك إما قصداً على باب السخرية والاستهزاء ، وإما تهكماً واستخفافاً واستهتاراً-والعياذ بالله- بحدود الله ، فإذاً مثله لا يوثق بخبره فلا بد من أن يكون ثقة ، وبعد ذلك أن يكون متيقناً. فحينئذٍ يرد إشكال : الثقة على حالتين : إما أن يكون مجتهداً أو يكون متيقناً ، فإن كان الثقة متيقناً فلا إشكال ، لو قال لك : رأيت الشمس قد غابت بعيني فحينئذٍ تحكم بوجوب صلاة المغرب بلا إشكال ؛ لأن خبر الواحد في الديانات مقبول . أما لو قال لك : باجتهاده وقال لك : يغلب على ظني أن الفجر قد طلع ، فإن من إمارته كذا وكذا ، وذكر لك الأمارات ، يغلب على ظني أن النهار قد انتصف وزالت الشمس ؛ لأن الأمارة كذا وكذا ، حينئذٍ لا تخلو أنت المُخبر من الثقة من حالتين : إما أن تكون مجتهداً مثله فهذا هو الذي عناه المصنف-رحمه الله- بمفهوم الوصف إذا كنت  مجتهداً مثله ولم يتبين لك الصبح وجاءك وقال لك : قد تبين الصبح فهل تترك الاجتهاد وتقلد أو تبقى على الأصل مادام عندك الآلة والملكة ؟

قال بعض العلماء : المجتهد لا يقلد ، ويجب عليه أن يبقى حتى يتأكد أن الصبح قد طلع . وقال بعض العلماء: المجتهد إذا تعذرت عليه الآلة في نفسه وجب عليه أن يعمل بقول غيره ؛ لأنه ترفع عن مستوى من يقلد لمكان الاجتهاد، فإذا أصبح الاجتهاد فيه متعذراً أو ممتنعاً انتقل إلى حال الأمي وحال المقلد فنلزمه بالعمل بخبر هذا المجتهد هذا القول الثاني . بناء على هذا لو أن إنساناً أخبره ثقة بغالب ظنه مجتهد يقول : إن كنت مجتهداً مثله ففيك قولان للعلماء ، ومن يقول إن المجتهد يقلد إذا تعذر عليه العلم فحينئذٍ نقول : يلزمك أن تقلده ؛ لأنه ضعف اجتهادك فوجب عليك العمل باجتهاد غيرك كما عمل به من تعذرت عنده الآلة ، وإن قيل : إن المجتهد لا يقلد تتوقف حتى تتبين ، وإن كان في الحقيقة القول الأول من القوة بمكان أن المجتهد إذا تعذرت عنده الآلة ولم يستطع أن يتحرى فإنه يقوى أن يميل إلى قول غيره ، ولكن الاحتياط والأفضل أن يُعمِل ما درج عليه المصنف-رحمه الله- .

طيب هنا مسألة ثانية : وهي العامي الذي لا يعرف الأوقات ولا يعرف الدلائل ، لو جاءه إنسان مجتهد يعرف الأوقات بدلائلها وهو ثقة ما الحكم ؟ لا يدخل في هذه العبارة فلينتبه لذلك ، العامي يلزمه أن يقلد من عنده علم وبصيرة { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإذا أخبره الثقة أنه باجتهاده قد تبين له أن الصبح قد طلع وجب عليه أن يعمِل ؛ لأنه لا آلة عنده وهو تَبَعٌ بغيره ، فيستوي حينئذٍ أن يكون مخبره على غالب ظنه أو على يقين .

إذًا عندنا شخصان : شخص مجتهد نقول لا يحكم بدخول الوقت إلا باجتهاد منه أو خبر متيقن . أما لو أخبره بغالب الظن ففيه خلاف ، وقلنا : الأحوط أن يعمل على ما درج عليه المصنف .

الحالة الثانية : أن يكون الإنسان عامياً أو غير مجتهد ؛ فحينئذ يعمل بقول من تيقن وبقول من اجتهد ولو كان بغالب ظنه .

[ فإن أحرم باجتهاد فبان قبله فنفل وإلا ففرض ] : هذه مسألة من اجتهد وتبين له الخطأ ، فلو أنه أحرم بالصلاة على أن الوقت قد دخل ظن أن المغرب قد وجب وأن الشمس قد غابت فصلى ثم في أثناء الصلاة أو بعد انتهاء الصلاة إذا بالشمس قد طلعت ، فإن طلعت بعد انتهاء الصلاة حينئذٍ لا إشكال أن الصلاة باطلة لا تعدّ فريضة أي لا تقع فريضة ويبطل الحكم بكونها فريضة والاعتداد بها ويلزم فعل الفريضة بعد المغيب ، ولكن تقع نفلاً ؛ لأنه إذا تعذرت نية الفرض انقلبت إلى النفل ؛ لأنها عبادة والله يقول : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ، وبذلك أخبر الله أنه لا يضيع الإيمان ، وبالإجماع على أن المراد بقوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . أن المراد بها الصلاة ؛ لأنهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس فقالوا : إخواننا قد ماتوا وقد صلوا إلى بيت المقدس ؛ فأنزل الله-U- النفي الذي يدل على أن الله ما كان يضيع الإيمان ، فسمى الصلاة إيماناً ؛ قالوا : إن الله-U- وصف كونه بأنه لا يضيع صلاة المصلي ، قالوا : فإذا تعذر إيقاعها فريضة انقلبت إلى كونها نافلة بما دل عليه دليل الكتاب وقال-تعالى- : { إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً } والمصلي محسن ومطيع لله-U- ، ولذلك قد يقول لك قائل : ما الدليل على أن الفرائض تنقلب نوافل والنبي-r- يقول : (( إنما الأعمال بالنيات )) ؟ تقول له الدليل على ذلك : أنك لو حكمت إما أن تحكم ببطلان الصلاة أو انقلابها نفلاً ، فإن قلت : أحكم بانقلابها نفلاً صح ذلك مع دليل الكتاب ، لأنه ينبني عليه أن صلاته معتد بها ؛ لأنه قصد القربة وقصد الطاعة والإخلاص لله-U- وأوقع الصلاة بصفاتها الشرعية فلا وجه للإبطال ؛ والله-U- لا يضيع عمل العامل ، وهذا عمل ؛ ولذلك نستثنيه من قوله : (( وإنما لكل امرئ ما نوي )) ، ولذلك نقول : إذا تعذر الفرض انقلب إلى كونه نفلاً من هذا الوجه .

[ وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة  ثم زال تكليفه أو حاضت ثم كلف وطهرت قضوها ] : هذا ينبني على معرفة آخر الوقت . تستفيد منه أنك إن قلت : العبرة بتكبيرة الإحرام ، فإن المجنون إذا أفاق قبل مغيب الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه أن يقضي العصر، ولو أفاق قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه قضاء الفجر . كذلك - أيضاً - لو أن صبياً احتلم فبلغ قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه فعل الصبح ، وكذلك - أيضاً - لو أنه احتلم قبل غروب الشمس فإنه يحكم بكونه مطالباً بصلاة العصر . هذا إذا قلنا : إنه تكبيرة الإحرام . أما على الراجح والصحيح وهو مذهب الجمهور أنه يعتد بالركعة الكاملة ، فإذا أدرك الركوع قبل أن تغيب الشمس أو قبل أن تطلع الشمس حكم بإدراكه لوقت الصلاة وإلا فلا .

[ أو حاضت المرأة ثم كلف وطهرت يلزمها قضوها ] هذا هو . [ أو حاضت المرأة ] يلزمها القضاء .

[ ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته ] : كما قلنا : [ من صار أهلاً ] يعني من أهل التكليف بالصلاة صار أهلاً قبل أن يخرج الوقت لزمته يعني يلزمه أن يفعل هذه الصلاة إذا كان قبل الخروج بقدر تكبيرة الإحرام ، [ ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته ] أي لزمته الصلاة .

[ وما يجمع إليها قبلها ] : الكلام متصل بما بعده لزمته الصلاة ولزمه ما يجمع قبلها ، هذا يتأتى في أربع صلوات الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء يقول لك قائل : قد علمت أن من أدرك من آخر الوقت قدر الركعة أنه يعتبر مدركاً للصلاة ، لكن لو أن إنساناً أدرك قبل نهاية الوقت في الصلاة التي تجمع مع ما قبلها بقدر فعل الأخيرة والأولى أو قدر فعل الأخيرة وركعة من الأولى فهل يلزم بقضاء الصلاتين بفعل الصلاتين أو يلزم بفعل صلاة واحدة ، لو أن إنساناً مجنوناً أفاق أو صبياً احتلم قبل غروب الشمس بقدر خمس ركعات فالأربع للعصر والخامسة للظهر ، فحينئذٍ إن قلت إن وقت الظهر والعصر للضرورات وأهل الأعذار يعتبر من بمثابة الوقت الواحد وهو قضاء الصحابة ، مفهوم الشرع وأدلة الشرع تدل عليه من جهة المفاهيم فإننا نقول يلزمه فعل الصلاتين وهذا هو الصحيح وأقوى قولي العلماء : أن من أدرك قبل غروب الشمس الصلاة الأخيرة وقدر ركعة من الصلاة التي قبلها يلزمه فعل الصلاتين ، فيلزمه فعل الظهر والعصر إن أدرك قدر خمس ركعات قبل مغيب الشمس، ويلزمه فعل المغرب والعشاء إن أدرك قبل نصف الليل أو قبل طلوع الفجر على القولين في آخر وقت العشاء إن أدرك قدرخمس ركعات . طيب إن كان مسافراً تقول : إن أدرك ثلاث ركعات ؛ لأنه يقصر الصلاة ، فركعتان للأخيرة وركعة للأولى ، فتقول : إن كان حاضراً فخمس ركعات ، وإن كان مسافراً فثلاث ركعات ، فإن أدرك قدر الثلاث ركعات أو خمس ركعات على حسب الحضر والسفر يلزمه فعل الصلاتين ، وهذا كما قلنا تدل عليه مفاهيم أدلة الشرع أن الصلاتين بمثابة الصلاة الواحدة لأهل الأعذار، فيلزم بفعلهما معاً سواء كان ذلك في الظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء .

[ ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتبة ] : [ ويجب فوراً ] : بمعنى أن تبادر مباشرة . [ قضاء الفوائت ] فإذا قال : قضاء معناها أنه قد خرج الوقت مباشرة قضاء فوراً بعد خروج وقت الصلاة إذا خرج وقت الصلاة لمعذور ثم زال عذره كأن يكون نائماً وأفاق بعد طلوع الشمس يجب عليه فوراً أن يفعل الصبح . هذه المسألة للعلماء فيها قولان :

قالت طائفة من العلماء : إذا استيقظ الإنسان من نومه بعد خروج وقت الصبح أو خروج وقت أي فريضة أو زال عذره فإنه يجب عليه أن يبادر مباشرة إلى فعل الفريضة ، وإذا أخّرها وهو غير معذور كأن يكون بإمكانه أن يقوم الآن ، استيقظ الساعة التاسعة صبحاً ففي الصبح إذا استيقظ في التاسعة قد خرج وقتها - أعني الفجر - فيلزمه مباشرة أن يتوضأ وأن يصلى الفجر ، فلو قال : الوقت واسع ثم جلس إلى العاشرة بدون عذر ، قالوا : يأثم ، وهذا مذهب من يقول : إن القضاء على الفور لا على التراخي ، ولا يجوز له أن يتراخى إلا من عذر ، وهو للجمهور .

وقال بعض العلماء : إنه إذا استيقظ الإنسان من نومه أو كان معذوراً وزال عذره وذلك بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء فوراً ؛ وإنما يصلي ما لم يدخل وقت الثانية ، وهذا يتأتي مثل ما ذكرنا في الصبح فإنك إذا نظرت إلى الوقت ما بين طلوع الشمس وما بين زوال الشمس وقت متسع ، فعند من يقول : يلزمه صلاة الصبح بالنسبة للنائم حين يستيقظ ولكنه ينوي القضاء .

وأما بالنسبة للقول الثاني يقول : من حقه أن يؤخر ما لم تزل الشمس ، وهذا القول الثاني أَجَدُّ الوجهين عند الشافعية-رحمه الله عليهم- ؛ ودليله : حديث حذيفة في الصحيحين أن النبي-r- لما بات قال حذيفة : إن النبي-r- عرّس بمعني أنه سار إلى آخر الليل قال : فوقعنا وقعة ما ألذ منها على المسافر. فقال-r- : (( يا بلال اكلأ لنا الليل ))  ومراده أنهم من شدة التعب والإعياء وقعوا بمعنى ناموا ، وقعة ما ألذ منها على المسافر أي شعرنا بلذة النوم من مشقة السفر وعناء السهر قال : فقال النبي-r- : (( يا بلال إكلأ لنا الليل )) فال : فلم يشعر الصحابة نام بلال ثم طلعت الشمس ثم استيقظ عمر-t- كما في الرواية وجعل يكبر ، وفي رواية أن النبي-r- استيقظ من حر الشمس-صلوات الله وسلامه عليه- ، والتعبير بالحر يدل على أن الشمس قد ارتفعت ، قال : فلما استيقظ قال : : (( يا بلال ما شأنك ؟ )) قال-t- : أخذ بعيني الذي أخذ بعينك - يا رسول الله - ، يعني ما أنا إلا بشر ضعيف قال-r- : (( إن الشيطان قد جاء بلال حتى نام )) . يعني ما زال يهدئه يقول الصبح باق حتى نام-t وأرضاه- قال-عليه الصلاة والسلام- : (( ارتحلوا فإنه منـزل حضرنا فيه الشيطان )) . (( ارتحلوا )) فأمرهم أن يرتحلوا عن المكان الوادي الذي ناموا فيه وقال : (( إنه منـزل حضرنا فيه الشيطان )) ثم لما ارتحلوا حتى قطعوه توضأ عليه الصلاة والسلام أمر بلالاً فأذن ثم توضأ فصلى رغيبة الفجر ثم صلى الفجر .

وجه الدلالة عند هؤلاء قالوا : إن النبي-r- لم يصلِ مباشرة ، فما بين قيامهم من النوم وصلاتهم أمد الارتحال ، وهذا معلوم أن الجيش إذا ارتحل يأخذ وقت يعني إذا شدوا رحالهم ووضعوا الرحل هذا يحتاج إلى عناء ويحتاج إلى وقت ما هو باليسير ، وبخاصة إذا كان هذا في غزواته الأخيرة-عليه الصلاة والسلام- في العسرة ، فإن هذا يحتاج إلى وقت ويحتاج إلى عناء ، وبناءً على ذلك معناه أنهم قد أخذوا وقتاً ليس باليسير ، وبناءً عليه كون النبي-r- يؤخر إلى هذا الوقت الذي هو ليس باليسير يدل على أنه يجوز أن يؤخر الإنسان ولا حرج عليه ما لم يدخل وقت الظهر ، الذين قالوا بأنه لا يجوز التأخير قالوا : إن النبي-r- أخّر وقتاً يسيراً ، والحقيقة النفس تميل إلى أن قول من قال : إنه يجوز له التأخير أقوى ؛ لأن التعليل بكونه منـزلا حضره الشيطان لا يدل على بطلان الصلاة فيه ، بل العجيب أن بعض العلماء يقول : مكان كمعاطن الإبل التي نُهي عن الصلاة فيها وقال : (( حضرنا فيه الشيطان )) وهذا محل نظر ؛ لأن الفرق بين قوله : (( منـزل شيطان )) ، (( ومنـزل حضرنا فيه الشيطان )) فإن قوله : (( حضرنا فيه الشيطان )) أي تسلط على بلال فنام حتى ذهب الصبح ، وليس المراد أنه منـزل فيه الشياطين ؛ لأن النبي-r- قال : (( حضرنا فيه الشيطان )) والكلمات دلائلها معتبرة في أخذ معانيها وما يستنبط منها ، فكونه-عليه الصلاة والسلام- (( حضرنا فيه الشيطان )) ويعدل إنما هو على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب ، كأنه كره هذا المنـزل الذي حصل فيه التفويت للصلاة من كمال طاعته لله-U- ، وهذا شأن كمال الطاعة لا شأن الإلزام ، ولذلك لم يقل أحد من العلماء لو قلنا : إنه كمعاطن الإبل لقال العلماء : من نام في غرفة وفاتته صلاة الفجر يجب عليه أن لا يصلي فيها ولا قائل بهذا ، فبناءً على ذلك لا وجه أن نقول : إن النبي-r- امتنع لعذر ؛ لأن هذا ليس بعذر ؛ وإنما هو من باب الكمال ، وإذا كان من باب الكمال والفضيلة وكان القضاء على الفور فإنه لا يتأتى أن يترك الفورية الواجبة لفضيلة غير لازمة ، فمن هنا صح أخذ وجه الدلالة على أنه يجوز للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يؤخر ولا حرج عليه ، لكن الأفضل والأكمل أن الإنسان يخرج من الخلاف ؛ ولأن النبي-r- بادر بفعل الصلاة ، ولذلك نقول : الأفضل والأكمل أنه يبادر بالصلاة حتى يخرج من خلاف العلماء-رحمة الله عليهم- ، وأما لو أخر بالساعة والساعتين ما لم يدخل وقت الظهر فإنه لا حرج عليه بدلالة السُّنة على هذا .

[ ويسقط الترتيب بنسيانه ] : يجب على المكلف أن يرتب بين الصلوات ؛ والدليل على ذلك قوله-تعالى- :   { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } والمؤقت المحدد ، تقول : أقّت الشيء يؤقته تأقيتاً إذا حدده زماناً أو مكاناً أو صفة ، فلا يصح أن تصلي الظهر ولم تصلِ الفجر ، ولا يصح أن تصلي العصر ولم تصلِ الظهر ، ووجه الالتزام بالترتيب ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي-r- أنه جاءه عمر يوم الخندق فقال : " يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب " فقال-r- : (( والله ما صليتها ، قوموا بنا إلى بطحان )) فتوضأ فصلى العصر والمغرب والعشاء ، فكونه-عليه الصلاة والسلام- يراعي الترتيب مع أن الوقت وقت المغرب يدل على الإلزام ، وقد قال : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) وذلك اعتبر الإلزام ، يدل هذا على أن الإلزام معتبر ، ومن ثَم أخذ العلماء على أنه لا يصح لك أن تصلي العصر قبل الظهر ، وهذا صحيح من جهة النظر فإن المكلف إذا وجبت عليه صلاة الظهر وقد تعلقت ذمته بخطاب الظهر ، ولا يخاطب بالعصر إلا بعد أن تفرغ ذمته بفعل الظهر ، ولذلك أصبح ملزماً بالترتيب من هذا الوجه ، فلا يصح أن يصلي المغرب قبل العشاء ؛ وبناءً عليه فمن دخل في سفر دخل إلى مسجد والقوم يصلون العشاء فإنه يدخل وراءهم بالنافلة ثم إذا انتهوا أقام للمغرب فصلاها ثم صلى العشاء ، هذا مذهب من يقول بالترتيب ، لكن لو دخل وهم يصلون العصر وكان قد أخر الظهر يريد أن يجمع فلما دخل على الناس وجدهم يصلون العصر ينوي وراءهم الظهر ولا حرج عليه ؛ لأن صورة الصلاتين متحدة ، ولا حرج أن توقع الظهر وراء العصر لأن الصورة واحدة ولا اختلاج في الأفعال ، لكن في المغرب والعشاء ستختلج الأفعال والأركان ، ولذلك لا يتأتى إيقاع إحدى الصلاتين تِلْوَ الأخرى ، وبناءً على ذلك يلزم بالترتيب على ظاهر دليل التأقيت في الكتاب والسنة ، فمن صلى صلاة الظهر لو أن إنساناً صلى صلاة العصر قبل الظهر لم تصح صلاته وصلاة العصر منه نافلة ، فيلزم بإعادة الظهر وإيقاع العصر بعدها ؛ لكن لو نسي ، لو نسي للعلماء قولان :

قال بعض العلماء : من صلى العصر ناسياً الظهر ثم تذكر بعد صلاة العصر ، يقيم للظهر ويصلي ولا حرج عليه لعلة النسيان ، واختاره المصنف وجمع من أهل العلم ، واحتجوا بظاهر قوله-تعالى- : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } .

وقال بعض العلماء ، جمع من أهل العلم - الذين يقولون بوجوب الترتيب وهم البقية - : يلزمه أن يعيد الظهر ثم العصر ؛ وذلك لأن قوله-تعالى- : { لا تؤاخذنا } المؤاخذة لا تسقط الضمان بالحق ، ولذلك الناسي يسقط عنه الإثم ويبقى الأصل بالمطالبة ، إذ لو أخذنا بظاهر قوله : { لا تؤاخذنا } أنه يدل على إسقاط الترتيب لدل على إسقاط الصلاة كلها لأنه قد نسيها ، وبناءً على ذلك كما قلنا : إنه يلزم بفعل الصلاة مع أنه ناسٍ ويلزمه قضاء الصلاة حينئذٍ نقول : يلزمه - أيضاً - أن يوقعها مرتبة كما استثنيت من قوله : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا } الصلاة نفسها بناء على دليلها يلزمكم استثناء الترتيب بدليل الترتيب نفسه ، ولذلك مسلك من يقول : إن من نسي الترتيب يطالب به ويسقط عنه الإثم ؛ لأن قوله : { لا تؤاخذنا } الرفع للمؤاخذة ، والمؤاخذة الإثم وليس المراد بها المطالبة ، إذ لو أخذت بقوله : { ربنا لا تؤاخذنا } على أن المراد به عدم المطالبة حتى في الترتيب نقول - أيضاً - : لا يطالب بالصلاة ؛ لأن النص عام على عدم المؤاخذة ، فكما أنه طولب بحق الله بفعل الصلاة حينئذٍ يطالب بحق الله في إيقاعها مرتبة ، وهذا أعدل الأقوال وأقواها ، ولذلك الاستدلال دائماً بقوله : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا } وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان )) مقيد بإسقاط الإثم دون إسقاط الضمان ، ودليله واضح ، ألا ترى الإنسان لو قتل إنساناً خطأ لوجب عليه الضمان لحق الله والعبد ، فيطالب بالكفارة وهي عتق الرقبة ، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين مع أنه مخطئ ، والله يقول : { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } فدل على أن المؤاخذة المرفوعة في الآية مؤاخذة الإثم التي لا يفوت بها حق الله وحق المكلف ، وهذا أعدل أقوال الأصوليين في هذه المسألة المشهورة هل المرفوع في قوله : (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) الفعل والإثم أو أحدهما وهو الإثم ، قلنا : إن الصحيح الإثم حتى يدل الدليل على رفع الاثنين معاً .

@ @ @ @ @   الأسئلة  @ @ @ @ @

السؤال الأول :

إذا أخّر رجل الصلاة عن وقتها متعمداً حتى خرج الوقت هل يقضي الصلاة أم لا ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء-رحمة الله عليهم- :

فبعض أهل العلم يرى أن من أخر الصلاة حتى خرج وقتها وهو متعمد لا يطالب بالقضاء ، وبخاصة على مذهب من يرى أنه قد كفر بإخراج الصلاة عن وقتها .

والقول الثاني : أنه لا يكفر ، ويلزم بفعل الصلاة بعد خروج الوقت إن أخرها متعمداً ، وهو الأقوى والصحيح  - إن شاء الله - .

والدليل على ذلك : أنه إذا اختلف العلماء-رحمهم الله- هل يطالب بالفعل أو لا يطالب بالفعل ؟ رُجع إلى الأصل ، فإن الأصل فيمن دخل عليه وقت الصلاة أنه مطالب بها لتوجه خطاب الشرع عليه بالفعل ، فكونه قد أخلّ إلى أن خرج الوقت لا يوجب إسقاط هذا الدليل إلا بدليل يدل على أن المتعمد لا يطالب بفعل الصلاة بعد خروج الوقت ، وليس هناك دليل في الكتاب والسُّنة يدل صراحةً على أنه إذا خرج الوقت لا يطالب بفعل الصلاة ، غاية ما استدل به أصحاب هذا القول أنهم قالوا : إن الصلاة محددة ببداية ونهاية ، وإذا كانت محددة بالبداية والنهاية ؛ فإنه إذا خرج عن نهايتها لا يطالب بفعلها ، وهذا محل نظر ، ألا ترى النائم يطالب بفعلها بعد انتهاء وقتها ، ألا ترى المعذور - وهذا بالإجماع - على أنه يطالب بالفعل بعد انتهاء وقتها ، إذا كان هذا مقرراً وهو أن المعذور مطالب بالفعل بناء على أصل دليل الخطاب ؛ فإنه يدل على أنهم مسلِّمون بوجود الخطاب بعد انتهاء الوقت ، وأصبح التأقيت يحتاج إلى دليل من الكتاب والسُّنة يدل على عدم إلزام المكلف بالفعل بعد خروج الوقت ؛ ولذلك الأقوى أنه يطالب بالفعل ، وقد ثبت بدليل السُّنة الصحيحة أن النبي-r- نزّل حقوق الله منـزلة حقوق العباد ؛ فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيته ؟ )) قالت : نعم . قال : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فجعل الصوم وجعل الحج بتوجه الخطاب دَيناً على المكلف ؛ لأنه فريضة . يقول الجمهور : فالصلاة دين على المكلف ؛ لأنه مكلف بها بتوجه الخطاب كالصوم والحج ، إذا ثبت أنه دَين ؛ فإن دَين الله أحق أن يقضى ، وكما أن حقوق العباد يطالب الإنسان بقضائها حتى ولو أنكرها وجحدها وامتنع من الفعل وماطل فيها بعد وقتها وهو قادر على السداد ،كذلك حق الله يطالب بأدائه ولو خرج عن وقته ؛ لأن السداد مأمور به ، وهو القيام بفعل الصلاة ، فالذي تطمئن إليه النفس مطالبته بالفعل .

يقولون في الحج - إتباعاً للسؤال الأول - يقولون في الحج : لو أخّر مفرطاً ساغ للإنسان أن يحج عنه ، لو أن إنساناً غنياً ثرياً أخّر الحج حتى مات وهو قادر على أن يحج . قالوا : يطالب بالحج عنه من ماله ؛ بناءً على قوله  -عليه الصلاة والسلام- : (( أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيته ؟ )) قالت : نعم . قال : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فجعل الحج في ذمة هذا الميت مع أنه مفرط ومتعمد للتأخير ، جعله ديناً في ذمته مع أنه أخرج عن الوقت المعتبر؛ لأنه بالإجماع على أنه إذا توجه الخطاب على الإنسان بالحج وهو قادر مستطيع أنه واجب عليه ، لكن اختلف في مسألة التأخير وعدم التأخير ، فقالوا : إنه يطالب بالفعل ، ويترتب على المطالبة إلزام الذمة ؛ بناءً على هذا الصلاة ألزمت ذمته بفعلها ، وليس عندنا دليل على أنه إذا أخر حتى خرج الوقت أنه سقطت عنه ، ثم جاء دليل النظر والقياس الصحيح ، وهو ما يسمى عند العلماء قياس الأولى ، قياس الأولى من أقوى الحجج ، حتى إن بعض العلماء يقول : الخلاف بين الظاهرية والجمهور في الأقيسة لا يشمل قياس الأولى . قياس الأولى يقولون : إذا كان المعذور الذي عذر ونام حتى فاتتنه الصلاة يطالب بالإعادة ؛ فكيف بإنسان متعمد ؟ فإنه أحرى أن يطالب بالإعادة ، هذا يسمونه قياس الأولى ، فإذا كان صح هذا وهو أن المعذور يطالب بالفعل مع كونه معذوراً فمن باب أولى غير المعذور ، ولذلك تميل النفس إلى المطالبة بالقضاء ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الثاني :

هل تقضى الفوائت من النوافل ؟

الجواب :

أما قضاء الفوائت من النوافل ؛ فإنه سنة دل على ذلك حديث حذيفة في الصحيح عن النبي-r- في قضائه لراتبة الفجر ، وقال العلماء : إن راتبة الفجر هي آكد الرواتب ، وتقضى قولاً واحداً عند العلماء ، يعني تأكد قضائها لقوله-عليه الصلاة ولسلام- : (( لا تدعوها ولو طلبتكم الخيل )) ولثبوت الخبر الصحيح عن النبي-r- بقضائها مع الصحابة ، فإنه لما بات في الوادي الذي ذكرنا أمر بلالاً ، فأذن ، قال : (( ثم صلى ركعتين وهي رغيبة الفجر، ثم أمره ، فأقام فصلى الصبح )) فكونه يقضي الراتبة دلّ على مسألتين :

أما المسألة الأولى : سنية قضاء الرواتب .

والمسألة الثانية : وهي المسألة التي كنا فيها قبل الصلاة ، هل يطالب بالفور أو لا يطالب بالقضاء ؟ ووجه ذلك أنه لو كان مطالباً بالفور لصلى الصبح أولاً ثم صلى بعده الرغيبة ، ولما اشتغل بالنافلة قبل الفريضة ، فهذا يؤكد ما ذكرناه قبل الصلاة من أن القضاء ليس على الفور ، إذ لو كان على الفور ما قدم النافلة على الفرض ؛ وبناءً على هذا فإنهم قالوا : إنه يشرع قضاء النوافل ، ومن الأدلة حديث عائشة الصحيح : " - يا رسول الله - ، رأيتك تصلي ركعتين لم أرك تصليهما من قبل " . قال : (( هما سنة الظهر أتاني وفد عبد قيس فشغلني عنها آنفاً )) وأما حديث أم سلمة أنها لما سألته قالت : " أفنقضيهما ؟ " قال : ((  لا )) الذي رواه أحمد في مسنده فهو ضعيف ، والصحيح أنه يشرع قضاء الرواتب ، وأنه سنة ، ولا حرج على الإنسان في فعله ، وفي الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- : " أن النبي-r- كان إذا فاته حزبه من الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة " فقضى-عليه الصلاة والسلام- صلاة الليل مع أنها نافلة ، فدل هذا على مشروعية القضاء .

وفي الصحيح - أيضاً - قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( من نام عن حزبه من الليل فقرأه ما بين طلوع الشمس إلى زوالها كتب له كأنما صلاه من ساعته )) وهذا يدل على سعة رحمة الله-U- ، وعظيم فضله ، خاصةً عند وجود العذر ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الثالث :

نرى بعض المصلين يصلون صلاة الضحى قبل الظهر بقرابة ربع ساعة ، فهل نبين لهم أن هذا وقت نهي مع رجاء تحديد وقت النهي بالدقائق قبل أذان صلاة الظهر ؟

الجواب :

هذا فيه مسألتان :

المسألة الأولى : تأخيرهم للضحى إلى هذا الوقت ، فهل لو أن إنساناً أخر الضحى إلى ما قبل صلاة الظهر سواء وقت انتصاف النهار المنهي عنه ، أو أخرها إلى ما قبل وقت انتصاف النهار هل هذا من السنة ؟ الجواب : لا . لأن الضُّحى شيء ، والضَّحى شيء ، فإذا أشرقت الشمس هناك شيء يسمى الضُّحى ، وهو أول النهار إلى اشتداد الشمس ، بحيث تقرب من الهاجرة ، ثم يأتي وقت قبل انتصاف النهار يقارب الساعة إلى الساعة والنصف يختلف بحسب طول النهار وقصره ، في الصيف والشتاء ، ففي الصيف يكون أطول ، وفي الشتاء يكون أقصر ، قبل هذا الوقت الذي هو قبل أن تنتصف الشمس في كبد السماء يسمى الضَّحى وهو المراد بحديث البخاري : " كنا نصلي الجمعة مع النبي -r- ثم نرجع فنقيل قائلة الضَّحى " هذا هو وقت القيلولة قبل الظهر بساعة ونصف إلى ساعة ، ووقت قيلولة لأنه قَلَّ أن ينام الإنسان فيه إلا وسهل عليه قيام الليل ، غالباً هذا الوقت الذي هو قبل الظهر يعين بإذن الله-U- على قيام السحر ، وقالوا : هو المراد بالقيلولة (( قيلوا ؛ فإن الشياطين لا تقيل )) فكانت قيلولتهم قبل منتصف النهار ، هذا الوقت يسمى الضَّحى بالفتح . الذي قبله ما بين طلوع الشمس قيد رمح إلى اشتداد النهار ، ودخول الضَّحى هذا يسمى الضُّحى ، وهو الذي أقسم به الله-U- : { والضحى والليل إذا سجى } فانظر إلى قوله : { والليل إذا سجى } أي جعل بداية الليل وإرخاء سدوله وهو ما يكون عند وجود الشفق إلى سقوط الشفق ، بحيث يسجي الليل مثل الشخص الذي تسجيه تغطيه ، { والليل إذا  سجى } يعني غطى بظلامه ، فجعل الوقتين متقابلين ، فالنهار صلاة الضُّحى ما تكون إلا بداية وقتها أنها تكون بعد طلوع الشمس بقيد رمح ، أما أثناء الطلوع إلى ارتفاعه قيد رمح فهو داخل في المنهي عنه ؛ لأن النبي-r- أخر صلاة العيد إلى ارتفاع الشمس قيد رمح ، فدل على أن ما قبله باق على الأصل من النهي ؛ وبناءً على هذا لا ينبغي تأخير صلاة الضُّحى إلى هذا الوقت ، وأفضل ما تقع صلاة الضُّ حى بعد ارتفاع النهار ، يعني : إذا ارتفعت الشمس قيد رمح بدأ وقت الجواز ، فإذا اشتد النهار قليلاً - يعني - بعد إشراق الشمس بقدر ساعة فهو أفضل . لماذا ؟ لأن الغفلة من الناس تكون في مثل هذا الوقت ، وهو وقت طلب التجارة والكسب ، فكون الإنسان يترك التجارة والكسب ويقبل على الله في مثل هذا الوقت هذا أفضله ، وقد أشار النبي-r- إلى هذا المعنى بقوله : (( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال )) والفصيل : ولد الناقة ، (( وترمض الفصال )) يعني : يدركها حر الرمضاء ، وهذا يدل على أن الشمس قد ارتفعت ، وأن صلاة الأوابين وهي الضُّحى التي وعد الله أهلها بالمغفرة  { إنه كان للأوابين غفورا } على أن المراد بها الأوابين أن الإضافة المراد بها مثل هؤلاء الذين أثني عليهم بالآية ، قالوا : لا يكون إلا بعد ارتفاع النهار بساعة ، ساعة ونصف ، ثم إلى ما قبل الظهر بساعة إلى ساعة ونصف ، فإذا صار قبل الظهر بساعة أو ساعة ونصف فهذا أشبه ما يكون بقضاء الضُّحى ، وليس بالضُّحى أداء ، ويصير يصبح فيه مسألة قضاء النوافل من حيث إنه سائغ أو غير سائغ ، ثم إذا بدأ وقت الضَّحى إلى أن تنتصف الشمس في كبد السماء هذا وقت جواز يجوز للإنسان أن يصلي فيه ، وحملوا عليه قولها-رضي الله عنها- وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( رحم الله امرءاً صلى قبل الظهر أربعاً )) على أن المراد قبل الظهر قبل وقتها ، وليس المراد به الراتبة ، قالوا : إن قوله : (( إنها ساعة رحمة تُفَتح فيها أبواب السماء )) ، ولما سألت قال : (( إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح )) هذا قبل انتصاف النهار ، فإذا جاء انتصاف النهار ، انتصاف النهار إذا أذن الأذان على ما أذكر من قول بعض المؤذنين إنهم يحتاطون بقدر ربع ساعة ما بين زوال الشمس وصلاة الظهر ، فيقولون : الوقت في الظهر داخل بقدر ربع ساعة ؛ وبناءً على هذا إذا أذن للظهر - مثلاً - على الثانية عشرة والنصف فمعناه: أن الزوال ابتدأ في الثانية عشر والربع ؛ وبناءً على هذا إذا جاء يصلي في مثل هذا الوقت الذي تنتصف فيه الشمس في كبد السماء فإنه حينئذٍ لا يجوز له ، قال-t- : " ثلاث ساعات نهانا رسول الله-r- أن نصلي فيها أو أن نقبر موتانا : حين تطلع الشمس ، وحين تغرب ، وحين يقوم قائم الظهيرة " ، وقال-عليه الصلاة والسلام- في حديث مسلم : (( فإذا طلعت الشمس فَصَلِّ ؛ فإن الصلاة حاضرة مشهودة ، فإذا انتصفت - يعني - في كبد السماء فأمسك ؛ فإنها ساعة تسجر فيها نار جهنم )) (( تسجر )) - يعني يشتد لهيبها - فهي ساعة عذاب وليست بساعة رحمة )) ولذلك نهي عن قبر الموتى فيها دفن الموتى وعن صلاة النافلة ، فمثل هذا الوقت لا تصلى فيه صلاة الضُّحى ، ولذلك قالوا : إن إيقاع النافلة في أوقات المنهي عنها وجوده وعدمه على حد سواء إلا عند من يستثني ذوات الأسباب .

ينبهون ، ينبغي تنبيهك لهؤلاء الذي يصلون في هذه الأوقات المنهي عنها ، أو غلب على ظنك أنهم في الوقت المنهي عنه تنبههم على أمرين :

أولاً : تنبههم على أن وقت الضُّحى من بعد طلوع الشمس قيد رمح ، يعني بما يقرب احتياطاً إلى ثنتي عشر دقيقة ، فإذا بلغ ثنتي عشر دقيقة بعدها يغلب على الظن من دخول وقت جواز صلاة النافلة ، فإذا طلعت الشمس في السادسة ، السادسة والربع يبتدئ وقت الضُحى وقت الجواز ، ووقت الفضيلة يبتدئ بما يقرب من السابعة والنصف إذا كان طلوعها السادسة والربع إلى السابعة والنصف تقريباً إلى الثامنة ، كلما تأخر قليلاً كان أفضل ؛ لأنه تكون غفلة الناس باشتغالهم بالدنيا أكثر ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الرابع :

فاتتني كثير من الصلوات بعد بلوغي ، وصليت بعضها جنباً خجلاً ، وكل ذلك لجهل والدي عن تعليمي ما يجب علي وهي كثيرة جداً ، ولا أحصي عددها ولا أستطيع الاجتهاد في معرفتها ، فماذا يلزمني تجاه ذلك ؟

الجواب :

هذا السؤال فيه مسائل :

أولاً : إذا تركت الصلاة في أمد من بعد بلوغك ولم تكن تصلي-والعياذ بالله- بعد البلوغ إلى أن التزمت بطاعة الله وشريعة الله فلا يلزمك القضاء ؛ لأن تركك على هذا الوجه آخذ حكم الترك الموجب للكفر، من ترك الصلاة -والعياذ بالله- ولم يصل ولم يركع ؛ فإنه يصدق عليه قول النبي-r- : (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )) وإذا حكم بكفر تارك الصلاة على هذا الوجه يصبح لا يلزم بقضاء ؛ قال-r- : (( أسلمت على ما أسلفت من خير )) . وقال في الحديث الصحيح : (( الإسلام يجبُّ ما قبله )) فتكون بالتزامك بالصلاة كأنك قد دخلت في حظيرة الإسلام بأدائها ، وبناءً على ذلك لا تطالب بقضاء ما مضى .

أما لو كنت تصلي أحياناً وتترك أحياناً ؛ فحديث عبادة ظاهر في قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له )) يدل على عدم الكفر ، وبناءً على ذلك تجتهد ، وتبني على غلبة الظن . وقولك : لا أستطيع الاجتهاد غير وارد ، وذلك أنك لو قدرت السنة التي التزمت فيها بشرع الله ، وأصبحت محافظاً فيها على الصلاة بثلاث سنوات من حينك الآن ومن بلوغك إلى الآن قرابة سبع سنوات مثلاً ، حينئذٍ تقول : هي أربع سنوات ، وإذا كان الأمد إلى أربعة أشهر فأكثر في الصلوات ؛ فحينئذٍ تصلي كل صلاة مع أختها ، وتحتاط بقضاء هذا الأمد كاملاً .

أما الأمر الثالث في سؤالك : فهو قولك : إنك كنت تصلي وأنت جنب لا يجوز هذا ، ولذلك قال بعض العلماء: من صلى وهو على غير طهارة عالماً بحرمة ذلك ، مستخفاً بهذا التحريم ؛ فإنه يكفر-والعياذ بالله- ، بعض العلماء يرى أن من يصلي وهو على غير طهارة متعمداً عالماً أنه يكفر ، وإن كان الصحيح أنه لا يكفر إلا إذا قصد الاستهزاء ، ولكن انظر إلى شدة تشدد العلماء-رحمة الله عليهم- أن من صلى وهو على غير طهارة عالماً متعمداً أنه يكفر . من شدة تعظيمهم لأمر الصلاة ، فينبغي حينئذٍ للإنسان أن يحتاط ، أما كون الإنسان يخجل ، لو أن إنساناً دخل في صلاة الظهر ثم تذكر أنه أجنب قال : لو خرجت الآن الناس يرونني ، أو صلى بهم وهو إمام ، قال : كيف أخرج من الصلاة ؟! فينبغي أن تكون خشية الله في قلبك أعظم من خشية الناس ، وأن تعلم أنه لا يغني عنك أحد من الله شيئاً ، وأنه لا يجيرك من الله ومن سطوة الله ومن غضب الله عليك أحد ، فقد يكون استخفافك بعظمة الله ، وهيبتك للناس أن تهابهم أكثر من هيبتك لله سبباً في غضب الله عليك ، فاتق الله-U- ، بمجرد ما تشعر أنك غير متوضئ فاخرج من الصلاة ، ولتنعم عينك بطاعة الله-U- ، ولك من هدي النبي-r- الرخصة والتوسعة أن تمسك بأنفك وتخرج ، فإن الذي أمرك بدخول المسجد أمرك أن تخرج من المسجد ، ولا تبالِ بالصغير ولا بالكبير ، ولا بالجليل ولا بالحقير ، فتتقي الله-U- ولتكن هيبة الله في قلبك أعظم وأجل وأكبر من أن تهاب غيره ، فتستخف بعظمة الله ، فتصلي بين يديه على غير طهارة ، فلذلك ينبغي للمسلم أن يحفظ هذا ، لا يجوز للمسلم أن يصلي على غير طهارة ، ولا يجوز له أن يستبيح الصلاة وهو جنب ؛ لما فيه من الاستخفاف بعظمة الله ، ولو كان إماماً ؛ فإنه يسحب من وراءه ويستخلف ويخرج ، ولتنعم عينه بطاعة الله ، فإن الله يثيبه ، والله يبتلي ، وقد مر هذا علينا ، ومر على بعض العلماء من قبلنا أن الله يبتلي إيمان العبد ؛ لأنه لا يمكن أن تخرج من هذه الدنيا حتى يظهر كمال إيمانك من نقصك ، ومن الإيمان خشية الله ، ولن تخرج من هذه الدنيا حتى تظهر خشيتك لله كاملة أو ناقصة ، فإذا جاءتك مثل هذه المواقف ؛ فاعلم أن الله يمتحنك ، وأن الله يريد أن يبتليك بخشيته بالغيب ، فإن الناس لا يعلمون أنك جنب ، ولا يعلمون أنك على غير طهارة ، ولكن الله وحده هو الذي يعلم ، علام الغيوب ، فإذا جئت بإيمان منك ، وصدق وخوف من الله ، ويقين من الله-I- تخرج أمام الناس لا تستحي منهم ، ولا تهابهم ولا تخشاهم ؛كان ذلك أصدق ما يكون من خشيتك لله-I- ، فهذا أمر شائع ذائع كثير من الناس يقول : صليت وأنا على غير طهارة ،كنت على غير طهارة وأنا جالس في المسجد ؛ فاستحيت أن أخرج ، هذا لا يجوز ، ينبغي أن تكون عظمة الله وهيبته : { أتخشوهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } ، فالله أحق أن يخشى ، وأحق أن يهاب ، وأحق أن تكون له الرغبة والرهبة .

فنسأل الله العظيم أن لا ينـزع من قلوبنا خشيته ، وأن يرزقنا الخوف منه ، وإجلاله وإعظامه على الوجه الذي يرضيه عنا - ، والله - تعالى - أعلم .

الجواب الخامس :

إذا فاتت المسلم صلاة الظهر ولم يتذكرها إلا في آخر وقت العصر ، والوقت لا يكفي إلا لصلاة العصر فحسب ، فهل يلزمه الترتيب أو لا ؟

الجواب :

هذه المسألة فيها خلاف :

بعض العلماء-رحمة الله عليهم- يقول : إذا أدركت آخر وقت الثانية بحيث لا يسع إلا بقدر أن تصلي الثانية الحاضرة ، الثانية حاضر وأنت لم تصل الأولى ؛ فإنه يجب عليك أن تراعي ترتيب الشرع ، وتصلي الأولى ولو خرج الوقت ؛ لأن وقت الثانية ساقط عنك بانشغالك بفرض ، وهذا هو الأصل ، وهو قول مبني على اعتبار دليل الترتيب ، وقال به جمع من العلماء-رحمة الله عليهم- .

ومن العلماء - وهو القول الثاني - يقول : يقدم الحاضرة على الفائتة ؛ وذلك لأنه إذا صلى الفائتة كان قاضياً فاستوى أن يؤديها في وقت الأولى أو يؤديها في وقت الثانية ، وهذا القول في الحقيقة محل نظر :

أولاً : لثبوت السُّنة عن النبي-r- في الحديث الصحيح من حديث عمر أنه جاء إلى النبي-r- يوم الخندق فقال : " - يا رسول الله - ، والله ، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب " ، فقال-r- : (( والله ما صليتها )) انظر-رحمك الله- " ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب " بمعنى صليتها فغربت الشمس مباشرة ، حتى لا يدري هل الصلاة سبقت أو الغروب ؟ معنى ذلك أنه قد غابت الشمس ، ثم احسب وقتاً لذكره لله-U- بعد أدائه للصلاة ، ثم قيامه إلى النبي-r- يتشكى مع أنه قال بعض العلماء : يحتمل أن الوقت إلى دخول وقت المغرب بقدر لأجل هذا الذي ذكرناه . فقال  r: - احسب حساب كون عمر يخاطب النبي-r- ثم رده عليه : (( والله ما صليتها )) هذا النبي-r- ثم قال : (( قوموا بنا إلى بطحان )) قال : " فنـزل ، فتوضأ فصلى العصر ثم المغرب والعشاء " وجه الدلالة قال : وقت المغرب ضيق ، ولذلك إذا حسبت مكان الوقعة الآن من يعرف سلع الذي كانت عليه الوقعة يعرف جبل سلع الناحية المقابلة التي كان فيها القتال تختلف عن الناحية التي فيها السيل وهي مجرى بطحان ، جبل سلع جزء منه في اليمين ، والجزء الأيسر منه يجري بجواره سيل بطحان ، هذا الذي قالت فيه أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- : أتينا المدينة وكان بطحان نجلاً : أي مستنقعات ، هذا الوادي الذي هو وادي بطحان ، لما قال : (( قوموا بنا إلى بطحان لكي يتوضأ منه )) فيه موضع تحسبه ما بين مكان الوقعة وما بين نزوله إلى بطحان ، وهذا يأخذ وقتاً من الإنسان ، مع أن عمر قد جاءه بعد مغيب الشمس ، فاحسب كلامه له بعد ذهابه إلى النبي-r- بعد المغيب ، ثم شكواه إلى النبي-r- وجوابه ، ثم أمره-عليه الصلاة والسلام- بالذهاب إلى بطحان ، ثم وقت الوضوء ثم القيام إلى الصلاة ، فهذا وقت ليس باليسير ، خاصةً وإن معك عدد من الناس لا يقلون عن الألف الذين كانوا مع النبي-r- في غزوة الخندق ، فهؤلاء الصحابة-رضوان الله عليهم- يصلون معه-عليه الصلاة والسلام- لأنهم كانوا متؤقتين به ، فكونه-عليه الصلاة والسلام- يقولون : الغالب أن وقت المغرب خرج أو كاد يخرج مع هذا كله كاد وقت المغرب أن يخرج ، قالوا : فصلى العصر أولاً ، ثم أتبعها بماذا ؟ بالمغرب ، ثم صلى العشاء ، ولذلك ما ورد في الحديث أنه انتظر إلى دخول العشاء . قالوا : هذا يؤكد على أنه كان النبي-r- حريصاً على التقديم حتى على الأقل مع خوف خروج الوقت ، وهذا يؤكد ما ذكرناه أنه يبدأ بالفائتة قبل الحاضرة .

والذين قالوا : إنه يبدأ بالحاضرة قبل الفائتة اضطرب قولهم ، فهم يقولون : بوجوب الترتيب . ثم يأتون في هذه المسألة ويقولون : لا ، لا يجب الترتيب ، وإنما يلزم بفعل الحاضرة قبل الفائتة ، قالوا : لأنه إذا صلى الحاضرة أدى، وإذا صلى الفائتة قضى في كلتا الصلاتين ، ولذلك في الحقيقة الذي تطمئن إليه النفس أنه يبدأ بالفائتة ثم يتبعها بالحاضرة ولو خرج الوقت ؛ لأن التأخير لعذر شرعي ، وهو أمر الشرع إياك بفعل الصلاة ، ألا ترى أنهم يقولون : إنه لا يصح أن يوقع صلاة العصر حتى يصلي الظهر ، ما الذي استثناه هنا ؟ فكونه يقول : فاتته أو حاضرة لا تأثير له في الوصف الشرعي يعني لا يقوى على الاستثناء من الأدلة التي دلت على وجوب الترتيب من التأقيت الذي ذكرناه من دليل الكتاب والسُّنة ، وعلى هذا يقوى القول الذي يقول : إنه يبدأ بالفائتة قبل الحاضرة ، لكن بعض العلماء قال مخرجاً لطيفاً ، يقول : الأفضل أن الإنسان يخرج من الخلاف ، قالوا : كيف ؟ قال : ما دام أنه سيصلي قضاء ، بناءً على أنه إذا أدى الحاضرة نقول : يصلي الحاضرة في وقتها ، ثم يقيم فيصلي الفائتة ويصلي بعدها الحاضرة ، قالوا : لأنه إذا كان معذوراً بعدم مراعاة الترتيب فقد أوقع الصلاة في وقته ، فإن كانت معتبرة فقد أدرك الإجزاء والاعتبار، وإن كانت غير معتبرة فقد احتاط لدينه بإعادتها بعد الوقت ، وهذا أفضل المخارج ، وقد قلناه في مسألة من بقي على قدر ما يتوضأ وذكرنا ذلك ، ولذلك الذي تميل إليه النفس أنه يحتاط ، لكن الأصل والأرجح أنه يطالب بفعل الفائتة قبل الحاضرة .

السؤال السادس :

ما هو آخر وقت سنة العشاء ؟

الجواب :

آخر وقت سنة العشاء تتأقّت الراتبة البعدية بآخر وقت الفريضة نفسها التي رُتّبت عليها ، فإن كنت في الظهر فآخر وقت الظهر ، وإن كنت في المغرب فآخر وقت المغرب ، وإن كنت في العشاء فآخر وقت العشاء ، فعلى القول بأن وقت العشاء إلى نصف الليل تتأقت الراتبة إلى نصف الليل ، فتصلي الراتبة إلى منتصف الليل ، وعلى القول بأنه إلى الفجر فلك أن تصلي راتبة العشاء ما لم يَتَبَيّن الفجر الصادق .

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ  وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد  وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .