دروس عمدة الفقه

باب الوضوء ( لم يراجع من قبل الشيخ )


باب الوضوء ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب الطهارة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال المصنف رحمه الله تعالى: ]باب الوضوء[.

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين.   أما بعد.

فيقول المصنف رحمه الله: ]باب الوضوء[، الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي الحسن والجمال والبهاء، قال صاحب اللسان: إن أصل هذه الكلمة مشتق من الوضاءة وهي الحسن، ووصفت هـذه العبادة بذلك، لأنها سبب في حسن الوجه وحسن حال العبد في الدين والدنيا والآخرة، فبالوضوء تغفر الذنوب، وتتحات الخطايا كما في الحديث الصحيح عن النبي e، "أن العبد المؤمن إذا قرب وضوءه فمضمض واستنشق وغسل وجهه خرجت كل خطيئة، مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وإذا غسل يديه خرجت كل خطيئة بطشتها يداه، مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى تخرج من تحت أظفار يديه، ثم إذا غسل رجله خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه، مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى تخرج من تحت أظفاره"،فهو نقاء وطهارة من الدنس ولذلك يفضي إلى هذا المعنى الشريف الكريم من حصول هذا النقاء، كذلك أيضاً فيه وضاءة لأن العبادة تنير وجه صاحبها، وتكون سبباً في إشراق وجهه بطاعة الله I، كما قال تعالى: { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ }.

 والوضوء في اصطلاح العلماء هو الغَسْلُ والمَسْحُ لأعضاء مخصوصة، وبعض العلماء يضيف بنية مخصوصة، فالغسل هو صب الماء والمسح المراد به هنا إمرار اليد مبلولة بالماء، فأما الغَسْل للأعضاء المخصوصة فهي الوجه واليدان والرجلان، هذه أعضاء تغسل، وأما المسح فإنه للرأس وللعمامة بدلاً عن الرأس وللخفين بدلاً عن الرجلين، بنية مخصوصة وهي نية التقرب إلى الله  I، والوضوء يطلق بمعنيين فيه حقيقتان حقيقة لغوية وهي غسل اليد، يقال توضأ إذا غسل يديه، قال قتادة رحمه الله: من غسل يديه فقد توضأ، وفيه حقيقة شرعية وهي ما ذكرنا من الغَسْل والمَسْح للأعضاء المخصوصة، وبعض العلماء يقول: الوضوء غَسْل الأعضاء المخصوصة وهذا من باب التغليب، لأن هناك مسحاً في الوضوء.

 والوضوء عبادة من العبادات فرضه الله U عند القيام إلى الصلاة، فدل على فرضيته دليل الكتاب والسنة والإجماع، أما دليل الكتاب فقول الحق تبارك وتعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } ، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله أمر فقال: { فَاغْسِلُوا } ، وعطف المأمورات الأخر على المأمور الأول فدل على فرضية الوضوء، وقوله I: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ } ، أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة ودل كذلك دليل السنة في أحاديث كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسـلام كما في الصحيح من حديث أبي هريرة t: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا احدث حتى يتوضأ"، واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم "لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهُور"، وهذا يدل على أنه لا تصح الصلاة بدون وضوء، وكذلك أيضاً قال عليه الصلاة والسلام في حديث علي t في السنن: "مفتاح الصلاة الطُهُور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم"، وقال e كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيءِ صلاتهُ، عنه t  أنه قال: قال رسول الله e: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء"، وفي لفظ في السنن "فتوضأ كما أمرك الله".

 ومن هذا أي من دليل الكتاب والسنة أجمع العلماء رحمهم الله على فرضية الوضوء، وأنه لا يجوز للمسلم أن يصلي بدون وضوء، والوُضوء بالضم هو فعل الطهارة، والوَضوء بالفتح هو الماء الذي يتوضأ به، كالطُهور والطَهور، والغُسول والغَسول، وكذلك السَحور والسُحور، والوَقود والوُقود ونحو ذلك من الألفاظ التي يفرق فيها بين الفعل وما يتأتى به الفعل بالضم والفتح.

 والوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، فقد كان موجوداً في الأمم قبلنا، ولكن الـذي خص الله به هذه الأمة إنما هو حصول الغُرَّة والتحجيل يوم القيامة كأثر من آثار الوضوء، أما الدليل على أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة فقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي"، فقوله "ووضوء الأنبياء من قبلي" يدل على أنه كان الوضوء موجـوداً عند الأنبياء من قبل، ومما يدل على أنه كان موجوداً قبلنا قصةُ سارة عليها السلام في قضيتها مع المارد حينما أرادها قال كما في صحيح مسلم "فتوضأتْ"، فدل على أن الوضوء ليس خاصاً بهذه الأمة، وإنما من خصوصيات هذه الأمة أن الله جعل لها الغُرَّة والتَّحجيل، فإذا كان يوم القيامة دُعِيت أمـة الإجابة من أمة محمد  e غُراً محجلين من أثر الوضوء، والغرة البياض في جبين الفرس والتحجيل في القوائم، فلما كانت أعضاء الوضوء في أعلى البدن وأسافله تأتي أمة محمدٍ  e أمة الإجابة تشرق أعضاء الوضوء وتنير منها، وهذا فضل من الله U.

 والوضوء ذكره المصنف رحمه الله بعد آداب قضاء الحاجة، وهذا من باب ترتيب طهارة الحدث على طهارة الخبث، بمعنى أنه ذكر عبادة الوضوء بعد بيان آداب قضاء الحاجة، وهذا راجع إلى ترتيب شرعي وطبيعي جبلي، فأما الترتيب الشرعي فهو تأدب مع الكتاب العزيز، فإن الله   I ذكر طهارة الحدث بعد طهارة الخبث، فقال I: { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا }  ، فجعل الطهارة بعد الإتيان من الغائط، فبعد أن بيّن آداب دخول الخلاء وقضاء الحاجة من البول والغائط شرع في بيان الطهارة، وكذلك هو ترتيب جبلي طبيعي لأن الإنسان يدخل فيتطهر ويتنقى من الدنس حتى يتوضأ بعد ذلك ويقوم لصلاته، وبدأ المصنف رحمه الله بالطهارة، بعد طهارة الخبث بطهارة الحدث، وطهارة الحدث تنقسم إلى نوعين: طهارة من الحدث الأصغر وهي طهارة الوضوء، وطهارة من الحدث الأكبر وهي طهارة الغُسْل، فابتدأ رحمه الله بطهارة الوضوء وهي الصغرى قبــل طهارة الغسل وهي الكبرى، وهذا لسبب وهــو أن الله  U أمــر بالوضــوء قبــل الغُسْل، فقـال : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ }، ثم قال بعد ذلك : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } ، فجعل طهارة الصغرى مقدمة على الطهارة الكبرى، ثم إن طهارة الوضوء وهي الصغرى أكثر وقوعاً من طهارة الغُسْل وهي الكبرى؛ فإن الإنسان في اليوم قد يتوضأ أكثر من عشر مرات، ولكنه لا يغتسل في الأسبوع إلا مرة واحدة، فقدم الذي يحتاجه الناس أكثر وتعم به البلـوى أكثر، يقول رحمه الله: ]باب الوضوء[، أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بطهارة الوضوء.

       قال رحمه الله: ]لا يصح الوضوءُ ولا غيرُه من العبادات إلا أن يَنْوِيَهُ[.

       يقول رحمه الله: ]لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه[، هذه الجملة قصد المصنف رحمه الله أن يبين فيها أنه لا يصح الوضوء بدون نية، وهذا هو قول جمهور العلماء رحمهم الله، وذلك للأدلة التي دلّت على لزومِ النيةِ لصحة الوضوء، قوله رحمه الله: ] لا يصح  [، إذا وُصِفتِ العبادة بكونها صحيحةً فإن هذا يترتَّب عن اعتبار الإجزاء وسقوط القضاء، فالمكلف إذا قيل لـه صحت صلاتك فمعناه أنها أجزأته ولا يُلْزَم بإعادتها وقضاءها مرة ثانية، فالصحيح لا بد من وقوعه على الصفة المعتبرة شرعاً قال رحمه الله: ]لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه[، أي لا يصح الوضوء إلا بنية، الدليل على اشتراط النية في الوضوء ما ذكره المصنف رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عمر بن الخطاب t في الصحيحين، قال سمعت رسـول الله e وهو على المنبر يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، ووجه الـدلالة من هـذا الحديث من وجهين: الوجه الأول في قوله عليه الصلاة والسلام "إنما الأعمال بالنيات"، أي إنما صحة الأعمال واعتبارها بالنية، والوضوء عمل من الأعمال فدخل في العموم، ثانياً في قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، حيث دل على أن من نوى شيئاً كان له بالمنطوق، وأن من لم ينوي شيئاً لا يكون له بالمفهوم، ومعنى ذلك أن من نوى الوضوء عبادة وقع له عبادة، ومن لم ينوه عبادة لم يقع منه عبادة، ومن هنا احتج جمهور العلماء على اشتراط النية في الوضوء بهذا الحديث، وخالف في هذه المسائل الإمام أبو حنيفة النعمان عليه من الله شآبيب الرحمات والرضوان، ووافقه سفيان الثـوري رحمه الله وأيضاً قالا: تشترط النية في التيمم ولا تشترط في الوضوء، أي في عبادة التراب البدلية ولا تشترط في الأصل وهي طهارة الماء، وخالف أيضاً في هذه المسألة الأوزاعي والحسن ابن أبي صالح فقالا بعدم اشتراط النية في الوضوء والتيمم، لا في الأصل ولا في البدل، وكلا القولين مرجوح، والصحيح مذهب الجمهور لحديث عمر بن الخطاب الذي ذكرناه، والسبب الذي دعا الحنفية رحمهم الله ومن وافقهم إلى إسقاط النية في الوضوء أنهم رأوا أن الوضوء وسيلة، والوسائل لا تلزم فيها النيات، ولذلك إذا ركبت السيارة إلى المسجد فهي وسيلة إلى الوصول إلى الصلاة، لا تنوي عند ركوبك للسيارة أنك تـريد الصلاة وإنما هي وسيلة ولا يرونه مقصدا، والصحيح أن الوضوء من العبادة، والـدليل على أن الوضوء من العبادة الحديث الصحيح عن رسول الله  e والذي قال:"الطُّهُور شطر الإيمان"، والطُّهور فعل الطهارة ولذلك جاء في لفظ السنن"الوُضوء شطر الإيمان"، والإيمان هو الصلاة لقوله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } ، أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فلما قال e:"الوُضوء" وفي اللفظ الآخر"الطُهور شطر الإيمان"، فهو نصف الصلاة، والصلاة عبادة وما كان نصف العبادة فهو عبادة، فهو منها وآخذ حكمها وترجح مذهب الجمهور باعتبار النية.

 لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصوم، وقال ]العبادات [ والعبادات جمع عبادة مأخوذة من قولهم طريق معبد، أي مذلل، وسميت العبادة عبادة لأنها قائمة على الذلة والخضوع لله I، فهي ذل في مقام عز بين يدي العزيز I، والعبادة في الاصطلاح اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فأي شيء يتقرب به إلى الله  I من العبادات لا يمكن أن يحكم بصحته إلا بنية، والنية في اللغة القصد، وأما في الاصطلاح فهي قصد وجه الله U، ثم لها مجالان عند أهل العلم رحمهم الله إذا ذكروا النية فيقصدون بها أحد الوجهين أو هما معاً، الوجه الأول تمييز العبادات عن العادات، والوجه الثاني تمييز العبادات نفسها، فـأما تمييز العبادات عن العادات فالفعل الواحد يكون قربة وعبادة ويكون عادة، بل قد يكون الفعل الواحد كفراً والعياذ بالله ويكون إيماناً، ولا يميزه إلا النية، فالسجود يكون كفـراً بالله إذا كان لصنم ولغير الله U، ويكون توحيداً وإنابة وقربة لله U إذا كان لله سبحانه وهو فعل واحد، فإذاً تتميز العادات عن العبادات، يعطي الرجل زوجته أو قريبه أو أخاه أو يعطي المسكين المال، فلو أعطى صديقاً في كربة مالاً ففرج كربته، قد يعطي محاباةً وقد يعطيه محبةً ومحض رحمة، أو ريـاءً أو سمعةً وطلب للمدح والثناء والعياذ بالله، وقد يعطيه وهو يريد وجه الله ويبتغي ما عند الله من حُسْن الخلف ووفاءً له بأُخوة الإيمان فيؤجُر على عطّيته ويكون له الخلف من الله، فتتميز العادات كإعطاء الماء محبةً وعصبيةً وحناناً وعاطفةً على الولد، عن العبادات وهي قصد القربة لله U. وهذا المعنى في النية هو جوهر العبادات ولُبَّها وأسمى المعاني فيها، وهو إخلاص الدين لله الذي من أجله بعث الله رسله وأنزل كتبه، وهذا المعنى يعتني به علماء التوحيد وعلماء السلوك في التربية والأمر بإخلاص العبادات لله  U، فيقولون لا بد من تصحيح النية والعناية بالنية، ومرادهم الإخلاص الذي لا يقبل الله الدين بشيء سواه، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: (بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله دين سواه)، وهـو الذي عناها الله  U بقوله: { فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ } ، وخاطب من قبله فقال: { وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ، هذه هي النية الصحيحة المستقيمة التي يؤجر صاحبها في الدنيا والآخرة، وهي التي عناه الله U بقوله : { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً } .

       أما النوع الثاني والوجه الثاني من النية فهو تمييز العبادة نفسها، فالصلاة الركعتان تكونان نافلة وتكونان فريضة، ممكن أن يصلي ركعتين ويقصد بها صلاة الفجر، وهي فريضة وممكن أن يصلي ركعتين ويقصد بها نافلة، ثم قد يقصد نافلة مقصودة أو نافلة مطلقة، فقد يقصد ركعتين لوجه الله هكذا نافلة مطلقة، وقد يقصد ركعتي الرغيبة وقد يقصد ركعتي المغرب أي راتبة المغرب أو راتبة العشاء، أو يقصد للوضوء أو نحو ذلك، إذاً النية بهذا المعنى الثاني تمييز العبادات بنفسها، فالظهر تكون أداء وتكون قضاءً، وينوي القصر وينوي الإتمام، فهذه النية هي التي يعتني بها الفقهاء رحمهم الله.

 والمراد بهذا أن يقصد الأمرين ]لا يصح الوضوء إلا أن ينوي[، فأولاً ينوي أن يتقرب إلى الله، لأنه ربما توضأ تبّرداً فالصيف إذا اشتد عليه الصيف ربما غسل أعضاء الوضوء من باب التبّرد، وقـد يغسل أعضاء الوضوء من باب النظافة، وقد يغسل أعضاء الوضوء محبة في وصول هواء للماء ومحبة له، وقد يغسل أعضاء الوضوء بقصد الطهارة فحينئذ لا يكون ناوياً إلا بالقصد الأخير، وهو نية التطهر ورفع الحدث، طبعاً المعنى الأول التمييز تميز العادة عن العبادة، لقصد العبادة بالوضوء.

 وأيضاً هـذه النية في الوضوء لها محل ومحلها القلب، وهذا في قول جماهـير السلـف والخلـف رحمهم الله خـلافاً لأحمد ابن عبد الله الزبيري وهو من ذرية الزبير، الذي يقول أنه يتلفظ بالنية في الوضوء، وهو من أصحاب الشافعي رحمه الله وتوفي في القرن الرابع الهجري، من قدماء الشافعية رحمـة الله عليه ولكن جماهير السلف والخلف على أن النية محلها القلب، ولذلك قال بعض أئمة العلم كما نص عليه الإمام الماوردي رحمه الله: إن النية مشتق من الإناء، سميت بذلك لأن القلب إناءٌ لها ووعاءٌ لها، والقلب إناء الجسد لأن جميع أعضاء الجسد تتبع القلب، فهو أساس البدن ومحرِّك البدن، فالنية محلها القلب، أما زمـان النية فزمان النية طبعاً على وجهين: أن ينوي عند ابتداء الوضوء وهذا يكون عند غسله لكفيه، فإذا نوى عند غسله لكفيه لا بد وأن يستصحب النية عند أول فرض من فروض الوضوء، فإذا نوى لا بد وأن تكون النية المجزية عند أول فرض، فإن نوى عند أول الوضوء كان كمالاً واستحباباً، وهذا الكمال والاستحباب يستصحب تستصحب هذه النية حقيقة لا حكماً إلى أول فرض وهو غسل الوجه، فإذا غسل وجهه استصحب النية حكماً ولا يلزمه استصحابها حقيقةً، بمعنى أنه لو غسل وجهه وهو ناوٍ للوضوء لا يضره أن تعزب عنه النية أثناءَ مسحِه لرأسِه وغسلِه لرجليْه لأن الأصلَ مُستصحَبٌ، وقد نوى عند أول فرض فاستُصحِبَ حكمُ النية، لكن يؤثر في هـذه النية أن يَنقضَها أو يأتِي بَعكسها، فإذا نقضها انتقضت أما إذا ابتدأ وضوءَه وعنده النية لرفع الحدث، أو استباحة الممنوع الذي عرض، أو لفعل فريضة ونحو ذلك، فإنه تجزيه هذه النية فيستصحبها حكماً مالم يأتي بنقيضها أو ما يخالفها، وهذا ما يسموه استصحاب النية وله آثار في الصلوات وفي الحـج وفيه كلام طويل عند العلماء رحمة الله عليهم وأن المعتبر استصحاب الحكم، ولا يؤثر ذهول الإنسان عن النية في أثناء أفعال الوضوء الباقية ما دام أنه قد جاء بها عند أول فرض واستصحب حكمها إلى نهاية الوضوء.

       هذه النية طبعاً تأتي على وجوه: الوجه الأول النية التامة الكاملة، وهي أن ينويَ رفعَ الحدث، فإذا جاء يتوضأ ينوي أن يصبح متطهراً وأن يَرْفع حدثَه، هذه النية ويصلي بوضوئها الفرائض والنوافل ويفعل كل العبادات التي تستباح بالوضوء، فلو أنه نوى رفع الحدث صـح له أن يصلي الظهر، ثم يصلي بعده العصر بذلك الوضوء ولا يجدد، ويصبح طاهراً ويفعل مـا يفعله المتطهِّر، هذه النية الحقيقة المُنبغي للمسلم دائماً أن ينويها، إذا أراد أن يتوضأ ينوي رفع الحدث، حتى يخرج من إشكالات العلماء ومن المشاكل المترتبة على اختلاف النية.

النوع الثاني من النيات أن ينوي الفريضة، فمثلاً أذن عليه آذان الظهر فنـوى أن يصلي الظهر بهذا الوضوء، أو يتوضأ لصلاة الظهر، فهذه نية لفرض يستبيح بها النافلة فيجوز أن يصلي الراتبة القبلية للظهر والراتبة البعدية للظهر وأن يصلي ما شاء من النوافل، وأن يقضي الرواتب من الفرائض السابقة.

       الحالة الثالثة والنوع الثالث من النية أن ينوي استباحةالممنوع، واستباحة الممنوع أن ينوي مثلاً صلاة الضحى يتوضأ في الضحى من أجل أن يصلي ركعتي الضحى، فحينئذ توضأ لنافلة ونوى النافلة وهي أقل من الفرض، وظاهر السنة في قوله عليه الصلاة والسلام "إنما الأعمال بالنيات وإنـما لكل امرئ ما نوى"، يوجب الإشكال في هذا، ومن هنا نص طائفة من العلماء على أنه إذا نوى الوضوء لنافلة لم يستبح به فريضة، لأنه منتقض الوضوء منتقض الطهارة، قال  e: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وهو قد توضأ للناقلة ولم يتوضأ للفريضة، فضيّق على نفسه وشدد، ومن هنا قالوا: لا يمكن أن نعطيه حكم الفريضة لأنه لم ينويها، وقال بعض العلماء لا يؤثر لأنه من باب الحكم الوضعي، أي أنه إذا توضأ أرتفع حدثه ولم يبقى للحدث أثر، فيستوي أن يتوضأ لناقلة أو فريضة، وأخذوا بعموم قوله "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وقد أشار بعض الفضلاء إلى هذه المسألة بقوله:

ولينوي رفع حدث أو مفترض              أو استباحـةً لممنوع عرض

ولينوي رفع حدث، هذا النوع الأول من النيات وهو أعمها، أو مفترض، أي فريضة النوع الثاني، أو استباحة لممنوع عرض، توضأ من أجل أن يطوف بالبيت، أو من أجل أن يمس المصحف، أو من أجل أن يصلي نافلة فقد توضأ للأقل ولم يتوضأ لما هو أعلى.

       قال رحمه الله: ]لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات[ ، ذكر مع الوضوء غيره لأن الأصل في العبادات أنها لا تصح إلا بنية، يشمل هذا النية بمعنى تمييز العبادات عن العادات وقصد التقرب إلى الله U، والنية بتمييز العبادات نفسها.

       قال رحمه الله: ]لقول رسول الله e "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"[.

       ]لقول رسول الله [e أي من أجل قول رسول الله e، وهذا الحديث حديث عمر t المتفق على صحته قال سمعت رسول الله e وهو على المنبر يقول: "إنما الأعمال بالنيات" وفي لفظ "بالنية"، بالنيَّة والِنيَة "وإنما لكل امرئ ما نوى"، فذكر المصنف القطعتين إشارة إلى وجه الدلالة من الحديث "إنما الأعمال بالنيات"، وقوله "وإنما لكل امرئ ما نوى"، حيث دل على لـزوم النية في الوضوء، وهذا الحديث من أعظم الأحاديث وأجلها ولذلك قال العلماء: إنه قاعدة من قواعد الإسلام، وقالوا إنه ربع الإسلام وقيل نصف الإسلام، وقيل ثلث الإسلام، فمن قال إنه ربـع الإسلام فهذا مبني على أن الإنسان تكون منه الأقوال والأفعال والنيات على صورتيها ووجهيها فيكون ربعاً من هذا الوجه، ومنهم من يقول: إنه ربع الإسلام لقضية الأحاديث.

         عمدة الدين عنـدنا أربع           كلمات من كلام خير البرية

 ذكروا هذا على أنه ربع من هذا الوجه.

        اتقى الشبهات وازهد ودع          مـا ليس يعنيك واعمل بنية

 "اتقى الشبهات" هذا الحديث الأول، "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحببك الناس"، "ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، واعمل بنية هو "إنما الأعمال بالنيات"، فهو ربع الإسلام من هذا الوجه، وقالوا إنه نصف الإسلام لأن الأمور إما ظاهرة أو باطنة التي تكون من المكلف، فحديث "إنما الأعمال" تعلّق بالباطن، فأصبح نصف الإسلام، وقيل ثلث الإسلام لأن الظاهر إما قول وإما فعل والباطن هو النية فأصبحت  النية ثلثَ الإسلام من هذا الوجه وعلى كل حال؛ هذا حديث من أعظم الأحاديث حتى قال بعضُ أئمةِ السلف: لو أن كل عالم استفتح كتابه بهذا الحديث، إشارة إلى فضله وعظيم ما فيه من المعاني الجليلة لأنه يدعو إلى الإخلاص وتصحيح النية وتجريد القصد لله  U.

       قال رحمه الله: ]ثم يقول بسم الله ويغسل كفيه ثلاثا[.

       ]ثم يقول بسم الله[، التسمية في بداية الوضوء سنة في قول جمهور العلماء رحمهم الله وليست بواجبة، خلافاً للإمام أحمد وبعض أصحاب الحديث كإسحاق ابن راهويه وغيره، والدليل على عدم وجوبها قوله تعالى : } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا {، فلم يأمر بالتسمية، وقال تعالى: } وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه ِ{، } فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه ِ{، فالتسمية لم يأمر الله  U بها في كتابه على الوضوء، وثبت في الصحيحين من حديث عثمان بن عفان  t أنه وصف وضوء النبي e وأنه توضأ ولم يذكر عنه التسمية، وكذلك أيضاً عبدالله بن زيد رضي الله عن الجميع، فقالوا إن هذا يدل على عدم الوجوب، وقد قال النبي e للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله"، والآية ليس فيها ذكر للتسمية، فدل على عدم وجوب التسمية، وأما سنيتها فلحديث أبي هريرة والحقيقة مختلف في إسناده، "لا وضوء لمن يذكر أسم الله عليه"، وهذا الحديث جمهرة أئمة الحديث على ضعفه، واختار بعض العلماء تحسينه بالطرق ولذلك قال الحافظ المنذري رحمه الله: إن مجموع طرقه يدل على أن له أصلاً، وقال الحافظ أبو بكر ابن أبي شيبة رحمه الله: ثبت عندنا أن رسول الله  e قاله، التفاتاً إلى كثرة الطرق، وممن حسّن إسناده الحافظ الذهبي والإمام ابن القيم والشوكاني والشيخ ناصر رحمة الله على الجميع، قالوا إنه يقبل التحسين ومشوا حاله، فعلى هذا يقال بسنية التسمية عند بداية الوضوء، ويكون قوله "لا وضوء لمن يسمي" أي لا وضوء كامل، وليس المراد به أنه ملزم بالتسمية على أصح قولي العلماء، التسمية عند الوضوء على القول بوجوبها تكون عند أول فرض من فرائض الوضـوء واجبة، وإذا سمى عند ابتداء الوضوء رخصوا في هذا، فقالوا لو نسيها في ابتداء الوضوء وذكـرها عند أول فرض أجزاءه.

قال رحمه الله: ]ثم يقول بسم الله ويغسل كفيه ثلاثا[.

       ]ويغسل كفيه ثلاثاً[، الكفان مثنى كف والكف من أطراف الأصابع إلى مفصل اليد عند الزَّندين، سمي الكف كفاً لأنه تكف به الأشياء، والكف باطن اليد وهو ما يسمى بالراحة مع الأصابع فإذا قيل كف شمل هذا، والمراد بهذا أنه إذا أراد الوضوء غسل كفيه في ابتداء الوضوء ثلاث مرات على الاستحباب، ثم هذا الغسل للكفين يكون واجباً إذا كان مستيقظاً من النوم، ويكون واجباً إذا كانت باليد نجاسة، فيجب عليه غسل الكفين في حالتين: أن يكون مستيقظاً من النوم، أو تكون عـلى يده نجاسة لأنه سينقل الماء بكفيه، فيتمضمض ويستنشق بكفيه وسيغسل وجهه بكفيه وسيمسح رأسـه بكفيه وسيغسل رجليه بكفيه، فلا بد من إنقاء الآلة الناقلة للماء، أما الدليل على فرضية غسل الكفين عند الاستيقاظ من النوم سواءً كان نوم ليل أو نهار فحديث أبي هريرة t في الصحيحين أن النبي e قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلهما في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، فقوله عليه الصلاة والسلام "فليغسل" أمر والأمر للوجوب، وقـوله فإنه لا يدري "أين باتت" خرج مخَرْجَ الغالب، لأن البَيتْوُتة تكون بالليل والنوم غالباً ما يكون بالليل، لأن الله جعل الليل سباتاً للناس ينامون فيه وسكناً لهم، فعبر النبي e بالغالب وهذا لا يمنع أن يكون في نوم النهار لقوله في العلة "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، فالمقصود عدم العلم بحال اليد وهذا يشمل نوم الليل والنهار، أما إذا كانت عليهما نجاسة فلا اشكال، وغسل الكفين ظاهراً وباظنا، فيغسل ظاهر الكفين وباطن الكفين، وهذه هي السنة عن رسول الله e.

       قال رحمه الله: ]ويغسل كفيه ثلاثاً[  على الندب والاستحباب، ومرةً على الأصل فإن كانت اليدان مقطوعاً بطهارتهما، يعني شخص يده نظيفة ثم أراد أن يتوضأ كـان غسله لكفيه استحباباً لا إيجاباً، لأن النبي e ما توضأ إلا غسل كفيه.

       قال رحمه الله: ]ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً يجمع بينهما بِغْرَفة أو ثلاث[.

       ]ثم يتمضمض[ التمَضْمُض مأخوذ من قولهم  تمَضْمضت الحية في جحـرها إذا تحركت، والمراد بالمضمضة تحريكُ الماء في الفم، ومن هنا للعلماء في المضمضة قولان، القـول الأول يقول: لا تكون المضمضة شرعية إلا إذا حرّك الماء ثم طَرَحهَ، وبناءاً على هذا تكون المضمضة الشرعية عندهم تحريك الماء في الفم وقذفه أو إخراجه، والقول الثاني يقول: تحريك الماء، فإن حرّك الماء في فمه فقد تمضمض، سواء طرحه أو لم يطرح، مثل شخص الماء عنده قليل والماء بارد ففي شدة الصيف جاء وتمضمض بعد ما حرّك الماء في فمه بلعه، فإنه متضمض على الوجه الثاني وغير متمضمض على الوجه الأول، والمضمضة الشرعية بمج الماء وطرحه، وهذا هو الوارد عنه عليه الصلاة والسلام والمحفوظ من سنته وهديه، أما الاستنشاق فهو من النَشق، والنشق جذب الشيء إلى أعلى الخياشيم بالنسم، ومنه النشوق سمي النشوق نشوقاً لأنه يستعط به الإنسان فيجذبه إلى أعلى الخياشيم بالنسم، والمراد هنا جذب الماء إلى أعلى الخياشيم بالنسم، يسمى استنشاقاً فإن طرحه ونثره قيل استنثره، ولذلك يقال لأعلى الأنف النثرة لأنه يمسكه أعلى الأنف ومارن الأنف الأعلى، يقال لـه نثرة لأنه إذا أراد أن يطرح ما في الأنف أمسك به، فالاستنشاق الجذب والاستنثار الطرح، والسنة عن رسول الله  e أنه تمضمض واستنشق، تمضمض بالماء واستنشق ثلاث مرات، هذه المضمضة والاستنشاق تعتبر من سنن الوضوء، لا من واجباته ولا من فرائضه، والدليل على سنيتهما أن الله تعالى قال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } ، والوجه في لغة العرب ليس من الألفاظ المشتركة، ولا من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى بيان، فإنه ما تحصل به المواجهة، والشخص يواجه بظاهر بشرة الوجه لا بفتح فمه وأنفه، ولذلك ليس الأنف والفم من الوجه حقيقة في لسان العرب، وقـد قـال الله عن القرآن : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } ، فلما سأل الأعرابي رسول الله e قال له: يا رسول الله كيف أتوضأ، فهو سؤال جاهل لا يعلم كيف يتوضأ، ولم يرى النبي e يتوضأ لأنه لو رأى النبي e يتوضأ ما قال له كيف أتوضأ، فقال له عليه الصلاة والسلام:"توضأ كما أمرك الله"، يعني خذ بظاهر الآية كما هي فتوضأ، فأصبح المضمضة والاستنشاق ليسا من فروض الوضوء لأن الوجه ما تحصل به المواجهة، فمن غسل ظاهر البشرة التي تحصل بها المواجهة فقد غسل وجهه، وأما حديث إذا توضأت فمضمض وأمره عليه الصلاة والسلام بالاستنشاق فهو أمر تعليم، وأنت تقول للرجل لأنه لم يرد ذكـر المضمضة أو الاستنشاق في الكتاب، فاحتاج رسول الله  e أن يأمر بها تعليماً للأمة لما فيها من الخير، لأن الشيطان يبيت على خياشيم الإنسان، وفي إلقاء النتن معونة على الذكر والعبادة، لأنه ينشط عليه الإنسان أكثر ولذلك أمر بالسِّواك، وأمر بالتطيُّب للجمعة وشهود العبادات، لما في ذلك مـن التَقَـوِّي على العبادة أكثر، فهو أمر ندب واستحباب وليس بأمر حتم وإيجاب، وإلا لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، حينما يأتيه السائل ويقول له: يا رسول الله كيف أتوضأ، ويقول له: "توضأ كما أمرك الله"، ليس قوله تعالى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } مجمل حتى تبينه السنة، إنما هو واضح الدلالة بين، ولذلك لا يصح أن يقال إن الآية ذكرت الوجه وبيَّن الوجهَ السنةُ لأن الوجه ما يحتاج إلى بيان، بل هو معروف في لسان العرب وليس من الألفاظ المجملة عند العلماء رحمهم الله وجهاً واحداً، لان الوجه واضح دلالتهٌ.

       قوله رحمه الله ]ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً[، المضمضة والاستنشاق تأتي على ثلاث صـور، إما أن يتَمضمض ويَستنشق من كفٍ واحدة ثلاثَ مراتٍ، وهذا من أصعب ما يكون، أن يجمع بين المضمضة فيأخذ ماءً قليلاً لفمه ثم يُتبعه بماء قليل لأنفه فيتمضمض ويستنشق، ثم يرجع مرة ثانية ومرة ثالثة من كف واحدة، وهذا من أصعب ما يكون، لكن يحتمله حديث ابن زيد  t، والوجه الثاني وهو المشهور والذي يدل عليه ظاهر الرواية في الصحيح، أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات، فكل غرفة يجمع فيها بين المضمضة والاستنشاق، يغفرف الغرفة الأولى ويجعل نصفها لفمه والنصفَ الآخر لأنفه، فيمُضمض ثم يَستنشق، ثم يأخذ الغرفة الثانية كذلك ثم يأخـذ الثالثة كذلك فقد تمَضْمَض ثلاثاً بثلاث غرفات، يجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، وهذا هو الأفضل والأكمل وهو سنة النبي e، ويعتبر مذهبها مذهب الوصل، يسميه العلماء مذهب الوصـل، وهو الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، الوجه الثالث والأخير أن يفصل المضمضة والاستنشاق فيتمضمض ثلاثَ مراتٍ بثلاث غرفاتِ، ثم يستنشق بعد ذلك ثلاثَ مراتٍ بثلاثِ غرَفاتِ فأصبح المجموع ستاً، وهذا يحتمله أيضاً الرواية أي ثلاث غرفات ثلاثاً للمضمضة وثلاثاً للاستنشاق، ولكن رواية من كف واحدة تدل على أنه جمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، وهذا هو الأفضل والأكمل في اتباع سنة النبي e وهديه، والكل جائز وليس هناك أمر واجب من هذه الصور ومن فَعَل أَّيها فلا بأسَ ولا حرجَ عليه.

       قال رحمه الله: ]يجمع بينهما بغرفة أو ثلاث، ثم يغسل وجه ثلاثاً من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن وإلى أصول الأذنين[.

       ]ثم يغسل وجهه[، هذا هو الفرض الأول من فرائض الوضوء بعد النية، على القول بأن النية شرط وليست بفرض، فالفرض الأول الذي أمر الله U في كتابه به في الوضوء غسل الوجـه، فقال I: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } ، وما توضأ عليه الصلاة والسلام إلا غسل وجْهَهُ، كما صح في حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلي وكلها في الصحيح رضي الله عن الجميع، وأجمعت الأمة على فرضية غسل الوجه، والوجه في لغة العرب ما تحصل به المواجهة وهي المقابلة، والوجه حدُّه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللَّحْييَنْ، العظم الأيمن والعظم الأيسر من الفك الأسفل، ما انحدر منه أي أن هذا الوجه لا بد وأن تمسك شيئاً قليلاً من الجزء الذي يلي الحَلْق لأنك إذا أمسكت هذا الجزء اليسير أتممت الوجه طولاً، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، هذا حد الوجه وبناءاً على ذلك يجب عليه عند غسله لوجهه أن يستوعب هذا القدر المأمور به، فَيَصِلَ الماء من أعلى الوجه إلى منابت الشعر عند الناصية، فإذا وصل إلى منابت الشعر فهذا حد الوجه، أما من الجهة اليمنى عند الأذن والجهة اليسرى عند الأذن اليسرى، فالحد هو العظمة التي تسمى عظمة الصدغ، هذه العظمة الأعلى منها يمُسح والأسفل منها يُغسل، ولذلك إذا حلق في النسك فإنه يحلق الأعلى ولا يحلق ما سفل، ولذلك أمر عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما الحلاق أن يحلق ما علا، وأمره أن يقف عند هذه العظمة، وهي الحد بين الممسوح وبين المغسول، فهذا حد الوجه يُغسل ما سفل ويمُسح ما علا، وأما البياض الذي بين الأذن وبين الشعر إن كانت عنده لحية ففيه خلاف مبنى على أنه هل المواجهة تحصل به أو لا، والعِذار هل تحصل به المواجهة أو لا، هذا حد الوجه ويجب استيعابه بالماء وعليه أن يتحرَّى، ولذلك إذا غسل وجهه وكان أمْرَدَ لا لحية له، يجعل إبهامـه مبلولاً بالماء يجعله من تحت اللحي، حتى يستوعب القدر الذي يستتمُّ به غسلُ وجهِهِ، هذا ما أمر الله  U به في الفرض الأول، وهو غسل الوجه.

       قال رحمه الله: ]ويخلل لحيته إن كانت كثيفة[.

       ]يخلل لحيته[ الخُلل ما بين الشيء، تخَلَّل إذا كان بين الشيء، ويقال تخلل القوم إذا دخل بينهم، وخُلَلَ الباب هي الفتحات والتنسيم الذي يكون بين أجزاءه، يقال خَلّل لِحْيتَهَ إذا أدخل الماء بينها، والِّلحية على قسمين: إن كانت لحيةً خفيفةً فلها حكم، وإن كانت لحيةً كثيفةً فلها حكم، والفرق بين الخفيفة والكثيفة أن الخفيفة تصف البشرة، بمعنى أنه يمُكنك أن ترى ظاهَر البشرة من تحتها، فإذا كانت اللحية خفيفة ترى ظاهر البشرة من تحتها، فواجب على صاحبها أن يغسل اللحيةَ والبشرةَ، لأن الوجهَ بهما فيواجه بهما، فيجب عليه أن يخللها ويغسل البشرة، والشعر تابع للبشرة، وأما إذا كانت كثيفة فإنه يخللها والغسل مأمور لظاهرها لأنه هو الذي تحصل به المواجهة، ولا يجب عليه غسل أصولها، لأنه لا مواجهة بالأصل، وحينئذ يقوم ظاهر الشعر مقامها، والعبرة بذلك المحل والقدر، ومن هنا قال بعض الفضلاء يشير إلى هذه المسألة:

خَلَلْ أصابـَع اليـدين وشعـرْ            وجهٍ إذا من تحته الجلدُ ظَهَرْ

 فإذاً يغسل اللحية وما تحتها لأنه إذا كانت قليلة يسيرة ويرى من تحتها البشرة حصلت المواجهة بهما لا بأحدهما، فيغسلان ولا يقتصر على أحدهما دون الآخر، والتخليل ورد عن رسول الله e أنه أخذ كفاً من ماء، وأدخله تحت لحيته ثم خللها به عليه الصلاة والسلام.

قال رحمه الله: ]وإن كانت تصف البشرة لزمه غسلها[.

       غسل البشرة وغسلها، تصف البشرة بمعنى أنك ترى بياض البشرة من تحتها أو ترى البشرة من تحت الشعر.

       قال رحمه الله: ]ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل[.

       ]ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً[، اليدان في الوضوء الفرض الثاني من فرائض الوضوء، والدليل على فرضية غسلهما قوله تعالى: { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } ، أي اغسلوا أيديكم إلى المرافق، واليد في الشريعة تطلق بثلاثة إطلاقات، الإطلاق الأول ما ذكرناه في الكفين، من أطراف الأصابع إلى الزَّنْدَين، ومن هذا الإطلاق قوله تعالى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } ، مراد قطع اليد عند مِفصل الكف مع الساعد، وتطلق اليدان ويراد بهما من أطراف الأصابع للمِرفَقين إلى المرفق، وهذا هو إطلاق الوضوء، وإطلاق التيمم عند من يرى أن المسح إلى المرفقين كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وتطلق اليدان بالإطلاق العام الذي يشمل اليد كاملة، كما في رفع الدعاء ونحوه، هذه ثلاثة إطلاقات لليد المراد هنا باليد من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان مثنى مرفق، وهو المفصل الذي يَفْصِل السَاعِد عن العَضُد، وسمي الِمرفقُ مِرفقاً لأن الإنسان يرتفق به ويتكئ عليه، ويجب غسل المرفقين وهما داخلان في الوضوء في قول جمهور العلماء خلافاً للظاهرية رحمة الله عليهم، والسبب في الخلاف أن الله تعالى يقول: { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } ، فإلى المرافق عند الجمهور أي مع المرافق، لأن العرب تأتي بهذا الحرف بمعنى مع، كما في قوله تعالى: { قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } ، أي مــع الله، فقولــه : { إِلَى الْمَرَافِقِ } أي مع المرافق ، وكقوله تعالى: { وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } ، أي مع أموالكم، والقاعدة عند العلماء أن الغاية إن كانت من جنس المُغَيى دخلت، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل إلا بدليل، فهنا المرفق من جنس اليد ولذلك يدخل فلما قال : { إِلَى الْمَرَافِقِ } دخل، لكن إذا لم يكن من جنس المغيى لا يدخل كقوله : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } ، فيكون الليل ليس من جنس النهار المأمور بصومه، وإنمـا المراد عند من يقول أن إلى بمعنى أتموا الصيام مع الليل، أي أنه يمسك قدراً يسيراً من الليل حتى يتأكد من تمام النهار، وعلى كل حال فالمرفقان داخلان في الوضوء، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة  t في الصحيح، "أن النبي e توضأ حتى شرع في العضد"، وهذا يدل على أنه استوعب المرفقين بالغسل.

قال رحمه الله: ]ثم يمسح رأسه مع الأذنين يبدأ بيده من مُقَدَّمِـهِ، ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مُقَدَّمِهِ[.

       هذا هو الفرض الثالث من فرائض الوضوء مسح الرأس، والرأس من التراءس، وأصله التقدم والتعالي العلو في الشيء، وصـف بــذلك لأنه في أعلى البدن، ومسح الـرأس أشـار الله  U إليه بقـوله : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } ، والواو للعطف والتشريك في الحكم، أي أنهم مأمورون بالمسح { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } أمر، والأمر للوجوب ولأن النبي e ما توضأ إلا مسح برأسه، وأجمعت الأمة على فرضية مسح الرأس في الوضوء، والرأس حده من منابت الشعر عند الناصية ابتداء إلى منتهاه عند القفا فوق الرقبة، ولا يدخل القذال فيه على الصحيح وهو مذهب الجمهور، ومن عظم الصـدغ إلى عظم الصدغ عرضاً، والأذنان داخلتان في الرأس، لحديث أبي أمامة وعبد الله ابن عباس وحسّنه غير واحد من العلماء، أن النبي e قال: "الأذنان من الرأس"، وقد اختلف في الأذنين، فقال بعض السـلف تغسلان ولا تمسحان، وأتبعهما للوجه كما هو قول الزهري رحمه الله، واستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: "سجد وجهي للذي خلقه، وصوره وشق سمعه وبصـره"، فقال: "سجـد وجهي"، ثم قال: "شق سمعه"، يعني سمع الوجه، فجعل السمع من الوجه، قال فلهذا يجب غسل الأذنين، وقال بعض السلف: ما أقبل من الوجه يغسل وما أدبر يمسح والصحيح مذهب الجمهور، أن الأذنين تمسحان ولا تغسلان لقوله عليه الصلاة والسلام: "الأذنان من الرأس"، فهذا نص في موضع النزاع، وأما قوله "شق سمعي وبصري" فهذا على التبع، وهو من باب ما قارب الشيء أخذ حكمه، ثم إنه قال: "شق سمعه"، وهذا ليس راجعاً إلى الأذن لأن شق السمع ليس المراد به ذات الصيوان، لأن الخلاف في الصيوان وليس في ذات السمع الذي هو في الداخل كما لا يخفى، وبناءاً على ذلك الأذنان تتبع الرأسَ مسحاً، ومسح الرأس المراد وبه مسح جِلدةِ الرأس إذا كان حالقاً لرأسه أو أصلعَ أو مسْحَ ما يقوم مقامَها وهو الشعر، وإذا مسح الشعر فالعبرة بما حاذى محلَّ الفرض دون ما استرسل، فالذي استرسل ليس بواجب عليه أن يمسحه، ولذلك المرأة تعتبر بما يحاذي محل الفرض، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأم سلمة رضي الله عنها، حينما قالت: يا رسول الله - والحـديث في الصحيحين – إني امرأة أشد ظفر شعر رأسي أفأنقضه إذا اغتسلت من الجنابة؟، قال:"لا، إنمـا يكفيكِ أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء على جسدك فإذا أنتِ قد طهرت"، فجعل العبرةَ بمحلِّ الفرض وما حاذاه ولم يعُطي الحكم لما استرسل، ومن هنا لا يجب عليه التعميم وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام "لما اغتسل من الجنابة أنه دعك أصول الشعر بأصابعه"، قالت رضي الله عنها: "حتى إذا ظن أنه رَوّى أصول شعره أفاض على جسده الماء"، صلوات الله وسلامه عليه، فهذا يدل على أن العبرة بمحل الفرض، وبناءاً على ذلك يمسح والمسح للرأس على صورتين: الصورة التامة الكاملة والصورة المجزية، أما الصورة التامة الكاملة فهي التي ذكرها المصنف رحمه الله، أن يبدأ بمقدَّم رأسه عند الناصية بكلتا يديه ثم يمرهما إلى القفا، وإذا وصل إلى القفا ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ به، ثم يأخذ ماءً جديداً للأذنين على سبيل الندب والاستحباب، ولو مسح الأذنين بعد ذلك ظاهراً وباطناً فجعل المُسبِّحة في داخل الأذن لصيوانها ثم الإبهام على قفاها قفا الأذنين أجزأه، "لأن النبي e مسح بما غَبَر" يعني بما بقي، وغبر الشيء يعني بقيته وما كان بعده.

 فإذا مسح رأسه على هذه الصفة فهي مسح الكمال، وهذا هو الذي عناه عبد الله بن زيد بقوله: "فأقبل بهما وأدبر"، وفي صفة الكمال هذه أوجه، قال بعض العلماء: أقبل بهما وأدبر يقسم الرأس قسمين، ويأتي بالماء في كفيه ثم يبلُّ كفيه، فيجعل الكف اليمنى للمقدِّمة والكف اليسـرى للمؤخِّرة فيكون أقبل وأدبر، هذا وجه، والوجه الثاني أقبل بهما أي أنه يبدأ بالقفا يُقبل ثم يُدبر إلى المؤخِّرة، والصحيح الأول أن المراد بقول عبد الله t: "أقبل بهما وأدبر"، أنه يبدأ بالمقدم لقوله ]بداء بمقدم رأسه[، وهذه الرواية مفصلة ومبينة تقدم على ما ذكر، قد يقول قائل إن هذا مشكل لأن الراوي قال:"أقبل وأدبر"، والإقبال معناه أنه يأتي من آخر الرأس، والجواب أن العرب تقول أقبل وأدبر بمعنى أدبر ثم أقبل، وهذا معنا معروف ومنه قول امرؤ القيس في معلقته:

 

مِكَـرٍ مِفَـرٍ مُقْبلٍ مُدْبِـرٍ معا            كجلمودِ صَخْرٍ حَطّهُ السيلُ من عَلِ

 

مِكَر مِفَر يعني يصف خيله وفرسه، مكر مفر والكر لا يكون إلا بعد الفرار، فالأصل أنه يفر ثم يكر، فقال: مكر مفر، مقبل مدبر معاً، أصلاً مقبل ثم مدبر، وهذا معروف في لسان العرب وحملوا عليه هذا الحديث، خاصة وأنه جاءت رواية عنه t أنه قال "بدأ بمقدم رأسه، حتى انتهي إلى قفاه ثم ردهما حتى عاد إلى المكان الذي بداء به"،هذا بالنسبة لمسح الكمال، أنه يمسح بهذه الصفة، أما مسح الإجزاء فهو أن يمسح جميع الرأس مسحة واحدة.

 والصحيح أنه يجب مسح جميع الرأس وهو مذهب الحنابلة والمالكية في المشهور رحمة الله عليهم، أولاً لقوله تعالى: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } ، فالباء إما زائدة وهذا معروف في لسان العرب، وإذا قيل في القرآن أنه حرف زائد ليس المراد أنه حرف زائد من القرآن، إنما هذا تعبير اصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح يريدون منه المعنى، أي امسحوا الرؤوس كاملة، أو الباء للإلصاق فحينئذ تـدل الآية على مسح الجميع، ثانياً أن النبي e ما حفظ  عنه أنه اقتصر على بعض الرأس دون بعض، بل جاء في حديث المغيرة t كما في صحيح مسلم، "أنه مسح بناصيته وعلى العمامة"، فلو كان بعض الرأس يجزئ لاكتفى بالبعض، ولكنه عليه الصلاة والسلام عمم الرأس كله، وخالف الشافعية فقالوا يجزئ ثلاث شعرات بناءاً على ما يطلق عليه أقل الجمع وهو ثلاث، فقالوا إن الله قال : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } وأقل الرأس ثلاث شعرات، وهذا أصل عندهم طَردَوُه حتى في التحلُّل في حلق الرأس من النُّسك والقص والتقصير، وهذا بناءاً على أن الباء للتبعيض، وتقـول أخذت برأسه أخذت بثوبه لم تأخذ كل الثوب وإنما أخذت بعض الثوب، وهذا معنـاً يسميه العلماء معناً مجازي والقاعدة حمل اللفظ على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز، وحينئذ نقول إن حمل الباء على الإلصاق أقوى من حمله على التبعيض، وكذلك أيضاً قول من قال وهو مذهب الحنفية، الواجب مسح ربع الرأس بأربعة أصابع بأكثر الأصابع ثلاثة أصابع قدر الناصية، واستدلوا بحـديث المغيرة "أن النبي  e مسح على ناصيته وعلى العمامة"، وقد كان يكشف عليه الصلاة والسلام ناصيته، شأن أهل الفضل والصلاح والتقى والتواضع، فمسح على ناصيته وعلى العمامة، قالوا لما مسح علـى ناصيته وهم لا يرون المسح على العمامة دل على أنه يجزئ في الرأس هذا القدر، والناصية قدر ربع الرأس، فإذا مسح بقدر ربع الرأس أجزاءه، وهذا الحديث حجة للجمهور لا على الجمهور فهو حجة على الحنفية، لأنه يقال لهم إن النبي e مسح على الناصية وعلى العمامة، فدل على أن بعض الرأس لا يجزئ، إنما يصح الاستدلال به أن لو اجتزاء بالمسح على الناصية، ولكنه لما مسح على الناصية والعمامة دل علـى أنه يريد مسح الرأس كله، ولا يريد مسح الرأس بعضه ومن هنا يترجح مذهب من قال أنه يجب تعميمُ الرأس بالمسح.

       ثم إن المصنف رحمه الله ذكر مسح الرأس ولم يذكر التثليث في مسح الرأس، فالسنة أن يمسح الرأس مرةً واحدةً، وأن لا يمسحه أكثرَ من مرة واحدة، وذلك لحـديث الرُّبيع عن النبي e ما توضأ أكثر من مرة في أعضاء الوضوء قالت: "مسح برأسه مرة واحدة"، يعني مسحة واحدةً، والسبب في هذا أن الرأس إذا مسح مرتين أو ثلاثة أنتقل من المسح إلى الغسل، خاصـة إذا كان أصلع أو كان لا شغر عنده، حلق رأسه وجاء يمسح ثلاث مرات ابتل الرأس كالمغسـول، ولذلك شرع فيه المسح، ولم يشرع فيه تكرار هذا المسح، حتى لا ينتقل إلى الغسل، وهذا هو الصحيح وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعية رحمة الله عليهم، الشافعية احتجوا بقوله "توضأ رسول الله  e مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثا"، وهذا الحديث يجاب عنه من وجهين، الوجه الأول أن المراد به التشريك في المحل الواحد، بمعنى أنه مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً في الوضوء الواحد، فلبعض الأعضاء ثلاثاً وبعضها مرتين وبعضها واحداً فنحمل الواحد على مسح الرأس، والوجـه الثاني إذا قالوا أنه للتنويع توضأ مرة وتوضأ مرتين لجميع الأعضاء وتوضأ ثلاثاً، نقول هذا مجمل، أنه في غالب الأعضاء من باب التغليب، وجاء المفسر كما في حديث الرُّبيع وأنه مسح مرة واحدة مع أنه غسل أكثر من مرة للأعضاء كلها، فدل على أن الرأس ممسوح مرة واحدة ولا يزاد عليها على الصحيح.

       قال رحمه الله: ]ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل ويخلل أصابعهما[.

       ]ثم يغسل رجليه[ مثنى رِجل، والرَّجل المأمور بغسلها من أطراف الأصابع أصابع القدمين إلى مِفصل القدم مع الساق، وهو الذي يُسمى بالكعب، وهذا الفرض هو الفرض الرابـع والأخير من فرائض الوضوء، والأصل فيه قوله تعالى : { وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } ، وأجمع السلف رحمهم الله والخلف إلا من شذَّ على أنه يجب غسل الرجلين لا مَسْحُهُمَا، إلا إذا انتقل إلى الخُّفين فإنه يمسح على الخفين أو الجورْبين على الصحيح من أقوال العلماء وسيأتينا إن شاء الله تعالى.

       الرِّجلان مثنى رجل وغسل الرجل المراد به أن يستوعب محلَّ الفرض، من أطراف أصـابع القدمين إلى مفصل القدم مع الساق عند الموضع الذي يسمى بالكعب، والكعب هو العظم الناتئ ثم أي عند مفصل الساق مع القدم عند العقب، هذا القدر أمر الله بغسله كما قال تعالى : { وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } ، وأجمعت الأمة على أنه فرض من فرائض الوضوء، وذلك لأمره  I به ولأن النبي e ما توضأ إلا غسل رجليه أو انتقل إلى بدل وهو المسح على خفيه أو جوربيه صلوات الله وسلامه عليه، والغسل للقدم ظاهراً وباطنا، ويخلل أصابع القدمين "لأن النبي e أمر لقيط بن صبرة t أن يخلل أصابعه"، فدل على أنه يتحرى ما بين الأصابع، لأنه ربما لم يصل الماء إلى هذا الموضع خاصة إذا كان يتوضأ من إبريق أو كان الماء قليلاً، فإنه ربما لم يصل إلى ما بين الأصابع فيخلل، وقد جاء التخليل بالخنصر لأنه أسهل في الدخول ويجوز أن يخلل ببقية الأصابع، والأمر في هذا واسع، ولكنه يتحـرى وصول الماء إلى الموضع المأمور بغسله.

@ @ @ @ @ الأسئلة @ @ @ @ @

السؤال الأول :

فضيلة الشيخ هذا سائل يقول: من أين يبدأ غسل اليدين في الوضوء من أطراف الأصابع أم من آخر الكفين؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب :

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.     أما بعد.

البداءة ليست شرطاً يبدأ من أطراف الأصابع أو من المرفقين، لكن زمان النبي  e كان الوضوء من الأباريق والآنية، فكانت السنة أن يبدأ بأطراف الأصابع، لأن النبي  e أكفأ بشماله على يمينه، ثم أخذ الماء وقلبه وكانت يده اليسرى عند مرفقه صلوات الله وسلامه عليه، ومن هنا قال العلماء يقلب الماء على ظاهر اليمنى، فينقلب على الظاهر فيأخذه عند اجتماعه عند المرفق فيدير على المرفق، ويُسَيِّرَهُ إلى أطراف الأصابع، ثم يعود مخللاً ويكون ظاهر اليمنى قد أصابه الماء، فإذا عاد عليه عـاد إليه فارش الماء على الظاهر، هذه الصفة التي كانت متيسرة في زمانهم، هذه تتيسر في الأباريق والأواني التي يتوضأ بها والبرك والمستنقعات حينما يغرف الإنسان، أما الموجود الآن في الصنابير تجد الواحـد مباشرة بمجرد أن يدخل يده على طول يأتي إلى المرفق من المرفق معكوسة، يأتي حتى ينتهي إلى الأصابع والمصيبة ليست هنا، المصيبة التي ينبغي أن يتنبه لها الكثير أن البعض يغسل كفيه في بداية الوضوء، فإذا جاء يتوضأ تجده يغسل كفيه هكذا، فيدع ما بين المرفق وما بين الزندين، ولا يعتني بكفيه، غُسـل الكفين الأول لا يجزئ عن غسل الفرض، ولذلك لا يصح الوضوء على هذا الوجه، فينبغي أن ينتبه الناس خاصة عامتهم ممن لا ينتبه لهذا الفرض، يُنبه على أنه لا بد من استيعاب محل الفرض كاملا، العبرة بوصول الماء إلى هذا القدر تاماً، والسنة ما ذكرناه من قلب الماء من الأعلى إلى الأدنى والله تعالى أعلم.

السؤال الثاني :

 فضيلة الشيخ هذا سائل يقول: من نسي أن يمسح أُذنيْه، هل يبطل وضوءه؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب :

الوضوء صحيح المستتبع ليس كالأصل، والبعضية هنا استتباعاً لقول طائفة من العلماء خاصة وأن الحديث في درجة الحسن، لم يكن من الأصول الصحيحة القوية التي يعني تقوي أنه لا يصح إلا بمسح الأذنين والله تعالى أعلم.

السؤال الثالث :

 فضيلة الشيخ هذا سائل يقول: ما حكم الوضوء على الوضوء؟، وهل يعد ذلك وسوسة؟، وهل يثاب على ذلك؟، وجزاكم الله خيراً.

الجواب :

الوضوء على الوضوء مشروع والدليل على شرعيته ما ثبت في الصحيح عن جابر  t أن النبي e سُأل، فقيل يا رسول الله: أنتوضأ من لحوم الغنم، قال:"إن شئت"، يسأل النبي e هل لحوم الغنم تنقض الوضوء، معناه هل أتوضأ يعني أنا متوضئ وأكلت لحم الغنم، فهل أعيد وضوئي؟، قال:"إن شئت"، فلما قال له:"إن شئت" فمعناه أنه سيقع الوضوء المخير والمعلق بالمشيئة على الوضوء السابق، فأخذ العلماء من هذا دليل على مشروعية الوضوء على الوضوء، والإجماع من حيث الأصل على مشروعية تجديد الوضوء، ولكن إذا كان على سبيل الوسوسة هذاك حينما يتوضأ ثم يرجع مرة ثانية ويتوضأ، ويرجع مرة ثالثة ويتوضأ - نسأل الله السلامة والعافية - هذه وسوسة، أما أن يفعل ذلك قربة وطاعة فلا بأس، إنما الخلاف إذا توضأ في المرة الأولى ثلاثاً، وأراد أن يجدد الوضوء فهل التجديد غسلة رابعة، إذا قيل إنه غسلة رابعة ما يجوز، وإذا قيل أنه غسلة مستأنفة فحينئذ يجوز، ومن أهل العلم من قال إذا فعل شيئاً في الوضوء الأول، كأن يكون صلى جاز له أن يجدد، وإلا فلا والصحيح أنه يجوز له أن يجدد، ويتقي على سبيل الاحتياط للغسلة الرابعة، لقوله عليه الصلاة والسـلام "فمن زاد فقد أساء وظلم"، والله تعالى أعلم.

السؤال الرابع :

 فضيلة الشيخ هذا سائل يقول: أحياناً أقوم بعمل من العبادات فيوُسوس لي الشيطان أني أود أن يراني الناس ويمدحوني على ذلك، فكيف أدافع هذا؟، وجزاكم الله خيراً.

الجواب :

ما تدافعه ولا تدفعه إلا بالله Y، وقد بين الله لك كيف تدافعه وتدفعه { وَإِمَّا يَنـزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } ، فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم، والسميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويحب منك أن تدعوه وتلجئ إليه، هذا عدو الله إذا رأءك التجأت إلى الله خسئ،قال  e: "فإذا ذكر الله انخنس"، فهو ينخس وينطفئ شره ويكبت عدو الله بذكر الله، ولكن حينما تقول أعوذ بالله تعلم علم اليقين من هو الله، الذي إذا استعاذ به العبد أعاذه وإذا احتمى به حماه وكفاه ووقاه، فمن قال أعوذ بالله مخلصاً من قلبه موقناً بربه فرّج الله عنه كربه، وجعل العاقبة له ولو كادته السماوات السبع والأراضين ومن فيهن، إنما يقولها بيقين وقوة إيمان وجاء الدخل على الناس من ضعف اليقين، فإذا أحسست أن الله يسمعك ويراك، وأن هذا العدو يؤذيك قل أعوذ بالله، مؤمناً موقناً أنه سميـع عليم بصير، وستجد من الله كل خير ومعونة، وسيندحر عدو الله عنك والله تعالى أعلم.

 السؤال الخامس :

 فضيلة الشيخ هذا سائل يقول: أنا أذكر الله بعض الصلاة ولكني لا أضبط العدد فأبني على اليقين، وكذلك في الذكر المنصوص فيه عن العدد مثل سبحان الله وبحمده مائة مرة وغيرها فهل فعلي هذا صحيح؟، أم لا بد من التَقُيّدِ بالعدد؟، وجزاكم الله خيراً.

الجواب :

السنة أن تتقيد بالعدد، وإذا شككت تبني على اليقين مثل ما ذكرت، شككت هـل سبحت ثلاثين أو تسع وعشرين بنيت على تسع وعشرين وزدت واحدة، وهكذا في بقية العبادات، وأما بالنسبة أن تزيد وأنت تعلم، كأن يقال أذكار الصلوات محدودة ما تزيد عليها، ثلاثا وثلاثين تسبيحة وتحميده وتكبيرة وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، من فعلها غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، ما تأتي وتزيد وتجعلها مائة وعشرة ولو مائة وواحداً، هذا توقيفي لا يجوز لك أن تزيد منه ولا تنقص منه على سبيل التعبد، أما بعد أن تنتهي من هذه الأذكار تريد أن تسبح الله ما شئت تحمد الله ما شئت تكبر الله ما شئت فلك، أما في وقت العبادة فلا تزيد ولا تنقص وتتقيد بالوارد عن رسول الله  e، وأما في مطلق الأوقات لا بأس أن تكثر من التسبيح والتحميد وتذكر الله U بالذكر الوارد، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصا لوجهه العظيم، موجباً لرضوانه الكريم، إنه سميع مجيب .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.