دروس عمدة الفقه

تابع باب شرائط الصلاة ( لم يراجع من قبل الشيخ )


تابع باب شرائط الصلاة ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب الصلاة

 

P

قال المصّنف رحمه الله : [ ومن لم يجد إلاّ ثوبا نجسا أو مكانا نجسا صلّى فيهما ولا إعادة عليه ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين ؛ أمّا بعد :

فقد شرع المصنّف - رحمه الله - في بيان مسائل الضرورة ، وهي الّتي تتعلّق بِعَجْز الإنسان عن الستر، ووجود الطاهر الذي يصلّي عليه . فبيّن رحمه الله أنّه إذا لم يجد المصلّي إلّا ثوبا نجسا ؛ فالأصل عندنا أنّه لا يصلّي إلّا في ثوب طاهر. والسؤال : ما علاقة الثوب النجس بستر العورة ؟

والجواب : أنّ الأصل يقتضي أن يصلّي ساترا لعورته ، فإذا عدم الساتر الطاهر يرد الإشكال : هل نقدّم شرط ستر العورة أو نقدّم شرط الطهارة ؟ فنحن إذا قلنا له : صلِّ في هذا الثوب النجس ، فمعنى ذلك أنّنا قدّمنا شرط ستر العورة ، وإذا قلنا له : انزع هذا الثوب النجس ، وصلّ عريانا ، فقد قدمنا شرط الطهارة ، وهذه أوجه عند العلماء - رحمهم الله - :

قال بعض العلماء : إنّه إذا لم يجد إلّا ثوبا نجسا ؛ فإنّه يصلّي عُرْيانا ، وهذا إذا أمكن أَمْن النظر ، بمعنى يصلّي لوحده دون أن يراه أحد .وقال بعض العلماء : يصلّي في الثوب النجس ، ولا بأس ولا حرج عليه ، ثمّ الذين قالوا إنّه يصلّي في الثوب النجس اختلفوا هل يعيد بعد ذلك أو لا يعيد وستأتي المسألة . فإن كان على الإنسان ثوب نجس ، وصلّى عريانا قالوا قدّمنا شرط الطهارة على شرط ستر العورة ، وذلك لأنّ هذا الثوب وجوده وعدمه على حدّ سواء ، فلا يمكننا أن نخاطر بصلاة المصلّي ونقول : صلّ في الثوب النجس ؛ ولذلك نقول له: اخلع هذا الثوب النجس ، وصلّ عريانا ، وحينئذ يسقط عنه شرط ستر العورة ؛ لأنّه عنده عذر، ولا يكون كمن لم يجد ساترا يستر عورته .

القول الثاني يقول : إنّه يصلّي في الثوب النجس ، ولا حرج ولا بأس عليه ؛ واستدلّوا بقول النبي r : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم فانتهوا )) .

قالوا : إنّ النّبي r قال : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) فهذا ليست عنده استطاعة أن يصلي في الثوب الطاهر، فنقول له : اتّق الله ما استطعت ، وصلّ في هذا الثوب ، ولا بأس ولا حرج عليك ؛ وحينئذ يقولون : إنّ هذه النجاسة الذي في ثوبه معفو عنها للعجز.

 والقول الذي قال إنّه يصلّي في الثوب النجس منهم من قال : إذا وجد ثوبا طاهرا أعاد الصلوات كلّها.

ومنهم من قال : قد برأت ذمّته فلا يعيد الصلاة .

والحقيقة من ناحية الدليل أقوى الأدلّة على أنه يصلّي في الثوب النجس ولا تلزمه الإعادة ؛ وذلك أنّ النّبي- r- أسقط الإعادة عند فقد الشرط والعجز عنه ؛ كما في الصحيح في قصّة عائشة - رضي الله عنها - فإنّها فقدت قلادتها التي كانت لأختها أسماء - وهذا قبل فرضية التيمم - فخرج عليه الصلاة والسلام حتى بلغ ذات الجيش - وذات الجيش بعد أبيار علي المنبسط الفسيح المعروف من بعد أبيار علي بعد البيداء إلى الجبال الظاهرة في غربي المدينة هذه كلّها يسمّى بذات الجيش - ، فعسكر النّبي - r - وأصحابه في ذات الجيش ، وحبسهم العقد الذي كان لأسماء ، فلمّا فقد عليه الصلاة والسلام هذا العقد أرسل رجالا في طلبه والبحث عنه ، فأدركتهم الصلاة ، فبحثوا عن الماء فلم يجدوه ، فلمّا لم يجدوا الماء انقسموا : فمنهم من صلّى بدون وضوء ، وهذا قبل فرضيّة التّيمم ، فصلّوا بغير وضوء وبغير طهارة ، وقسم ثان لم يصلّ ، ورجعوا إلى رسول الله - r - فصوّب عليه الصلاة والسلام الذين صلَُّوا بغير وضوء ، وهذا يدلّ على أنّ  العجز عن الشرط والطهارة أنّه يوجب سقوط التكليف ، ومن هنا لم يأمرهم النّبي - r - بإعادة الصلاة ؛ فدلّ على أنّك إذا صلّيت على حال لا تستطيع معه تحصيل الشرط أنّها تسقط عنك الإعادة ، ولا شكّ أنّ الاحتياط والخروج من الخلاف أنّه يعيد هذا على سبيل الاستحباب ، وليس على سبيل الحتم والإيجاب .

فالشاهد معنا أنّه لو صلّى في ثوب نجس ، مثال ذلك قالوا : لو حبس في غرفة ، وتنجّست ثيابه ، وليس عنده ماء يغسل هذه الثياب ، فكيف يصلّي ؟ أو يكون مثلا في غزوة ، أو في سفر، فتتنجّس عليه ثيابه وليس عنده ماء يطهّرها به ، ولا يسعه الوقت لكي يجد ثيابا - مثلا - ابتعد عن خيمته ، وابتعد عن سيّارته التيّ فيها ثيابه ، وابتعد عن بيته ، بحيث لو رجع إلى بيته خرج وقت الصلاة ؛ فحينئذ لا يجد إلاّ هذا الثوب النجس ، قالوا : يصلّي فيه على حالته هذا بالنسبة لمسألة من لم يجد إلّا ثوبا نجسا صلى فيه .

وقلنا : الصحيح أنّه لا تلزمه الإعادة ، وهكذا لو كان المكان نجسا ، لو كان المكان نجسا : الأرض النجسة تنقسم إلى قسمين : إمّا أن تكون طريّة رطبة ، وإمّا أن تكون يابسة ، وكلام أهل العلم في ظاهر قول بعضهم أن المسألة الخلافيّة في الجميع ؛ سواء كانت الأرض رطبة ، أو يابسة .

ومنهم من أوردها على اليابس حتى يؤكّد أنّ الرطب من باب أولى وأحرى .

ومنهم من يفصل عند بعض المتأخرين ، لكن المحفوظ عند المتقدّمين أنّ المسألة هذه على إطلاقها ؛ سواء كانت الأرض رطبة ، أو يابسة .

إذا كانت الأرض نجسة ؛ فحينئذ يرد السؤال : هل يصلّي على هذه الأرض النجسة ؟ وإذا صلّى هل يباشر النجاسة بالسجود عليها ؛ سواء كانت رطبة ، أو يابسة ؟

هذه المسألة اختلف فيها العلماء - رحمهم الله - :

أولا قال المصنّف - رحمه الله – : [ صلّى ] فأوجب عليه الصلاة ، وإيجاب الصلاة يدلّ عليه الدليل الشرعي ، فإنّ النّبي - r - قال كما في الصحيحين : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا )) فأمرنا بالإتيان بالأمر، ثم قال : (( فأتوا منه ما استطعتم )) فهذا باستطاعته أن يصلّي ، وباستطاعته أن يقوم بالصلاة ، وإن كان الموضع نجسا ؛ فإنّه خارج عن قدرته واستطاعته ، فلا يكلّف بذلك ، أي لا يكلّف بتطهير المكان ، ولا يكلّف بأن يصلي على مكان طاهر، من أمثلة هذه المسألة : لو حبس في بئر نجس ، لو حبس في غرفة نجسة ، لو حبس في دورة المياه ، وكانت مليئة بالنجاسة - أكرمكم الله - هذا كلّها من صور المسألة ، بحيث يتعذّر عليه أن ينتقل إلى مكان طاهر، أمّا لو أمكنه أن ينتقل ، وغلب على ظنّه أنّه قبل خروج الوقت سيخرج من هذا المكان إلى مكان طاهر فلا إشكال ، وهكذا لو أمكنه أن يبسط ثوبا طاهرا ، وكانت الأرض يابسة ، بحيث يصير حائلا بينه وبين النجاسة ، هذا لا إشكال فيه ، إذا أمكنه أن يجد أرضا طاهرة ، أو أمكنه أن ينتقل إلى أرض طاهرة ، أو أمكنه أن يبسط ثوبه على النجاسة اليابسة ، فلا إشكال أنه يجب عليه ، ولا خلاف بين العلماء أنّه ملزم بذلك ، لكن الكلام إذا كانت الأرض نجسة يابسة أو رطبة ، هل يصلّي أو لا ؟

 فالصحيح : مذهب الجمهور أنه يجب عليه أن يصلّي إذا كانت الأرض نجسة ؛ واستدلوا بقوله - عليه الصلاة والسلام - : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) وقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وكذلك أيضا قالوا : إن هذا يمكنه أن يأتي بالصلاة ، ويعذر بسجوده وملامسته للنجاسة ، فيسقط عنه ما عذر فيه ، ويبقى على الأصل ، ما نستطيع أن نسقط عنه الصلاة .

وذهب الحنفيّة - رحمهم الله - إلى أنّه لا يصلّي على هذا الموضع النجس ، ثم الذين قالوا إنّه يصلّي على هذا الموضع النجس اختلفوا كما تقدّم في الثوب النجس :

 ومنهم من قال يصلّي ولا إعادة .

ومنهم من قال يصلّي ويعيد .

والصحيح أنّه يصلّي ولا يعيد ، لكن لو خرج قبل خروج الوقت فالأفضل والمستحبّ له أن يعيد ، فالسؤال الآن: إذا صلّى وقلنا إنّه لا يعيد لا إشكال ، لكن لو قلنا : إنّه يعيد ، سيرد الإشكال : هل الصلاة المفروضة هي الأولى أو هي الثانية ، أو واحدة مبهمة منهما ؟

هذا فيه خلاف بين العلماء - رحمهم الله - ذكر هذه الأوجه الإمام النووي - رحمه الله - وغيره .

فالشاهد عندنا أنّه يصلّي ، هذا الحكم الأول ، ويجب عليه أن يصلّي ؛ لأمر النّبي - r - بتقوى الله على قدر الاستطاعة .

وثانيا : أنّه لا تجب عليه الإعادة ؛ لأنّه اتّقى الله ما استطاع بشرط أن يستغرق وقت الصلاة كاملة ، أمّا إذا لم يستغرق وقت الصلاة ، وخرج قبل خروج وقت الصلاة بقدر يمكنه أن يعيد ؛ فإنّه يعيد ، على هذا القول درج المصنّف - رحمه الله - أنّه يصلّي في الثوب النجس وعلى المكان النجس .

[ ومن لم يجد إلّا ثوبا نجسا أو مكانا نجسا صلّى فيهما ولا إعادة عليه ] : [ صلّى فيهما ] : هذا الحكم ، [ ولا إعادة عليه ] هذا الحكم الثاني ، وقلنا : أنّ هناك خلافا فيه ، ثم قال : [ ومن لم يجد ] : هذا الشرط أنه لا يجد وإذا وجد أو غلب على ظنّه أنّه سيخرج من هذا المكان النجس قبل خروج الوقت فإنّه لا يصلّي ، وإذا شكّ انتظر ، إذا شكّ هل يخرج أو لا يخرج انتظر - مثلا - لو أغلق عليه في مكان نجس ، واحتمل أن يسمع أحد صوته ويخرجه ، أو احتمل أنّ أحدا يحضر ويفتح عليه هذا الباب، ينتظر ولا يبادر .

[ الشرط : الرابع الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه ] : يقول رحمه الله : [ الشرط الرابع ] من شروط صحّة الصلاة الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه ومكانه ، يشترط لصحّة الصلاة أن يكون المصلّي طاهر البدن طاهر، الثوب ، طاهر المكان الذي يصلّي عليه أو فيه .

فأمّا طهارة البدن ؛ فإنّ النّبي - r - طَهّر بدنه كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة في استجماره واستنجائه قبل وضوئه وطهارته ؛ وقال r للمرأة : (( اغسلي عنك الدم وصلّي )) فأمرها بطهارة بدنها .

وقال في حديث المذي : (( ليغسل مذاكيره )) ، وقال في حديث الجماع أيّام الرخصة : (( ليغسل ما أصابه منها )) فهذا كلّه يدلّ على وجوب طهارة البدن .

أمّا طهارة الثوب ؛ فإنّ الله تعالى يقول : { وَثِيَابَكَ فَطَهّر } أمر الله - U - نبيّه والأمر للأمّة أن يطهّر ثيابه لعبادة الصلاة ، وهذا الأمر على الوجوب ، وشرط في الصحّة كما سيأتي .

وكذلك دلّ على طهارة الثوب ما ثبت في الصحيحين عن النبّي - r - عن بنت محصن - رضي الله عنها - حينما أتت بابن لها ، فأجلسه النّبي - r - في حجره ، فبال على رسول الله - r - ، فدعا بماء فأتبعه إيّاه فطهر عليه الصلاة والسلام ثوبه مما علق به ، ولو أنّها طهارة مخففّة ؛ لأنه ينضح من بول الغلام ، ويغسل من بول الجارية .

وأمّا طهارة المكان الذي يصلّي فيه ؛ فإنّ الله تعالى قال لنبيّه الخليل وإسماعيل : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } فأمر بطهارة الموضع الّذي يصلّى فيه من أجل الصلاة .

 وكذلك ثبت عن النّبي - r - في الصحيحين من حديث أنس بن مالك - t - أنّ أعرابيّا بال في المسجد فأمر النّبي - r - أن يراق على بوله سَجْلًا من ماء قال r : (( لا تزرموه )) فلمّا فرغ الأعرابيّ من بوله قال: (( أريقوا عليه سَجْلًا من ماء )) يعني دلوا من ماء ، فطهّر عليه الصلاة والسلام الموضع .

فهذه الأدلّة تدلّ على لزوم طهارة البدن والثوب والمكان .

 ومما يدلّ أيضا على طهارة المكان ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبيّ - r - في حديث النعلين ، فإنّ النّبي - r - أمر الصحابة من أراد أن يصلّي في نعليه إذا أتى المسجد - وكانت المساجد غير مفروشة لضيق الحال في زمان النّبي - r  - أمرهم أن يدلكوا النعال قبل الدخول إلى المسجد ، وهذا نوع تطهير؛ وثبت في الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام - أنّه لما أتاه جبريل فأخبره أنّ نعليه ليستا بطاهرتين ، خلع عليه الصلاة والسلام نعاله ، وهذا يدلّ على أنّه لا يجوز للمصلّي أن يصلّي على موضع نجس ، فاجتمعت بهذه الأدلّة من الكتاب والسنّة الدلالات على وجوب طهارة البدن والثوب والمكان .

ومن هنا قال العلماء : يشترط في صحّة الصلاة أن يكون طاهر البدن أي أنّ المصلّي طاهر بدنه كلّه ، ويعفى عن النجاسة في دبره في موضع الخارج إذا استجمر، هذا من النجاسة المعفوّ عنها ، فيطهّر بدنه ، ويطهّر ثوبه ، ويطهّر مكانه ، ولا تصحّ صلاته إذا علم بالنجاسة في ثوبه أو بدنه أو مكانه الّذي يصلّي فيه إلّا إذا كان معذورا في المسألة الّتي تقدّمت معنا .

[ وموضع صلاته ] : يعني المكان الذي يصلّي فيه ، والموضع يشمل الأرض - أرض المسجد - ، وفراش المسجد ؛ ولذلك ثبت عن النّبي - r - أنّه لمّا قام على الحصير نضحه أنس - t - بماء ، قال: (( قوموا فلأصلّي لكم )) قال أنس - t - فقمت إلى حصير قد اسودّ من طول ما لبس ، فنضحته بماء ، فقام عليه النّبي - r - فقوله : (( نضحته بماء )) ؛ لأنّ هذا في طهارة المشكوك في نجاسته ، وطهارة المشكوك يكون بالنضح، وطهارة المستيقن نجاسته يكون بالغسل ، فهذا نوع من التطهير : أنّه إذا شكّ الإنسان أصاب ثوبه - مثلا مرّ في مكان فيه نجاسة وشكّ هل علقت نجاسة أو لا - فيأخذ كفّا من ماء ويرشّه .

فالشاهد من هذا أنّه يحرص على طهارة الحصير الذي يصلّي عليه ، والفراش الذي يصلّي عليه ، والأرض التي يصلّي عليها ، والعبرة في الأرض بما يباشره المصلّي بأن يكون موضع سجوده وموضع كفّيه وموضع قدميه يكون طاهرا ، هذا هو الذي عليه المعوّل .

[ إلّا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه ] : النجاسة المعفوّ عنها تقدّمت معنا أنّه يعفى عن يسير الدم والقيح والصديد ؛ والأصل في العفو عن يسير الدم قوله تعالى : { أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ  } فبين أن الدم المسفوح نجس لكنّه قال : { أَوْ دَماً مَسْفُوحاً } والمسفوح هو الكثير، وفهم من هذا أنّ القليل معفوّ عنه ، والإجماع على أنّ اليسير من الدم معفوّ عنه ؛ لأنّ الآية أشارت بالمفهوم على أنّ اليسير لا يحكم بنجاسته ، وهناك خلاف في ضابط اليسير تقدّم معنا هل هو قدر الدرهم أو ما لا يتفاحش في النفس ؟

وقلنا : أقوى الضابطين أنّه قدر الدرهم البغلي ، أنّه إذا كان قدر الدرهم البغلي الذي هو الهللة القديمة فما دونها مجتمعا أو متفرّقا ، لو كان يصلّي في ثوب ، والثوب فيه نجاسة بقع دم ، وهذه البقع من الدم لا تبلغ قدر الهللة القديمة ، بحيث لو جمعتها أو كانت في مكان واحد ، فنظرت إليها لم تبلغ قدر الدرهم، فإنّ هذا لا يمنع من صحّة الصلاة ، يصلّي ولا بأس لكن ، لو أنّ الدم الموجود كان كثيرا فإنّه يجب عليه أن يطهّر ثوبه ، ثمّ يصلّي فيه ، وهكذا بالنسبة للنعلين ، وهكذا بالنسبة للمكان والموضع الذي يصلّي فيه ؛ ولذلك صحّ عن أصحاب النّبي - r - أنهم تساهلوا في اليسير، فابن عمر - t - عصر بثرة وهي الحبّة في بدنه عصرها حتّى خرجت ما فيها ، ومن المعلوم أنّ في البثرة نجس ؛ لأنّه إمّا دم وإمّا قيح ، والقيح حكمه حكم الدم ؛ لأنّه متولّد من الدم ، والفرع تابع لأصله ، ولذلك لا يحكم بنجاسة القيح ؛ لأنّه فرع عن الدم ومتولّد من الدم .

[ وإن صلّى وعليه نجاسة لم يكن يعلم بها أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة ] : بيّن رحمه الله أنّ الواجب على المسلم أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان ، ثم شرع في بيان الأحوال المستثناة ، وقد سبق أن قلنا إِن الفقه أن تذكر الأصل ، وحكمه ، والدليل ، وكيف يطبق هذا الأصل على فروعه ، ثم تذكر المستثنيات ، وهذا منهج الفقهاء في متونهم ، فبعد أن بيّن لنا الأصل شرع في بيان مسائل العذر، مسائل العذر يدخل فيها : النسيان، ويدخل فيها الخطأ، وهنا أورد مسألة العذر على سبيل النسيان ، فلو أنّه صلّى وهو يعلم بالنجاسة فلا إشكال أنّه لا تصحّ صلاته إلا في مسائل العذر عند العجز ، لكن لو أنّه صلّى ، ولم يعلم بالنجاسة إلا بعد انتهاء الصلاة ، أو نقول : صلّى وعلم بالنجاسة بعد فعل شيء من الصلاة ، أي بعض أركان الصلاة ، فما حكم صلاته ؟

إذا صلّى ونسي نجاسة ، ثم علم بذلك بعد الصلاة سواء خرج الوقت أو لم يخرج الوقت ؛ فصلاته صحيحة ، والدليل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النّبي - r - أنّه صلّى بنعليه ، ثم خلع نعاله ، فخلع الصحابة - رضي الله عنهم - نعالهم ، فلمّا سلّم قال : (( ما شأنكم ؟ قالوا : رأيناك خلعت فخلعنا، فقال عليه الصلاة والسلام: أمّا إنه قد أتاني جبريل، فأخبرني أنّهما ليستا بطاهرتين)) .

وجه الدلالة من هذا الحديث : أنّ النبيّ - r - نجزم بأنه كبّر تكبيرة الإحرام ، ودخل في صلاته ، وهذا أقلّ ما يكون من على ظاهر الحديث ؛ لأنّ الخلع وقع أثناء الصلاة لا قبل الصلاة ، وعلى هذا إمّا أن يكون صلّى ركعة أو أكثر من ركعة لكنّا نجزم بأنّه فعل ركنا لا تصحّ الصلاة إلّا به وهو تكبيرة الإحرام ، فكونه - عليه الصلاة والسلام - يتمّ الصلاة ، ويبني على ما مضى ، يدلّ على أنّ الصلاة لا تبطل عند نسيان النجاسة ؛ لأنّه لو كانت الصلاة تبطل عند نسيان النجاسة في حال نسيان النجاسة ؛ لقطع عليه الصلاة والسلام صلاته ، وكبّر تكبيرة الإحرام ، واستأنف الصلاة ، فكونه - عليه الصلاة والسلام -لم يستأنف الصلاة - وهذا موضع الشاهد - ، وكونه يبني على ما مضى ، وكان الذي مضى ركناً من أركان الصلاة ؛ فإنّ هذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الصلاة تصحّ ؛ لأنه إذا صحّ الركن صحّت بقيّة الأركان ، وإذا صحّت الأركان منفردة ومجتمعة ؛ صحّت الصلاة كاملة ؛ لأنّ العبرة بأركان الصلاة ، ومن هنا صار هذا الحديث أصلا عند أهل العلم : أنّ من نسي النجاسة على بدنه أو ثوبه أو مكانه الذي يصلّي فيه ، ثم ذكر ذلك بعد انتهاء صلاته ؛ أنّ صلاته صحيحة ، نسيها في بدنه لو أنّه مثلا أصابه قطرة من البول أو خرج منه دم على ساعده أو على رجله أو نزف جرح لأنّ الجروح موضعَ الدم في الجروح معفو عنه كما عفي عن النجاسة في الدبر، أمّا إذا جاوزت وهو ما يسميه العلماء : إذا دمع الجُرْح وإذا دمع معنى سالت النجاسة عن الجرح ؛ فحينئذ ليست من العفو، أمّا في داخل الجرح فمن العفو ؛ خاصّة إذا صعب عليه قلعها وغسلها طبعا ؛ لأنّه ربما تتقيّح ويتضرّر، ومن هنا عفي عن النجاسة في الجراح الّتي هي الدماء في داخلها ، وهذا مما يسمّيه العلماء : المعفوّ عنه من النجاسات ، منه : مواضع الجروح ، فلو كان هنا في يده جرح، فسال الدم وأصاب الثوب ، أو سال الدم على يده ؛ فلزمه أن يغسل الموضع الذي أصابه الدم ، وهذا بعد وضوئه ، فعلم أو لم يعلم ، إذا علم نسي ، يعني علم أنّ النجاسة خرجت من الجرح ، وأنّ الدم سال ، ثم نسي أن يغسل ذلك ، فصلّى الظهر، وبعد ما صلّى الظهر أو صلّى صلاة النافلة علم أنّها أي النجاسة كانت موجودة في ثوبه أو بدنه لم تلزمه الإعادة ، هذا بالنّسبة للبدن والثوب ، فإذا علم بالنجاسة ثم نسي أو لم يعلم أصلا ثم اطلع بعد ذلك ؛ فصلاته صحيحة .

وقال بعض العلماء : إنّه إذا علم ، ثم لم يغسل النجاسة ، ثم صلّى وهو لا يعلم ، ثم علم بعد الصلاة لزمته الإعادة.

 ما الفرق بين المسألتين ؟ قالوا : لأنّه إذا علم ثم قصّر في غسلها ألزم بعاقبة تقصيره ؛ وحينئذ يكون نوع إهمال، وهذه المسألة مبنية ومفرّعة على مسألة أخرى وهي : هل غسل النجاسة وإزالة النجاسة واجب على الفور أو على التراخي ؟

إن قلنا : إنّه واجب على الفور في هذه الحالة لا تصحّ صلاته ، ويلزمه أن يعيد ؛ لأنّه قصّر في الواجب ، ومن قصّر ألزم بعاقبة تقصيره ، وإن قلنا: إنّها لا تجب على الفور ؛ فإنّه تصحّ صلاته ، وهذا القول هو الذي درج عليه المصنّف ، وهو الأشبه .

[ وإن علم بها في الصلاة أزالها وبنى على صلاته ] : وإن علم بالنجاسة في الصلاة أزالها : شخص يصلّي ، ثمّ اطّلع على نجاسة في ثوبه ، أو اطّلع على نجاسة في بدنه ؛ ففي هذه الحالة يجب عليه أن يزيل هذه النجاسة ، ما الدليل على ذلك ؟ الحديث الصحيح عن النبّي - r - حينما أتاه جبريل فأعلمه أنّ نعليه ليستا بطاهرتين ، فخلع عليه الصلاة والسلام نعليه ؛ فدلّ على أنّ من علم بالنجاسةِ أثناء الصلاة وجب عليه أن يزيلها ، وأنّ هذه الحركة من الإزالة معفوّ عنها ؛ لأنّها لمصلحة الصلاة ، هذا إذا علم بها أثناء الصلاة ، فإنه يزيلها ، لكن هناك تفصيل : هذه الإزالة لا تخلو من حالتين :

الحالة الأولى : أن تكون الإزالة دون عمل كثير، ودون أن يخرج المصلّي عن حال المصلّي وصفته ؛ فحينئذ لا إشكال الإزالة معتبرة ، والصلاة صحيحة ؛ ودليلها حديث النعلين ؛ لأنّ النّبي - r - أزال النعلين دون عمل كثير، ولم يخرج بإزالته عن صورة المصلّي وحال المصلّي .

أمّا لو كانت الإزالة تقتضي عملا كثيرا يخرجه عن كونه مصلّيا ؛ فإنه في هذه الحالة يقطع ، ويستأنف الصلاة بعد ذلك ؛ لأنّه لو انشغل وخرج عن كونه مصلّيا ، مثلا : يحتاج أن يغسل النجاسة ، فإذا كان يغسلها بعمل قليل لو صلى وبجواره بركة ، أو بجواره حوض الماء ، يخطو الخطوة والخطوتين والثلاث حتى يقترب من الحوض ، ثم يفتح صنبور الماء ويغسل النجاسة لا بأس ولا حرج ؛ لأنّها في حكم الخلع، والخطوات اليسيرة اغتفرت لمصلحة الصلاة ، ولذلك رقى النبي - r - المنبر كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي - t - ، ونزل عن المنبر لتعليم الصلاة ، هذا من مصلحة الصلاة ، الحركة لمصلحة الصلاة لا بأس بها ، فإذا كان الماء بعيدا ، ولا يمكنه أن يصل إلى الماء الذي يغسل النجاسة إلاّ بعمل ؛ فحينئذ نقول يستأنف .

كذلك أيضا لو كان عليه ثوبان : الأعلى منهما نجس ، والأدنى منهما طاهر، وعلم بالنجاسة - نجاسة الفوقاني دون التحتاني - ، أو كان يصلّي فتطاير البول على ثوبه الأعلى دون الأدنى ، فإنه يخلع ثوبه أثناء الصلاة ، ويبقى على الثوب الأدنى أو على الشعار كافيا لصحة الصلاة ، وهكذا لو كان عليه الفنيلة والسروال في زماننا ، وعليه الثوب الأعلى ، وتذكّر أنّ الثوب الأعلى أصابته نجاسة ؛ فإنّه يخلع ثوبه وهو في صلاته ؛ فقد صحّ عن النبيّ - r - أنّه التحف بردائه في الصلاة ، وجذب الرداء والتحف به في الصلاة ، فهذا العمل من خلع الثوب مغتفر لوجود العذر، وعلى كلّ حال يجوز له أن يزيل النجاسة أثناء صلاته ؛ لثبوت السنّة ، وإذا كانت الإزالة دون عمل صحّت صلاته وبنى ، وإن كانت إزالته بعمل كثير يخرجه عن كونه مصلّيا ؛ قطع واستأنف .

[ والأرض كلّها مسجد تصحّ الصلاة فيها ] : والأرض كلها مسجد تصحّ الصلاة فيها : والدليل على ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين : (( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأحلّت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )) وقال في الحديث الآخر : (( فأيّما عبد أدركته صلاته فليصلّ ، فإن معه مسجده وطهوره )) .

وهذا من رحمة الله بأمّة محمّد - r - حيث كان من قبلنا يصلّون في بيعهم وكنائسهم ، ولكن الله خفّف على هذه الأمّة ، فجعل لها الأرض مسجدا وطهورا . الأصل أنّه يصلّي على الأرض ؛ سواء كانت سهلا ، أو جبلا ، أو كانت رملا ، أو حصى ، يصلّي عليها ، الأصل طهارتها ، وأنه تصحّ الصلاة عليها لهذا الحديث هذا محلّ إجماع : أنّ الأصل في الأرض الطهارة ، وأنّه يصلّي عليها العبد ، ويبقى خروج هذه الأرض عن الأصل ، فتخرج الأرض عن هذا الأصل بعارض : إذا تنجّست ، فإذا تنجّست الأرض ؛ فإنّه في هذه الحالة لا يصلّي عليها ، ومن هنا ذكر المصنّف - رحمه الله - الأصل ، ثم سيشرع في بيان المستثنيات من هذا الأصل .

تصح الصلاة على الأرض، وعلى ما كان عليها، ثم قوله عليها، قال : (( جعلت لي الأرض مسجدا )) قوله : (( جعلت لي الأرض مسجدا )) أخذ منه بعض العلماء أنّ الصلاة لا تصحّ إلا على الأرض، ومن هنا لا يصلّي على ما كان بين السماء والأرض عند الاختيار إذا أمكنه أن يصلي على الأرض، لأنّه الأصل، وفي الطائرة إذا غلب على ظنّه أنّه ينزل في وقت الصلاة ينتظر حتى ينزل ويصلّي ، وإذا كان يستغرق سفره وقت الصلاة يصلي فيها ، والعبرة باستقباله للقبلة ، وكونه بين السماء والأرض لا يضرّ.

 على الأرض يكون في حكمها ما كان عليها ، فالسرير الذي على الأرض ؛ لأنّه متّصل بالأرض وقائم على الأرض ، ومن هنا تكلّم العلماء على الصلاة في الأرجوحة ، وإن كانوا بنوا جوازها على اتّصالها في الاستقرار من جهة الاعتماد ، وخفّفوا في المعتمد ، وتصحذ الصلاة على السرير، وتصحّ مع الحائل بينك وبين الأرض مثل البساط ومثل الفراش فهذا كلّه جائز ولا بأس فيه ولا حرج . بيّن رحمه الله أنّ الأصل صحّة الصلاة على الأرض .

[ إلّا المقبرة ] : المقبرة : مكان القبر والدفن ، وجعل الله - U - المقابر مساكن الموتى ، وهذا من رحمة الله لبني آدم ؛ تكريما لهم ، ولذلك قال تعالى : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقبَرَه } وبعث الغراب للقاتل من ابني آدم حتى يعلّمه كيف يواري سوءة أخيه ، فجعلها منّة منه - سبحانه - على بني آدم تكريما لهم ، ولذلك يقبر المسلم والكافر حتّى الكفار أمر النّبي -r- بمواراة جثثهم كما في قصة بدر، وهذا محلّ إجماع العلماء - رحمهم الله - من حيث الأصل ، فالمقبرة لا تجوز الصلاة فيها ، وهي ذريعة إلى الشرك خاصة إذا كانت للصالحين أو أناس يعتقد فيهم ، فلا تجوز الصلاة في القبور، ولا على القبور، ولا إلى القبور، حيث يكون القبر بين يدي المصلّي ، فإنّ هذا وسيلة إلى الشرك ، وقد نهى النّبي -r  عن الصلاة في المقابر.

 وبعض العلماء يقول أيضا في المقبرة من ناحية فضلات الموتى نوع استخباث للأرض ، لكن الأصل ورود النهي .

[ والحمام ] : ولا تجوز الصلاة في الحمام ، والحمام من الحميم ، وأصله الشيء الحار، ولذلك وصف هذا الموضع بذلك ؛ لأنّه يسخّن فيه الماء للاغتسال ، ولا تزال الحمّامات موجودة إلى زماننا ، وليس المراد بالحمّام دورة المياه ، فالعلماء يطلقون الحمّام على مكان الاغتسال ، ومكان الاغتسال كان في القديم عندهم الحمامّات يغتسل فيها ، وكانت موجودة في الشام ، ثم نقلت إلى الجزيرة ، فهذه الأماكن لا يصلّى فيها ، وقد ورد النهي عن ذلك . وقد يطلق الحمّام على مكان قضاء الحاجة ، وورد عن النّبي - r - أنّه نهى عن الصلاة في الحمّام ، وحمل النهي على ظاهره ، واختاره أيضا الحنابلة أنّ الصلاة لا تصحّ في الحمّام ؛ لأن النّبي - r - نهى عن الصلاة فيه .

[ والحُش ] : الحُشّ : هو مكان قضاء الحاجة الذي هو دورة المياه ؛ ولذلك قال r في حديث ابن ماجه : (( إنّ هذه الحشوش محتضرة )) وأصل الحُشّ : البستان ، وسمّيت أماكن قضاء الحاجة بهذا الاسم ؛ لأنّهم كانوا في القديم لا يقضون حوائجهم داخل البيوت ، ويستبشعون ذلك ، خوف النتن والرائحة ، ولم يكن عندهم تصريف في دورات المياه مثل زماننا الآن ، فكانوا يقضون الحاجة في الخارج، حتى النساء يخرجن ، وكان أمهات المؤمنين يقضين حاجتهنّ في المناصع بجوار البقيع ، وهو موضع معروف ، وهو الذي بسببه أمر النّبي - r - بقتل ابن الأشرف ؛ لأنّه كان يؤذي نساء النبيّ r ومن معه ،كان يؤذيهنّ إذا خرجن لقضاء الحاجة .

فالشاهد من هذا أنّهم ما كانوا يقضون حوائجهم في بيوتهم ، الحاجة في البيوت ، وإنما كانوا يخرجون ؛ ولذلك سمي مكان قضاء الحاجة بالخلاء ، وسمّي بالبراز، من البروز وهو الظهور، فالحشّ البستان كانوا يقضون فيه الحاجة لأنّه أستر، وهو في الحائط ؛ ولذلك قال r في حديث ابن ماجه : (( إنّ هذه الحشوش محتضرة )) يعني أماكن قضاء الحاجة تحضره الشياطين (( محتضرة )) يعني فيه الشياطين ولذلك شرع للمسلم أن يقول : اللهّمّ إنيّ أعوذ بك من الخبث والخبائث ، فالمقصود من هذا أنّه لا تصحّ الصلاة في أماكن قضاء الحاجة ؛ لأنهّا نجسة ، فلا يجوز أن يصلّي فيها .

[ وأعطانَ الإبل ] : ولا تصحّ الصلاة في أعطان الإبل ، وهي مبارك الإبل . جمع عَطَن ، فالمكان الذي يتعطّنه البعير، ويبرك فيه ، مبارك الإبل ومراحُها التي تأوي إليها لا يجوز أن يصلّى فيها ؛ لأنّ النّبي - r - سئل عن الصلاة في مرابض الغنم فأجاز، قالوا : يا رسول الله ، أنصلّي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم. قالوا : أنصلّي في أعطان الإبل ؟ قال : لا ، فهذا يدلّ على أنّه لا تصحّ الصلاة في أعطان الإبل ، وهي أماكن تحضرها الشياطين .

[ وقارعة الطريق ] : ولا تصحّ الصلاة في قارعة الطريق ، الطريق من الطرق ؛ لأنّه يسمع فيه طرق النعال -أكرمكم الله - ، فالطرقات لا تجوز الصلاة فيها ؛ لأنّ الصلاة في الطرقات تضييق على المسلمين في مصالحهم العامة ، ولا يأمن من مرور المارّ بين يديه ، ومن هنا منع العلماء - رحمهم الله - من الصلاة في أبواب المساجد؛ لأنّ الناس يدخلون ويخرجون منها ، إلّا إذا امتلأ داخل المسجد ، فإذا امتلأ داخل المسجد كان دخول الداخل اعتداء على إخوانه المسلمين ؛ لأنذه يتخطّى رقاب الناس ، ويؤذيهم ولا حقّ له في الدخول ، فخرج باب المسجد عن كونه قارعة إذا امتلأ المسجد ومن هنا لا تجوز الصلاة في السبل والطرقات ؛ لأنّ النّبي - r - نهى عن ذلك ، ولأنّ الصلاة في هذه المواضع أذيّة للمارّ، ولا تجوز أذيّة المسلمين ، ولأنه لا يأمن من مرور المارّ بين يديه ، فهذا كلّها علل تصادم وتخالف المقصود الشرعي ، ومن هنا لا يجوز لأحد أن يأتي في طرق المسلمين ، ويضيق عليهم ، فمدخل المسجد مثلا الآن عندنا الأبواب التي يدخل منها الناس ، وإذا كان هناك متّسع في المسجد ينبغي أن يترك لمن يدخل طريقا ، بحيث لا يؤذى ولا يضر ولا يضيق عليه ، والعجب أنّ بعض طلاب العلم يبالغون في هذا حتى يسدّوا الطرقات التي يدخل بها الناس خاصّة في مسجد النبي - r - فهذا لا يجوز؛ لأنّ هذا أذيّة للمصلّين ، وتضييق عليهم ، وقد يكون مثلا الداخل من الباب يريد موضعا من كبير سنّ أو شيخ مريض أو مريض أو شيخ عاجز يريد أقرب مكان يصلّي فيه فيأتي هذا على الباب ويصلّي ويقفل عليه الدخول ، فمثل هذا لا يختصّ صلاة النهي عن قارعة الطريق أن تصلّي الصلاة في الطريق ، بل يشمل أيضا أن تأتي في أبواب المساجد وطرق المساجد السابلة المتحركة التي يمشي فيها الناس ، فهذه يترك فيها للناس بقدر ما يمشون فيها ، ولا يضيّق عليهم ، ولا يؤذون ، وعلى طلاب العلم أن يحتاطوا في ذلك ما أمكن ، وقارعة الطريق منهيّ عن الصلاة فيها ولكن يجوز للإنسان أن يصلّي وهو في الطريق ،كيف نقول الأصل عدم جواز الصلاة في الطريق وقارعة الطريق وثبتت السنة أن النّبي - r - صلّى وهو في الطريق ، نقول : حينما صلى على بعيره في السفر، فإنّه طرق الطريق في سفره وصلّى ، لكن هذا في سابلة الطريق لا وقوفا في الطريق ، ومن هنا نفهم أنّ  العلّة هي أذية المار، وأنه إذا كان على بعيره وصلى لم يؤذ مارا ، ولم يحل بين المار وبين بغيته ، ولم يضيق عليه، وعلى هذا تكون العلة الأقوى هي التضييق على الناس ؛ وقد ثبتت السنّة عن النبّي - r - أنّه نهى عن قضاء الحاجة كما بيّنا في طرقات الناس ؛ لأنّ هذا مما يضرّ بالمسلمين ويؤذيهم :

   الأسئلة

السؤال الأول :

فضيلة الشيخ : هل يشترط في الأذان النية ، وجزاكم الله خيراً ؟

 

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أمًا بعد :

فإنً الأذان تجب فيه النية إن كان واجبا ، الأذان له حالتان  طبعا هو من حيث الأصل كشعار للبلد واجب وقد أمر به النًبي - r - للجماعة ، ولذلك لا يصح إلا بنية ، فإن حصل الإجزاء بالمساجد ، واستفضل المسجد غير الواجب يكون مستحبًا فيه تبعا للأصل ، ولكنه من ناحية العبادة والقربة لا يكون إلًا بنية . والله تعالى أعلم .

السؤال الثاني :

فضيلة الشيخ : ما حكم صلاة الجنازة في المقبرة . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

الأصل أنص الجنائز يصلّى عليها خارج المقبرة ، ورخًص بعض العلماء أن يصلّى عليها من فاتته في المقبرة ، وقالوا إن النّبي - r - صلّى على المرأة المقبورة ، ولكن الصلاة على الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود ، ليست كالصلاة العادية ، فهذا لا يقدح في النهي الذي تقدم معنا ، وكان بعض مشايخنا يمنع ، ويقول : لا يصلّى على الجنازة داخل القبر؛ لأنّ النهي عامّ عن الصلاة في القبور، وهذا شامل لصلاة الجنازة وغيرها ، ولأنّها تسمّى صلاة، والاحتياط في هذا لا شكّ أنه أسلم . والله تعالى أعلم .

السؤال الثالث :

فضيلة الشيخ : من صلّى في طريق الناس في المسجد : الأماكن التي يمشي فيها الناس فهل له حرمة أم تقطع صلاته . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

كان بعض السلف يشدّد في هذا ، حتىّ إن ابن المسيب - رحمه الله - كان يقول سعيد بن المسيب الإمام من أئمة التابعين - رحمه الله برحمته الواسعة - كان يقول : إنّه لا حرمة لهم ، يعني الذين يصلّون في أبواب المساجد عند فراغ المساجد من داخلها ، فيأتون يصلّون كان يسقط حرمتهم ، وهو قول بعض العلماء - رحمهم الله - ، ولكن على المسلم أن يكون ورعا ، وأن يحتاط لدينه ، فإذا أخطأ غيرك لا يحملك ذلك على الخطأ ، ومعصية النّبي - r - بالمرور بين يدي المصلّي ، ألا ترى أنّ النّبي - r - قال : (( أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك )) فإذا كان هذا في حقّك الذي يضيع وقد أساء ، فمن باب أولى في حقّ الله - U - ، فإساءة الغير لا تدعونا إلى الإساءة ، ولذلك لا يجوز أن يمرّ بين يدي إنسان يصلّي سواء كان في مدخل المسجد أو غيره . والله تعالى أعلم .

السؤال الرابع :

فضيلة الشيخ : ما حكم الصلاة فوق سطح الحمّام والحشّ . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

اختلف العلماء في هذه المسألة ، من حيث الأصل أنّ سطح الشيء يأخذ حكمه ، لكن ظهر وتبيّن أنّه إذا كان الأمر متعلّقا بموضع في المكان لم يأخذ الأعلى حكم الأسفل ، إذا تعلّق بالمكان نفسه مثل الحشّ ودورة المياه فإن النهي للنجاسة ، وإذا صلّى على السطح وجد الحائل ، ومن هنا فرّق بين ما يكون المعنى فيه في الموضع ، ويختصّ الحكم به ، وبين ما لا يكون المعنى فيه - أي الذي يكون الحكم فيه متعلّقاً بالشيء ، فإنّه يشمل أعلاه وأسفله ، فأنت إذا أردت أن تطوف بالبيت تطوف بالدور الأوّل وتطوف بالدور الثاني ، وإذا اعتكفت في المسجد يجوز لك أن تصعد إلى سطحه ؛ لأنّ أعلاه وأسفله واحد ، وقد دلّت السنّة على أنّ أعلى الشيء آخذ حكم أسفله ، وأنّ أسفله آخذ حكم أعلاه ؛ ولذلك قال : (( من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه يوم القيامة من سبع أراضين )) فجعل الأسفل تابعا للأعلى ، ومن هنا يفرّق بين ما يقصد فيه الموضع وما لا يقصد فيه الموضع ، وظهر لنا أخيرا أنّ الحمّام ودورات المياه يقصد بها المكان بعينه ، ولذلك إذا وجد الحائل أو صلّى على سطحها الأشبه أنّها لا يحكم ببطلان الصلاة ولكن الورع أن لا يفعل ذلك . والله تعالى أعلم .

السؤال الخامس :

سماحة الشيخ هذا سائل يقول: توفيت والدتي وتركت الذهب الذي لها منذ عشر سنين ، ولم أدر هل عليه زكاة أم لا فما الحكم . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

هناك ملاحظتان : الأول : سماحة الشيخ ، هذا للعلماء الكبار، هذا مصطلح يعني ينبغي أن يناط بالأئمة والعلماء الذين عرف تقدمهم في العلم وتبرزهم . أنا عبد، حقير، فقير، ضعيف، لا تضعوني في غير موضعي، علامة! سماحة الشيخ! والله لو حاسبنا الله وأقسم بالله يمينا أسأل عنها بين يدي الله ، لو حاسبنا الله عن كلمة شيخ لكنا من الهالكين .

ثانيا : لا يقتلنا الإنسان بالغرور، ولا يغتر الإنسان بشيخه أو بمن يطلب على يده ، هذه أمانة ومسؤولية،كلمة ثقيلة عظيمة ،كلمة سماحة ، علامة ، إذا كان الشيخ ابن إبراهيم - رحمة الله عليه رحمه الله برحمته الواسعة - يقول الوالد - رحمه الله - : ما رأيت عالما ملأ عيني علما وعملا مثل الشيخ ابن إبراهيم ، وكان آية من آيات الله في : العلم ، والعمل ، والورع ، والقوة في الحق ، ومع هذا موجود كتابه ،كان يستثقل ويستكثر أن يقال له : سماحة، وهو - والله - في جلالته وعلمه وفضله أهل للسماحة ، وفي كرمه وفضله ونبله ،كان آية من آيات الله بالكرم والجود والإحسان والبر بطلاب العلم وأهل العلم - نسأل الله برحمته الواسعة ، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء - ، وإذا كان هذا الإمام العالم يستكثر على نفسه هذا ، وهو أهل لذلك ، وأوصي طلاب العلم أن يتقوا الله في مشايخهم ، وفيمن يطلبون على أيديهم العلم .

إنه لا يليق بالمسلم إلّا النصيحة ، ومن النصيحة : أنّه إذا استفاد من علم العالم أن لا يقتله ، من مدح الناس في وجوههم قتلهم ، ومن أثنى عليهم وزكّاهم فوق قدرهم أهلكهم ، فعليه أن يتّقي الله - U - إذا دنا الخير من العالم أن لا يورده الموارد ، وأن يضعه في نفسه هذا تنبيه عامّ ، ونسأل الله بعزّته وجلاله أن يجبر كسرنا ، وأن يرحم ضعفنا ، وأن لا يغرّنا بما يظن الناس فينا ويقولون .

الأمر الثاني : بالنسبة للذّهب المسئول عنه ، هذا فيه تفصيل : من حيث الأصل لا نحكم بأنّه تجب فيه الزكاة إلّا إذا تبيّن أن الأمّ لم تكن تزكّي ، وإذا تبيّن أنّ الأمّ لم تكن تزكّي يشترط أن لا تكون تعتقد وجوب الزكاة ، فإذا سألت عالما وأسقط الزكاة في الحلي ، وقال : الحلي لا زكاة فيه ، وهو قول الجمهور - رحمهم الله - ، والصحيح أنه تجب فيه الزكاة ؛ لأنّ حديث : (( ليس للحلي زكاة )) من رواية أيّوب بن عافية وهو ضعيف، والأصل وجوبها ، وحديث المسكتان واضح في الدلالة على الوجوب ، فإذًا هناك شرطان : الشرط الأول : أن تكون الأمّ لا تعتقد وجوب الزكاة ، فإذا كانت لا تعتقد وجوب الزكاة أو سألت علماء أو من بيئة يعرف فيها أنّهم لا يزكون ؛ لأنّ علماءهم ومشايخهم على ذلك لم تجب عليكم الزكاة ؛ لأنّكم تؤدّونها قضاءً ، وهي لم تثبت أداء حتى تؤدّى قضاء ، فإذا ثبت أنّ الأمّ كانت تعتقد وجوب الزكاة ينبغي أن تتأكّدوا أنهّا لم تخرج الزكاة، وأمّا شّك نقول إنهّا توفيّت وعندها حلي ما تؤدي زكاتها هذا ما يوجب الزكاة ؛ لأنّ الأصل في المسلم أنّه قائم بحقوق الله - U - حتى نتأكّد أنّه قصّر، ولذلك لا يوجب عليكم القضاء إلّا على هذين الوجهين اللّذين ذكرناهما، والله تعالى أعلم .

السؤال السادس :

فضيلة الشيخ : بعد انتهائي من أداء العمرة هل يجوز لي أن أقوم بأداء العمرة لوالدي في نفس اليوم بعد ذهابي للإحرام مرة أخرى من مسجد التنعيم . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

إذا كان الإنسان يريد أن يؤدّي العمرة عن والده أو قريبه أو متوفىّ لم يؤدّ العمرة وأراد أن يعتمر عنه ، فيؤدّي العمرة عن نفسه أوّلا ، فإذا أدّى العمرة عن نفسه ، وعنَّ له أن يعتمر عن قريبه أو أقربائه فلا بأس أن يخرج إلى التنعيم أو إلى أدنى الحلّ ، ما يشترط التنعيم ؛ لأنّ العبرة أن يخرج إلى خارج حدود الحرم ، قالت عائشة - رضي الله عنها - : (( والله ، ما ذكر التنعيم ولا غيره )) ، لأنّ المراد أن يخرج إلى حدود الحلّ حتىّ يجمع في عمرته بين الحلّ والحرم ،كما أنّ الحاجّ يخرج إلى عرفات فيجمع بين الحلّ والحرم في حجّه ، والعمرة هي الحجّ الأصغر، ومن هنا يجب على من اعتمر من مكّة أن يخرج إلى أدنى الحلّ بقول جماهير السلف والخلف ، ويشترط أن لا تمرّ بالميقات وأنت ناو عمرتين ، فإن مررت بالميقات ناويا العمرة عنك وعن والدك أو عن قريب أو عن متوفىّ ؛ فإنك إذا أدّيت عمرتك ، لزمك أن ترجع إلى الميقات لأداء العمرة الثانية ؛ لأنك مررت بالميقات مصاحبا للنيتين  فلزمك الإحرام بالثانية كما لزمك الإحرام بالأولى؛ لعموم قوله: (( ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحجّ والعمرة)) فلذلك ترجع إلى الميقات وتحرم منه . أما لو طرأ عليك في مكّة ؛ فإنّك تخرج إلى التنعيم وتعتمر، ولا بأس أن تعتمر عنك ، وعن والدك ، وعن قريبك الذي توفيّ خاصّة الذين يأتون من الخارج يصعب عليهم أن يرجعوا مرّة ثانية ، فلو أنّه اعتمر عنه عن أبيه الذي لم يعتمر أو عن أمّه الّتي لم تعتمر وكرّر ثلاث عمرات أو أربع عمرات بالسبب والموجب فلا بأس بذلك ولا حرج ، ولا دليل على التأقيت بين العمرتين . والله تعالى   أعلم .

السؤال السابع :

فضيلة الشيخ : ما حكم الصلاة في المجزرة . وجزاكم الله خيرا ؟

 

الجواب :

المجزرة فيها الدم المسفوح ؛ ولذلك بيّن الله - U - أنّ الدم المسفوح وهو الذي يخرج عند الذكاة أو بغير ذكاة كالنزيف أنّه نجس كما قدّمنا في آية الأنعام : { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهلّ به لغير الله } فقوله : { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس } فبين أن الدم المسفوح رجس ، والرجس هو النجس ، ومن هنا أخذ العلماء - رحمهم الله - أنّ قوله تعالى : { إّنما الخمر والميسر والأنصاب } قالوا إنّها نجسة ، الخمر والأنصاب نجسة، والميسر استثنيت لدلالة الحس ، أما الأنصاب فإنّه كان يذبح عليها ، فهي نجسة { وما ذبح على النصب } فكان يذبح للنصب ومن أجل النصب وعلى النصب تقرّبا لها ما يفعله أهل الشرك والوثنيّة ، فالمقصود من هذا أنّ الدم الذي يخرج أثناء الذكاة نجس بإجماع العلماء   -رحمهم الله - الذي يخرج أثناء الذكاة بنص الآية ، فهذا الدم موجود في المجازر، ولذلك المجازر نجسة من هذا المعنى ، أمّا لو كانت المجزرة تغسل وتنظف ، وفيها أماكن مخصصة للصلاة ، فلا بأس بذلك ولا حرج والله تعالى أعلم .

السؤال الثامن :

فضيلة الشيخ : ما حكم الصلاة بين السواري والأعمدة وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

ثبت في حديث أنس - t - في السنن وغيره أنّه لما رأى الرجل أو رجالا اضطّروا إلى الصلاة بين السواري قالوا اضطررنا إلى الصلاة بين العمودين أو بين السواري ، فرآنا أنس فقال : (( كنّا نتّقي هذا على عهد رسول الله   - r - )) وفي لفظ آخر : (( كنّا نطرد عن هذا طردا )) .

فالأصل عند العلماء أنّه لا يصلّى بين السواري ؛ لأنهّا تقطع الصفوف ، وقيل : لأنها مواضع الشياطين ، وقيل : لأنّها مواضع الأحذية ، وكلّها علل ذكرها العلماء ، لكن الأصل أنّه لا يصلّى بين السواري ، إلّا السواري المتباعدة ، مثلا ما يوجد الآن في هذه الفتحة ، يعني السواري المتباعدة يجوز الصلاة فيها ، أمّا السواري المتقاربة مثل هذه لا يصلّى بينها ، السواري المتباعدة ، ولذلك مثل هذه الفتحة ممكن أن يكون فيها مسجد كامل مثلها يكون فيها مسجد ، ولكن ترى بين السارية السواري الأربع التي باليمين مع السواري الأربع التي باليسار يكون الإنسان مصليا بين السارتين ، لكن هذا عفو ، إذا كان السواري متباعدة ، ولذلك كأنهّا في حكم المسجد حتّى إنّك ربّما تجد المسجد بهذه المساحة ، فإذا كان بهذا الشكل متباعدة فإنه يغتفر أمرها ، ولكن إذا كانت متقاربة هي محل المنع والحظر . والله تعالى أعلم .

السؤال التاسع :

فضيلة الشيخ : إذا صلّيت الوتر بعد صلاة العشاء مباشرة ، وأردت أن أقوم الليل ، فهل علي شيء إذا لم أوتر بعد الانتهاء من صلاة قيام الليل . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

أنت مخير بين أن تصلّي ركعتين ركعتين ولا توتر، وهذا خلاف الأولى ، أو أن تصلّي ركعة تنقض بها الوتر الأوّل، ثم تصلّي الليل تصلّي ما شئت ثم توتر، وهذا أفضل ؛ لأنّ النبّي - r - قال : (( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا )) فدلّ على أن الوتر مكانه في الأخير، وقال : (( صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة )) فجعل الوتر في الآخر، ولأنّه فعل أصحاب رسول الله - r - ، وهو محفوظ من فعل السلف كابن عمر - رضي الله عنهما - وغيره ، فإذًا تنقض الوتر الأول بركعة ، الدليل على أنّ الوتر ينقض الوتر قول النّبي   - r - : (( لا وتران في ليلة )) فلما قال: (( لا وتران )) دلّ على أنّ الوتر الثاني ينقض الوتر الأول ، فأعمل الوترين ، فأنت إذا صليت وترا نقضت به الوتر الأول فقد نقضت ، ثم بعد ذلك إذا أوترت الثالث خرجت من النهي ، والمراد : (( لا وتران )) إذا اقتصر عليهما ، لأنّها تصير الصلاة شفعيّة ، والمراد أن يكون الوتر وترا بالشفع ، لا أنّه مشفّع ، ومن هنا ينقض الوتر الثاني الأوّل ، ثم يصلّي شفعا شفعا ثم يوتر، هذا هو الأنسب ، لو صلّيت ركعتين ركعتين استدلّ بعض العلماء أنّ النّبي - r - أوتر ثم صلى ركعتين بعدما أوتر لببيان الجواز، ولكن الأفضل والأكمل أن تصلي ركعة تنقض بها الوتر، ثم تصلي ركعتين ركعتين ، ثم توتر والله تعالى أعلم ، لكن ما ينبغي لأحد أن يصلّي الوتر وهو يعلم أنه سيقوم آخر الليل، ما ينبغي لأحد أن يصلّي الوتر في أوّل الليل وهو يعلم أن يريد أن يقوم بعد ذلك ، أو عنده قيام أو عنده ورد ، فهذا خلاف السنّة ؛ لأنه تقصّدٌ لمخالفة السنة مادام أنّه يعلم أنه سيقوم يؤخّر وتره إلى ما بعد القيام ؛ تأسّيا بالنبيّ - r - واستجابة لأمره . والله تعالى أعلم .

السؤال العاشر :

فضيلة الشيخ : ما حكم التنفّل المطلق قبل النداء الثاني يوم الجمعة . وجزاكم الله خيرا ؟

 

 

الجواب :

لا بأس بالصلاة ما لم ينتصف النهار يوم الجمعة ؛ خلافا للإمام الشافعي - رحمه الله - ، جمهور العلماء على أنّه يجوز للمسلم أن يصلي ما شاء حتى يجلس الخطيب للخطبة ، وهذا شبه إجماع بين العلماء - رحمهم الله - ، ليس هناك أحد بدّع أو منع أحدا أن يصلّي قبل الأذان الثاني ؛ لأن الأصل أنّ النّبي - r - أذن بذلك كما في الحديث الصحيح في يوم الجمعة ، فيجوز للمسلم أن يتـنفل يوم الجمعة إلاّ إذا انتصف النهار؛ وذلك لأن النبيّ - r - أمر بالإمساك عن الصلاة عند انتصاف النهار ، كما في الأحاديث الصحيحة عنه - عليه الصلاة والسلام- ولم يفرّق بين يوم الجمعة وغيره ، فاستثنى الإمام الشافعي لرواية ذكرها في مسنده ، ولكنّها ضعيفة ، ضعّفها العلماء والأئمّة - رحمهم الله - باستثناء يوم الجمعة .

وقال الشافعي : إنّه يوم رحمة ، ولذلك تسجّر فيه أبواب جهنّم ، فيصلي حتى ولو كان النهار منتصفا. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لعدم ثبوت الاستثناء ، والأصل في العامّ أن يبقى على عمومه .

ومن الأدلّة على أنه يجوز التّنفل إلى أن يجلس الخطيب : قوله - عليه الصلاة والسلام - : (( من بكّر وابتكر، ومشى ولم يركب ، ثم قال : فصلذى ثم دنا وأنصت )) .

فقال : (( فصلّى )) : أي صلّى ما كتب له ثم دنا وأنصت ، فاتّصلت الصلاة بدنوّه وإنصاته من الخطيب ، وهذا يدلذ على أنذ الوقت وقت صلاة ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( فإذا طلعت الشمس فصلّ فإنذ الصلاة حاضرة مشهودة حتى ينتصف النهار فأمسك عن الصلاة ، ثم صلذ فإن الصلاة حاضرة مشهودة )) فهذا هو الأصل يجوز له أن يصلذي بعد الأذان الأول وبين الأذان الأول والثاني ، ولا أحفظ - حسب علمي - أحدا من أهل العلم يقول : إن الصلاة بين الأذان الأوّل والثاني من الجمعة بدعة من المتقدّمين والسلف ، ولذلك الأصل جواز هذه الصلاة ، وأنّه لا بأس به .

ومن العلماء من قال -كما هو قول بعض الشافعيّة رحمهم الله - : إنّه يسنّ أن يصلّي بين الأذان الأوّل والثاني؛ لأنّ النّبي قال : (( بين كلّ أذانين )) كما أشار الحافظ ابن حجر - رحمه الله - إلى ذلك في شرحه للصحيح فقالوا : (( بين كلّ أذانين )) وأذان عثمان مشروع بإجماع الأمّة ، وعلى هذا يشرع أن يصلّي عندهم ، ولكن الجمهور ردّوا هذا وقالوا إنّه يصلّي تنّفلا مطلقا، أنّه يصلّي وليس للجمعة سنّة راتبة قبليّة ولا صلاة مستحبّة قبليّة بعينها ، وإنّما يتنّفل تنفّلا عامّا . والله تعالى أعلم .

 

السؤال الحادي عشر :

فضيلة الشيخ : كيف ينال العبد محبّة الله لكي ينادى باسمه في الملأ الأعلى : أنّ الله يحبّ فلان . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

محبّة الله تبارك وتعالى بيّن الله - U - في كتابه ، وعلى لسان رسوله سبلها ، وموجباتها ، بيّن -I-  ما يدعو إلى محبّته ، ويوجب للعبد أن ينال هذه المنزلة الشريفة المنيفة منه - I - : أن يحبّه الله ، وإذا أحبّه الله - Y - نادى في السماء ، فصعق من في السماوات ، وصعد جبريل ، وقال الله له : يا جبريل، إنيّ أحبّ فلانا فأحبّه ، فينادى باسمه في الملأ الأعلى : أن الله يحبّه ، فينادي جبريل : يا أهل السماء ، إن الله يحبّ فلانا فأحبّوه، وليتصور المسلم إذا نودي باسمه في الملأ الأعلى ، وذكره الله - Y - باسمه ، فأي منزلة ، وأي مكانة ، وأي فضل حازه هذا العبد السعيد .

ينادي الله - Y - أن الله يحبّ عبده إذا أقام الصلاة وآتى الزكاة ، وأطاع الله ورسوله - r - ، ينادي الله باسمه حينما يراه صوّاما قوّاما أوّاها مخبتا منيبا إليه - I - ، ينادي سبحانه باسمه حينما يراه كثير التلاوة للقرآن خاشعا من كلام الرحمن ، لا يسمع آية من كتاب الله إلا انفطر لها قلبه ، وأصغى لها سمعه ، وأشهد لها جنانه، وحرّك بما فيها من ذكره سبحانه لسانه .

يحبّه الله - Y - حينما يكون عفيف الجنان ، عفيف اللسان ، عفيف الجوارح والأركان ، عن أهل الإسلام والإيمان ، حينما يراه الله في صباحه ومسائه لا يؤذي المسلمين بلسانه ، لا يسبّ ، ولا يشتم ، ولا يغتاب ، يمسي ويصبح وليس في صحيفة عمله زلّة على مسلم ، ولا أذيّة لمسلم ، يمسي ويصبح يحب للمسلمين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه .

يحبّه الله إذا أحبّ أولياءه ، إذا أحب ملائكته ، وأحبّ أنبياءه ، وأحبّ رسله، وأحبّ عباده الصالحين ، وقف ابن عمر - رضي الله عنهما - على الصفا ، وقال  : اللّهمّ حببّني إليك ، وحببنّي إلى ملائكتك ، وحببّني إلى أنبيائك، وإلى رسلك ، وإلى عبادك الصالحين ، ثم قال : اللّهمّ ارزقني حبّك ، وحبّ ملائكتك ، وحبّ أنبيائك ، وحبّ رسلك ، وحبّ عبادك الصالحين .

يحبّ الله من أحبّه ، وأحبّ أولياءه ، فالذي يحبّ الأنبياء والعلماء والصلحاء والأتقياء ، فيحبّ لهم الخير، ويظنّ بهم الخير، يحبّه الله - Y - ، فإذا أراد الله - U - بعبده أن يحبّه هيّأه للمحبّة ، حينما يؤدّي حقوق الله-Y - كاملة غير منقوصة ، أيّ حبيب إذا نادى عليه منادي الله في صلاته نسي دنياه وأهله وماله ، وأقبل على بيوت الله - U - ، فإذا كملت محبّة الله له لم ينادِ منادي الله إلا وهو في مسجده ، ولم ينادِ منادي الله إلاّ وهو قائم في بيت من بيوت الله - U - ، يسبحّ ربّه بالغدوّ والآصال لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله - U -. يحبّ الله عبده إذا كان بارا بوالديه ، فلا يزال يرضي والديه حتّى ينادي الله - U - باسمه في الملأ الأعلى حينما يدخل السرور عليهما ، ويسعى في رضاهما، ويمسي ويصبح وهو يفكّر كيف يرض  أباه وأمّه ، وكيف يدخل السرور على الوالدين ، ما خرج منهما إلاّ بدعوة صالحة ، ولا قام بين أيديهما إلاّ بالرضا التامّ الكامل ، فلا يزال يرضيهما حتىّ يرضى الله عنه ، ثم يحبّه ويضع له القبول .

يحبّ الله عبده إذا كفكف دموع اليتامى ، وجبر به قلوب الأرامل والثكالى ، إذا ستر العورات ، وفرّج الكربات، وسعى في دفع الهموم عن المؤمنين والمؤمنات ، يتألمّ لآلامهم ، ويتأسّى لمآسيهم ، وكأنّه جراح أصابته ، وهموم نزلت به ، فلا يرتاح له بال ، ولا يهنأ له عيش ، يدعو للمسلمين ، ويسعى في جلب الخير إليهم ، ويتمنّى لهم كلّ خير.

 يحبّ الله عبده إذا طلب العلم ، وحرص على أن يكون عالما بكتابه وسنّة نبيّه - r - .

يحب ّالله عبده إذا أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر، فذكر الناس بربّهم ، وأخذ بمجامع قلوبهم إلى جنّته ورحمته ودار كرامته .

يحبّ الله عبده إذا كان على السبيل الأقوم ، والسبيل الأمثل الأسلم .

يحبّ الله عبده ، ولن تنال محبّته بالتشهّي ، ولا بالتمنيّ ، ولا بالتزكية .

يحب ربّك المتواضعين الذين مهما ارتفعت درجاتهم نزلوا إلى الناس محبّة وإحسانا وبرّا ، فلم يزدهم الخير إلاّ برّا و وإحسانا بالناس لا تعاليا ولا غرورا ، فإذا وجد العبد من نفسه هذه الصفات حمد الله -I-، وسأل الله أن يزيده من فضله ، وإذا لم يجد ذلك سأل الله - U - أن يجبر كسره ، وأن يحسن عمله ، حتى يبلغ مراتب المحبّين والمحبوبين ، ألا وإن من أعظم ما يستدرّ به محبّة الله : الصبر، فمن كان من الصابرين تبوّأ محبّة ربّ العالمين .

الصابر على طاعة الله ، الصابر على بلاء الله وقضاء الله وقدر الله ، الصابر عن معصية الله، فإذا استجمع ذلك استجمع محبّة الله .

الّلهمّ إنّا نسألك بعزّتك وجلالك أن تجعلنا من أحبابك ، اللّهمّ حببّنا إليك ، وارزقنا حبّك ، وحبّ من يحبّك ، يا أرحم الراحمين ، اشملنا بعفوك وبرك أحياء وأمواتا ، برحمتك يا أرحم الراحمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .