دروس الترمذي

بَاب الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ"و"بَاب مَا جَاءَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ" ( لم يراجع من قبل الشيخ )


بَاب الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ"و"بَاب مَا جَاءَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ" ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب الطهارة

P

قال المصنف-رحمه الله-: بَاب الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ

الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فقد ذكر المصنف-رحمه الله - الأحاديث عن رسول الله-
r- والتي تدل على سنية المضمضة والاستنشاق ، وهذا الباب يعتبر من أبواب صفة وضوء النبي-r- وقد اعتنى أئمة الحديث-رحمهم الله- ببيان هدي النبي-r- في صفة الوضوء ، وكان هديه-عليه الصلاة والسلام-مشتملاً على شيء من التفصيل في الأحكام ، ولذلك ذكروا في صفة المضمضة والاستنشاق صوراً -سنذكرها إن شاء الله تعالى -.
ولاشك أن العلم بسنة النبي-
r- وهديه في المضمضة والاستنشاق يوجب للمسلم خير الدنيا والآخرة لما فيه من فضل اتباعه -صلوات الله وسلامه عليه- ، فالمسلم ربما تمضمض واستنشق دون أن يعلم الصفة التي وقعت عليها مضمضتة واستنشاقه- صلوات الله وسلامه عليه- إلى يوم الدين فمن تمضمض واستنشق دون علم بهديه ، فإنه يفوته أجر السنة ، ولكن تفصيل الصفة التي تمضمض بها -عليه الصلاة والسلام- واستنشق بها في وضوئه يوجب العلم بالسنة والعمل والدعوة إليها ، ومن هنا يكون المتوضئ أعظم أجراً وأكثر اتباعاً لهديه-صلوات الله وسلامه عليه- والمضمضة والاستنشاق تقع على صور :
الصورة الأولى: يسميها العلماء بصورة الوصل ، وذلك أن تجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحد.
مثال ذلك: أن تغرف بيمينك الماء ثم تدنيه إلى الفم فتمضمض ثم ترفع الباقي إلى الأنف فتقسم هذه الكف بين المضمضة والاستنشاق ، وهذه الصورة يسميها العلماء بصورة الوصل .
و عليه فإنك إذا تمضمضت و استنشقت ثلاث مرات فإنك تتمضمض و تستنشق بثلاثة غرفات .
الصورة الثانية: وهي صورة الفصل سماها العلماء -رحمهم لله- بصورة الفصل ؛ لأن المتوضئ يفصل بين المضمضة والاستنشاق وهذه الصورة يجعل فيها المكلف للمضمضة ماءً مستقلاً من كف مستقلة ثم يجعل للاستنشاق مثلها ، وبناءً على ذلك فمن تمضمض و استنشق مرة واحدة بهذه الصورة فإنه يجمع بينهما بكفين فيجعل الكف الأولى للمضمضة والكف الثانية للاستنشاق وهذه الصورة يكون المكلف فيها متمضمضاً ومستنشقاً ثلاث مرات بست غرفات كما هو معلوم .
و أما الصورة الثالثة: فهي صورة جامعة بين الصورتين وهي صورة الفصل و الوصل وحاصلها أنه يأخذ الماء بكفيه أو يأخذ ماءاً بكفه اليمين كله سيان ، فإذا أخذ الماء بالكفين فإنه يفصل لكل كف ماءها ثم بعد ذلك يتمضمض من كف و يستنشق من كف أخرى وهذه الصفة يصدق عليها أنها مضمضة واستنشاق من كف واحد و يصدق عليها أنها مضمضة واستنشاق من كفين هذه هي أشهر صور المضمضة والاستنشاق.
وقد ورد عن النبي-
r- ما يدل على الصورة الأولى : و أنها هي الأفضل وذلك في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم النجاري الأنصاري-t-وعن أبيه- وفيه أنه لما سُئل عن وضوء النبي-r- : " تمضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات " وهذا الحديث ثابت في الصحيحين ، وقد جاء في رواية : " أنه تمضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات من كف واحدة " فرواية من كف واحدة صريحة في الدلالة على أنه جمع وهي صورة الوصل كما ذكرنا .
أما الصورة الثانية وهي صورة الفصل فقد حمل العلماء-رحمهم الله- :
الحديث الأول عليها وقالوا : إن قوله "تمضمض و استنشق ثلاثاً بثلاث غرفات" أي تمضمض بثلاث غرفات و استنشق بثلاث غرفات ، فيكون ذلك من باب العطف على كل واحد على حده وليس المراد مجموع الأمرين وحينئذٍ تكون الواو لمطلق العطف وعلى الوجه الذي ذكرناه تكون للجمع وهذا القول أو هذه الصورة دل عليها حديث أبي داود عن طلحة بن مصرف-
t وأرضاه- أنه "رأى النبي-r- توضأ وفصل بين المضمضة والاستنشاق" وهذا الحديث رواه أبو داود في سننه ؛ ولكنه حديث ضعيف لأنه من رواية ليث بن أبي سليم و لذلك لم يعتد العلماء –رحمهم الله- بهذا الحديث لمكان ضعفه .
و أما الدليل الثالث على هذه الصفة- أعني صفة الوصل- ففيها حديث عن عثمان وعلي-رضي الله عنهما-"أنهما توضئا وفصلا بين المضمضة والاستنشاق فجعلا كل واحدة منهما على حدة وقالا بعد فراغ الوضوء هكذا رأينا رسول الله-
r-" وهذا الحديث سكت عنه الحافظ بن حجر ، وقال بعض العلماء : إن سكوته يدل على تحسينه له ولم يخلُ هذا الكلام من نظر ، ولذلك اجتمع أصحاب هذا القول على القول بمشروعية الفصل ومما يؤيده إطلاق الروايات في حديث عثمان بن عفان وحديث علي-رضي الله عنهما- في صفة وضوءه -صلوات الله وسلامه عليه-.
وأما الصورة الثالثة : وهي الجمع بين المضمضة و الاستنشاق وذلك من كفين متباينتين فحملوا عليها رواية حديث عبد الله بن زيد أن النبي-
r- "تمضمض و استنشق ثلاثاً من كف واحدةٍ " قالوا فكف للمضمضة وكف للاستنشاق.
وهناك صورة رابعة غريبة بعيدة مستصعبة : وهي التي ورد فيها حديث ابن ماجة و حملوا عليها رواية حديث عبد الله بن زيد وفيها أن النبي-
r-لما وصف عبد الله بن زيد-t- وضوءه "قال فتمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً من كف واحدة" قالوا وهذا يدل على أن السنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة تكون المضمضة ثلاثاً والاستنشاق ثلاثاً ، وقد استبعد العلماء -رحمهم الله- هذه الصورة وقالوا إنها أشبه بالمتعذر أن يأخذ الإنسان كفاً واحدة ثم يتمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً من هذه الكف ، ولا شك أن استبعادهم واستصعابهم واستغرابهم لهذا القول وجيه وصحيح ، ولذلك نص بعض أهل العلم -رحمهم الله-على بعد هذه الصورة في المضمضة والاستنشاق ، وإذا ثبت أن المضمضة والاستنشاق يكون كل منهما بالفصل والوصل يكونان بالفصل بينهما والوصل بينهما.
فقد اختلف العلماء -رحمهم الله -هل الأفضل أن تفصل بين المضمضة و الاستنشاق ؟؟ فتتمضمض ثلاثاً و تستنشق ثلاثاً بست غرفات أم الأفضل أن تجمع بين المضمضة و الاستنشاق ثلاثاً بثلاث غرفات ..؟؟
فذهب جمهور العلماء-رحمهم الله- إلى أن الأفضل أن تفصل وهذا القول هو مذهب الحنفية وبعض أصحاب مالك وقال به أئمة الشافعية على المختار من قولي الإمام الشافعي ، وكذلك قال به الحنابلة كما قرره الإمام ابن قدامة في المغني -رحمة الله على الجميع- قالوا الأفضل أن تفصل بينهما واستدلوا برواية الصحيح "أنه تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات" قالوا والمراد بذلك أنه تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً فتكون لكل واحدة منهما ثلاث غرفات.
واستدلوا بالأحاديث التي سبقت الإشارة إليها وقالوا من جهة العقل إن الأنف والفم يعتبران بمثابة العضوين المنفصلين فالأولى أن يجعل لكل واحد منهما ماءً مستقلاً فتكون كف للمضمضة وكف للاستنشاق.
و أكدوا ذلك بأمرٍ ثالث : فقالوا إن مقصود الشرع أن تنظف الأنف والفم ولاشك أنك إذا فصلت بين المضمضة والاستنشاق أن ذلك أدعى لنظافة الفم ولنظافة الأنف فالماء الذي يدخله المتوضئ إلى أنفه وفمه يعتبر ماءً كافياً لنقاء الموضع أما لو أنه أجمع بينهما فإن الماء يكون قليلاً .
وإذا قل الماء قلت النظافة والنقاء ومن هنا قالوا الأفضل أن يفصل بينهما ولايصل ، أما الذين قالوا بالوصل وهو رواية عن الإمام مالك ، وكذلك قول للإمام الشافعي وقال به بعض أصحاب الإمام أحمد واختاره عدد من أئمة الحديث-رحمة الله على الجميع- فقد استدلوا بحديث عبد الله بن زيد بن عاصم-
t وعن أبيه- " وفيه أنه لما وصف وضوء النبي-r-"جمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة " .
وكذلك استدلوا بحديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري : أن النبي-
r-"غرف غرفة واحدة فتمضمض واستنشق" قالوا : فهذا الحديث يدل دلالةً واضحةً على أن الوصل هو هديه -صلوات الله وسلامه عليه - ولذلك ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث باب من تمضمض واستنشق من غرفة واحدة قالوا وبذلك الأفضل والأكمل أن يجمع بينهما ، وأكدوا ذلك بأن مقصود الشرع أن لايسرف المكلف في الوضوء ، ولذلك إذا جمع بينهما حقق مقصود الشرع .
وقد ورد الذم عن النبي-
r- لمن أسرف في الماء في وضوئه ، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام- أنه قال:(( يأتي في آخر الزمان أقوام يعتدون في الدعاء وفي الطهور)) ، قالوا فذم الشرع الاعتداء في الطهور ، ومن الاعتداء أن يكثر الماء فإذا كان إنقاء الفم والأنف يحصل من كف واحدة فالأفضل والأكمل لاشك أنه يجمع بينهما لأنه أقرب إلى ماهو أحسن وأكمل .
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بالجمع بين المضمضة والاستنشاق فالأفضل للمتوضيء إذا توضأ أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق تأسياً برسول الله-
r- ، ولاشك أن الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول أرجح وأصح ، وأما ماورد من الأحاديث الأخر فإنه يدل على الجواز لا على الكمال والأفضلية .
وأما ما قاله أصحاب القول الأول من كونه إذا فصل بين المضمضة والاستنشاق أنه أبلغ في النقاء والنظافة التي هي مقصود الشرع ، فجوابه أن النقاء والنظافة إنما تقع بحسن الإلقاء للقذر ، وحسن تحريك الماء في الفم إذا تمضمض ، فالإنسان إذا أدخل الماء الكافي إلى فمه وأنفه وطرح القذر فإن هذا يحقق مقصود الشرع ، وأما كثرة الماء وقلته فليست هي المحك ، وإنما العبرة بكونه يبالغ في إدارة الماء ويحسن الاستنثار وطرح الماء من أنفه.
وأما قولهم " إنهما عضوان منفصلان " : فإن هذا الدليل حجة لنا لاعلينا لأن كلا من الفم والأنف يعتبران تابعين للوجه ، والوجه عضو واحد وليس بأعضاء منفصلة ، ولذلك نقول إن هذا الدليل يمكن قلبه لإصحاب القول الثاني فيقال إن الوصل أولى من هذا الوجه ، فتلخص أن الأفضل والأكمل للمكلف أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة ، والسنة إذا تمضمض الإنسان واستنشق أن يبدأ بالمضمضة قبل الاستنشاق ، ومن ابتدأ بالاستنشاق قبل المضمضة فإنه يجزئه ، ولكنه قد فاته الأفضل ، وفاته الأجر الأكمل لأنه خالف هدي النبي-
r- وهو هدي كمال وليس بهدي إجزاء ، وعلى هذا فإن الأصل أن يقدم المضمضة على الاستنشاق ثم يجعل للمضمضة حظها من الماء ، ويقسم الكف الواحدة بين الأنف والفم على الصورة المعروفة المشهورة .
قال المصنف -رحمه الله-:حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : " رَأَيْتُ النَّبِيَّ-r- مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثاً " .
الشرح :
هذا الحديث أصله في صحيح البخاري ومسلم وذلك بقصة مشهورة عن عبد الله بن زيد-t وأرضاه- وقد رواه المصنف-رحمه الله- عن عمرو بن يحي المازني أنه شهد عمر بن أبي الحسن سأل عبد الله بن زيد صاحب النبي-r- عن صفة وضوئه -صلوات الله وسلامه عليه- ، وهنا وقفة في هذا الإسناد ، وذلك أن عمر بن أبي الحسن وهو من رجال التابعين الفضلاء الأخيار الأتقياء -رحمهم الله- سأل هذا الصحابي عن صفة وضوء النبي-?- الأمر الذي يدل على فائدتين عظيمتين :
الفائدة الأولى : حرص التابعين -رحمهم الله- على معرفة هدي رسول الله-
r- ، وذلك أن الوضوء من الأمور المعروفة المعهودة ومع كبر سن هذا الرجل ومكانته يسأل صاحب رسول الله-r- عن هدي رسول الله-r- في الوضوء وهو يدل على انتفاء الكبر فيهم فكانوا يسألون عن هديه حتى في دقائق الأمور ولربما وجدت الرجل يستنكف في زماننا عن السؤال في الأمور الصعبة العويصة تكبراً على العلم والعلماء ، -نسأل الله السلامة والعافية- وهؤلاء الصلحاء الأتقياء يسألون عن أوضح الأشياء كل ذلك حباً للسنة والاقتداء بالنبي-r- وكلما كان الإنسان على صلاح وبر كلما كان أحرص على الخير ومعرفة الهدى فسأل هذا الصحابي عن صفة وضوء النبي-r-.
الفائدة الثانية : فيه دليل على حرص السلف الصالح -رحمة الله عليهم- على سؤال العلماء والاستفادة من مجالسهم فما كانت مجالس العلماء تخلو من علم يستفاد به في الدين ، ولذلك كان لزاماً على من جالس العلماء أن يحمد نعمة الله -جل وعلا- عليه بالتوفيق وتيسير تلك المجالس فيسأل عن أمور دينه ويستفيد من مصاحبتهم والجلوس معهم فسأل عبد الله بن زيد عن صفة وضوء النبي-
r- ، وفي هذه الرواية التي ذكرها الإمام الترمذي جاءت بلفظ القول ورواية الصحيحين جاءت بالفعل ، وكونه-r- يأمر بطشت يتوضأ منه-t وأرضاه- لكي يجمع بين العلم والعمل وهي طريقة مستحبة في التلقين ، ولذلك دعا بطشت أوبتورٍ من صفر ثم توضأ فيه وضوء النبي-r- ، وفعل هذه المسألة من الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة ، وهذا الحديث الصحيح يدل على ضعف حديث طلحة بن مصرف الذي فيه "أنه رأى النبي-r- يفصل بينهما " إذا كان المراد به دوام الهدي .
أما إذا حمل حديث طلحة-
t- على أنه فعله-صلوات الله وسلامه عليه- من باب الجواز فهذا محل إجماع بين العلماء -رحمهم الله- ، وقد استدل بهذا الحديث على تفضيل الوصل ، وقد روى هذا الحديث رواه الإمام الترمذي عن عبد الله بن زيد وهو الصحابي وابن الصحابي والصحابية فأبوه صحابي وأمه صحابية -رحمة الله على ذلك البيت وبركاته عليه -فقد كانت أمه أم عمارة وهي نسيبة بنت كعب وهي من أفاضل الصحابيات ، وكان لها بلاء في زمان النبي-r- وأخوه حبيب بن زيد بن عاصم بن النجاري الذي قتله مسيلمة الكذاب ونال فضل الشهادة على يديه ، وقد قيل إن عبد الله بن زيد-t وأرضاه- قتل مسيلمة أخاه حبيباً وقطعه إرباً إرباً ومثّل به-t وأرضاه- .
ومضى عبد الله بن زيد-
t- أيام الردة وقاتل مع أصحاب النبي-r- وأخذ بثأره وقتل مسيلمة الكذاب وقد قيل أنه هو الذي ابتدره ، وقيل إن وحشياً هو الذي ابتدره وأجهز عليه عبد الله بن زيد-t وأرضاه- ، وكان عبد الله بن زيد ممن شهد أحد مع النبي-r- والمشاهد بعدها .
واختلف أهل السير هل شهد عبد الله-
t- غزوة بدر أو لم يشهدها..؟؟
وذلك على قولين : فاختار الإمام الحافظ بن عبد البر أنه لم يشهد بدراً ، وهذا هو الذي مال إليه المحققون ، وقال الحاكم وابن مندة إنه شهد بدراً ، وعلى هذا القول يكون بدرياً-
tوأرضاه- قُتل هذا الصحابي يوم الحرة وهو يوم حرّة واقمٍ ، وهي الحرة الشرقية من المدينة ، فالحرة الشرقية اسمها حرة واقمٍ والغربية اسمها حرّة الوبرة ، قُتل-t وأرضاه- يوم وقعت الحرة في ذي الحجة من سنة 63 هـ وهو اليوم الذي قُتل فيه عدد من أصحاب النبي-r- ، وذلك في الجيش الذي غزا المدينة وفي ذلك يقول قيس الرقيات بيته المشهور :
فإن تقتلونها يوم حرة واقمٍ فإنا على الإسلام أول من قتل
ونال-t- فضل الشهادة ، وهذا الحديث يعتبره العلماء -رحمهم الله - برواية التفصيل ، من أجمع الأحاديث التي وصفة وضوء النبي-r- ، ولذلك قال : بعض العلماء أوضح الأحاديث في صفة وضوء النبي-r- حديث عثمان بن عفان-t- وعبد الله بن زيد وعلي بن أبي طالب ، وكذلك الرُبَيَّع -رضي الله عن الجميع وأرضاهم وجعل أعالي الفردوس مسكنهم ومثواهم -.

يقول المصنف - رحمه الله- بَاب مَا جَاءَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ

الشرح :
يقول المصنف -رحمه الله -" باب ماجاء في تخليل اللحية " : "التخليل" : مأخوذ من خُلل الشيء والعرب تصف الشيء بهذا الوصف إذاكان وسطاً بين الشيء فيقال تخلل القوم إذا جلس وسطهم ومنه خلل الباب لأنها مناسم وفتحات في الباب ، وسمي الخليل خليلاً لإن محبته قد تخللت القلب وتسربت إلى مناسمه وشعبه.
وقوله " تخليل اللحية " : سُميت اللحية بهذا الاسم لأن الشعر ينبت على اللحيين ، وإذا اجتمع اللحيان في الوجه ، في مقدم الوجه فهي الذقن .
ثم قوله -رحمه الله -" تخليل اللحية " : والمراد بتخليل اللحية أن يخللها بأصابعه أثناء غسله لوجهه حتى يتسرب الماء إلى اللحية وتخليل اللحية يعتبر من مسائل الوضوء وقد اعتنى الفقهاء والمحدثين-رحمة الله على الجميع - ببيان حكم هذه المسألة ، وذلك أن الله-
U- أمرنا بغسل الوجوه ، واللحية تنبت في وجوه الرجال.
ومن هنا يرد السؤال : هل يجب على الإنسان أن يغسل لحيته كاملة سواء كانت كثة أو كانت يسيرة أو لايجب عليه أن يغسلها..؟؟
وقد وردت عن النبي-
r- الأحاديث بصيغة القول وبصيغة الفعل تبين هدي النبي-r- في التخليل ،وقد وردت في ذلك أحاديث عن أصحاب النبي -r- بلغ عددهم أربعة عشر رجلاً من أصحابه-صلوات الله وسلامه عليه- و-رضي الله عنهم أجمعين- ، وقد اعتنى الإمام الحافظ الزيلعي في كتابه" نصب الراية " ببيان هذه الأحاديث وتخريجها ومن أشهر هذه الأحاديث حديث عثمان بن عفان-t وأرضاه- في صفة تخليله-صلوات الله وسلامه عليه- للحيته ، وهذا الحديث يعتبر من أصح أحاديث اللحية ، وفيه عامر بن شقيق ، وقد اختلف العلماء-رحمهم الله - في الحكم عليه فضعفه يحيى بن معين ، وحسن الإمام البخاري حديثه ، ولذلك صحح الحاكم وغيره حديث عثمان ، وكذلك صرح الإمام الترمذي -رحمه الله- بثبوته وهو من أقوى الأحاديث الواردة في تخليل اللحية عن رسول الله -r- .
أما الحديث الثاني فهو حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-وقد رواه الإمام أحمد في مسنده ، وقال الإمام الحافظ بن حجر إن إسناده حسن ، وهناك حديث ثالث وهو حديث أنس بن مالك-
t- وأرضاه- أن النبي-r-" توضأ فأخذ كفاً من ماء وأدخله تحت حنكه ثم خلل به لحيته ، وقال:(( هكذا أمرني ربي-U-)) ، وهذا الحديث صححه ابن القطان ، وكذلك صححه الحاكم وسكت الذهبي على تصحيحه ، قال بعض العلماء : سكوته إقرار له بالصحة ، وهذا الحديث يعتبر من الأحاديث القوية التي دلت على مشروعية تخليل اللحية ، ومن هنا قال العلماء إنها سنة ثابتة ، وبقية الأحاديث الأخر لم تخل من كلام وضعفها شديد ، فهناك أحاديث عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبدالله بن عمر وأبي الدرداء وبن أبي أوفى وأبي أمامة-رضي الله عن الجميع-، ولكن ضعفها شديد ، وهذه الأحاديث الثلاثة هي أقوى الأحاديث في تخليل اللحية ، ولذلك قال الإمام البخاري عن حديث عثمان-t- : " إنه أصح شيء في هذا الباب" ، وشدد بعض العلماء-رحمهم الله- في ثبوت الخبر عن سيد البشر-r- في تخليل اللحية ، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه :" لايثبت في تخليل اللحية عن رسول الله-r- حديث".
وكذلك روى عبدالله بن أحمد عن أبيه الإمام أحمد - رحمة الله عليهما - أنه قال : " لايثبت عن النبي-
r- في تخليل اللحية حديث "، ولكن الأحاديث التي ذكرنا قوية في الدلالة على ثبوت هذه السنة : " والمثبت مقدّم على النافي" ، ولاشك أن اختلاف العلماء ومناهجهم في التصحيح والثبوت توجب المعذرة لمن قال بالنفي والمعذرة لمن قال بالإثبات .
" تخليل اللحية " فيه مسائل ، من أهمها :
هل تخليل اللحية يعتبر واجباً أو غير واجب ..؟؟
والجواب: أن تخليل اللحية لا يخل الحكم فيه من حالتين ، تختلف بحسب اختلاف اللحية ، فلاتخل اللحية من حالتين :
الحالة الأولى : أن تكون اللحية يسيرة . الحالة الثانية : أن تكون اللحية كثة .
ومن هنا يرد السؤال : ماهو الفرق بين اللحية الخفيفة واللحية الكثة ..؟؟
وللعلماء ثلاثة أوجه في التفريق :
الوجه الأول : أن الضابط في ذلك رؤية البشرة ، فإذا كان الشعر الذي على اللحية يسيراً بحيث يمكنك أن ترى البشرة فإنها يسيرة وخفيفة ، وأما إذا كان الشعر كثيراً بحيث يستر البشرة ولا يمكنك أن ترى لونها من تحت الشعر فإنها لحية كثة .
الوجه الثاني : أن مرد ذلك إلى العرف ، فما عده العرف كثاً فهو كث ، وهي لحية كثيفة .
وماعده العرف يسيراً وخفيفاً فهو لحية خفيفة ، وهذا هو أضعف الوجوه .
الوجه الثالث : أن الفرق بين اللحية الكثة واليسيرة إذا كانت اللحية مسترسلة فهي كثة ، وإذا كانت غير مسترسلة فإنها يسيرة .
وإذا تبين لنا أن هناك فرقاً بين الخفيفة واليسيرة ، فما حكم تخليل اللحية فيهما..؟؟
والجواب :
أن أصح هذه الوجوه أن اللحية الكثة هي التي لا ترى البشرة من تحتها ، وأن اللحية الخفيفة هي التي ترى البشرة من تحتها ، ومن هنا يتبين الحكم ، فإن كانت اللحية يسيرة ترى البشرة من تحتها فإنه يجب عليك أن تغسل البشرة وتغسل شعر اللحية كاملاً ، وذلك لأن الله-?- أوجب على المكلف غسل وجهه فإذا كانت اللحيه يسيرة ترى البشرة من تحتها فإن صاحبها يواجه الناس ببشرته وشعرلحيته فأوجب الله عليه أن يغسلهما ، وأما إذا كانت اللحية شعرها كثيفاً ولايمكن للإنسان أن يرى ظاهر البشرة فإنه يجب عليه أن يخللها .
والتخليل له صورتان :
الصورة الأولى : أن يكون لظاهر اللحيه . الصورة الثانية : أن يكون لباطنها .
فأما تخليل الظاهر: فإنك تصب الماء على الوجه حتى إذا جرى بقية الماء من أسفل الوجه على اللحية أدخلت الماء في مناسمها مفرقاً بين الشعر فهذا هو تخليل الظاهر .
وأما تخليل الباطن : فإنك تأخذ الكف من الماء ثم تدخله تحت الحنك ثم بعد ذلك تخلل اللحية بالأصابع مفرقه وعلى ذلك حديث أنس بن مالك-
t وأرضاه- أن النبي-r-" أخذ كفاً من الماء و أدخله تحت حنكه ثم خلل به لحيته" فهذا هو تخليل باطن اللحية .
و الواجب على المكلف أن يخلل ظاهر اللحية بشرط أن تكون كثيفة .
وأما باطنها فقد قيل إن الاجماع على أنه لايجب على المكلف أن يخلل باطنها .
و أما ورد من قوله -عليه الصلاة والسلام-:((هكذا أمرني ربي-
U-)) فقد اختلف في هذا النوع من الصيغ خلافاً أصولياً معروفاً .
هل الأمر له بالتخصيص يدل على دخول الأمه بالتبع أولا يدل على الدخول ..؟؟
ولما دلنا ظاهر نص القرآن على أن العبرة بظاهر اللحية لا بباطنها ؛ لأن الله أمرك بغسل الوجه والوجه ماتحصل به المواجهه ومواجهة اللحية تكون بظاهرها لا بباطنها دل ظاهر القرآن من هذا الوجه على أن المكلف لا يجب عليه غسل باطن اللحيه.
و هنا مسألة : وهي هل يجب عليك أن تغسل ما استرسل من اللحية إذا كانت كثيفة..؟؟
فقال بعض العلماء الواجب على المكلف أن يغسل اللحية إلى حد الوجه وأما ما استرسل من اللحية من أسفلها فغير واجب إن أمر الماء عليه فحسن ، و إن لم يمره فإنه ليس بواجب عليه ، وقال بعض العلماء : الواجب عليه أن يغسل ظاهر اللحية سواء كانت مسترسلة أو غير مسترسلة وهذا هو الصحيح و القوي ؛ لأن المواجهة تحصل بهذا الشعر ولذلك يعتبر تبعاً لأصله ومن ثم يجب غسله لأن الله أمر بغسل الوجه و اللحية من الوجه ولذلك يجب على المكلف أن يغسله .
وبناءً على هذا فتلخيص الأحكام :
أن يقال إن اللحية لا تخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن تكون يسيرة تصف ظاهر البشرة فيجب على صاحبها أن يغسل الوجه كاملاً فيغسل البشرة ويغسل اللحية ؛ لأن المواجهة حاصلة بهما معاً.
والحالة الثانية : أن تكون كثة فحينئذٍ يرسل الماء على ظاهرها ويخلل مناسم الظاهر دون مناسم الباطن ويكون تخليل الباطن من باب الكمال وليس من باب الوجوب ، والله تعالى أعلم .

@ @ @ @ @ الأسئلة @ @ @ @ @

السؤال الأول :
إذا لم يستنشق المتوضئ الماء ويدخله داخل أنفه وإنما اكتفى بالغسل الخارجي وإدخال إصبعه مبلولاً بالماء داخل أنفه هل يجزيء ذلك أو لا يجزيء..؟؟
الجواب :
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فالاستنشاق يستلزم من المكلف أن بجذب الماء الى أعلى الخياشيم بالنفس فإذا لم يدخل الماء بهذه الصوره وبلّ أصابعه وأدخل الأصابع في الأنف فإنه ماسح لأنفه وليس بغاسل له والسنة غسل الأنف وليس مسحه ، وبناءً على ذلك يفصل في حكمه على حسب اختلاف العلماء فإن قلنا إن الاستنشاق واجب وفرض من فروض الوضوء فلا يصح وضوؤه على هذا الوجه وإن قلنا بالسنية فلا أجر له في هذا الفعل ؛ لأنه لم يستنشق حقيقة وقد خالف هدي رسول الله-
r- ، والله تعالى أعلم .
السؤال الثاني :
هل ترتيب الأعضاء في الوضوء واجب ؟ وهل على من فعل ذلك وصلى به الفريضة شيء..؟؟
الجواب:
الترتيب يعتبر من فرائض الوضوء ؛ لأن الله رتب أعضاء الوضوء ومن الأدلة القوية على وجوبه ولزومه أن الله -تعالى- أدخل ممسوحاً بين مغسولين فقال-
U-:{ يَاأَيٌّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا برُؤوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إِلى الْكَعْبَينِ}1 فلما قال :{وَامْسَحُوا برُؤوسِكُمْ } وكان قبلها قد أمر بغسل الوجه ثم أمر بعدها بغسل الرجلين فُهم من هذا ان الترتيب مقصود والعرب تدخل الممسوح بين المغسولين على هذا الوجه للدلالة على تأكد الترتيب وإلا لو كان الترتيب غير لازم لذكر المغسولات تبعاً ثم أتبعها بالممسوح أو ذكر الممسوح ثم أتبعه بالمغسول ولذلك لابد من مراعاة هذا الترتيب .
ثم الأمر الثاني أن النبي -
r- قال:(( توضأ كما أمرك الله)) كما في حديث السنن والله أمرنا على هذه الصفة التي وقعت فيها أعضاء الوضوء تبعاً مرتبة وعليه فإنه ينبغي مراعاة هذا الترتيب .
وأما الأمر الثالث فلان هديه -صلوات الله وسلامه عليه- بمراعاة الترتيب ولم يثبت عنه حديث صحيح أنه لم يرتب بين أعضاء وضوئه -صلوات الله وسلامه عليه- ، وبناءً على ذلك فإنه يعتبر الترتيب فرضاً من فرائض الوضوء .
أما بالنسبه لهذه الفرضية ففيها تفصيل إن كان الترتيب بين مفروض ومفروض ففرض ، مثل غسل الوجه واليدين فلاتغسل اليدين إلا بعد غسلك لوجهك ومن غسل يديه قبل وجهه فإنه يلزمه أن يغسل وجهه أولاً ثم يغسل يديه بعد ذلك ، أما الترتيب بين المسنون والمسنون كالمضمضه والاستنشاق فلو قدم الاستنشاق على المضمضه فإنه يجزيه ويصح منه ذلك ولكنه قد فاتته السنه وفاته هدي النبي-
r- وهكذا الترتيب في العضو الواحد ليس بفرض كاليدين والرجلين فلك أن تغسل اليسرى قبل اليمنى ولو سألك رجل عن رجلٍ غسل يده اليسرى قبل يده اليمنى لحكمنا بصحة وضوءه ؛ لأن الله-تعالى-قال :{ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى الْمَرافِقِ} وقال :{وأَرْجُلَكُمْ إِلى الْكَعْبَينِ} ومن غسلهما مرتين أو غير مرتين حقق الواجب الذي أمر الله-u- به ، وبناءً على ذلك فمسألة الترتيب فيها تفصيل فإن كان فرضاً مع فرض فإنه يجب أن يراعي الترتيب بينهما وإن كان مسنوناً مع مسنون فإنه لا يجب عليه ويعتبر ترتيبه فضلاً لا فرضاً ، والله تعالى أعلم.
السؤال الثالث :
إذا احتلم رجل ثم اغتسل للتنظف لا للجنابه هل يجزئه ذلك عن غسل الجنابة ..؟؟
الجواب :
هذه المسألة فيها قولان للعلماء -رحمهم الله-جمهور أهل العلم أن من اغتسل مثلاً لنظافة أو لطلب البرد في شدة الحر وكانت عليه جنابة فإن الجنابة لا ترتفع ولابد أن ينوي بغسله العبادة وأن غسله للعادة والتنظيف ونحوها لا يجزيه عن غسل العبادة وهذا هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية-رحمة الله على الجميع -يقولون لابد من النية في الغسل وهي شرط لصحته فإن وجدت النيه صح غسله وإلا فلا .
القول الثاني : أن النية ليست بشرط فإن فعلها أكمل وأفضل وإن لم تك نية فإن غسله مجزيء وصحيح وهذا هو مذهب الحنفية وقال به بعض السلف -رحمة الله عليهم- يقولون من دخل الى بركة ماء أو إلى سيل أو في نهر أو في بحر وانغمس فيه وكانت عليه قبل جنابة أو امرأة دخلت في بركة وكانت قد انتهت وطهرت من نفاسها أو طهرت من حيضها فإنها لولم تنوي بهذا الغسل العبادة يجزيها عن غسل العبادة وهذا القول مرجوح والصحيح أنه لابد من النية والدليل قوله -تعالى-:{ومَا أُمِرُو إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ }1 وقوله-تعالى-:{ فاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصَاً لَهُ الدِّينِ}1 والغسل عبادة بل هو شرط في صحة العبادة وأما الدليل الثاني الذي يدل على لزوم النية فهو قوله -عليه الصلاة والسلام- :(( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ مانوى)) حيث دل هذا الحديث بمنطوقه على أن اعتبار الأعمال وثبوت صحتها مبني على النية فمن نوى العبادة صحت له العبادة ومن نوى العادة فإنها لاتجزيه عن العبادة بل لابد وأن ينويها ، وبناءً على ذلك فمن من اغتسل لعادته من نظافة أو طلب برد في شدة حر فإنه لا يجزيه غسله ذلك عن الغسل الواجب في المسألة الماضية فقهاء الحنفية ومن وافقهم يقولون لا نشترط النية لصحة الوضوء ولا لصحة الغسل ووجه ذلك أنهم يقولون إن الله- تعالى- أمر المكلفين أن يغسلوا وجوههم وأيديهم ويمسحوا برؤوسهم ويغسلوا أرجلهم وأمرهم أن يطهّروا فهذا الرجل الذي دخل في البركة وكانت عليه جنابة قد فعل ماأمر الله به كونه ينوي أو لا ينوي هذا شيء زائد عن القرآن فهذه من أدلتهم يقولون إن الله أمرنا بالوضوء والغسل ومن دخل بدون نية فقد توضأ واغتسل ، ومن الجواب عن ذلك وهو من ألطف الأجوبة لبعض الأئمة -رحمة الله- عليهم أن النبي-
r- قال : (( الطهور شطر الإيمان)) والمراد بالإيمان الصلاة فإن الله-تعالى- سمى الصلاة إيماناً كما في قوله- تعالى-:{ وَمَاكَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ } فقوله : (( الطهور شطر الإيمان)) فإذا قلت بأن الطهور الشامل للوضوء والشامل بلفظه شامل للوضوء وشامل للغسل شطر الإيمان وهي الصلاة والحنفي يوافقك أن الصلاة لا تصح بدون نية فحينئذ إذا كانت شطراً فإنه تجب وتلزم لها النية كما تجب وتلزم للصلاة التي هي شطر ونصيف معها ، والله تعالى أعلم .
السؤال الرابع :
هل تخليل اللحيه يكون وقت غسل الوجه أو بعد الوضوء..؟؟
الجواب :
التخليل يكون وقت غسل الوجه فإذا أراد الإنسان أن يخلل لحيته وكان واجباً عليه أن يخلل ظاهرها فإنه يكون أثناء الوضوء ، وأما لو أخره إلى مابعد الوضوء فغسل وجهه إلى حد الذقن ثم ترك التخليل ثم بعد إنتهائه من الوضوء خلل ظاهر لحيته فإنه حينئذ يلزمه أن يرجع فيغسل يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه لأنه لم يغسل عضو الوجه كاملاًوالترتيب كما قلنا شرط في صحة الوضوء فالترتيب كما أنه لازم لغسل العضو كله لازم لغسل بعضه ولذلك قالوا من توضأ فترك قدراً من يده ثم نظر بعد وضوئه مباشرة ويده مبلوله فرأى أن هناك لمعة لم يصبها الماء فإنه يغسل هذه اللمعة ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه ، -أعني أن يقوم بفرض الله فيما بقي من الفرائض التي بعد اليد الناقصة-وعلى هذا فمن غسل وجهه ولم يخلل لحيته في القدر الواجب تخليله فإنه قد ترك جزءاً من وجهه فيلزمه أن يرجع ويغسل هذا الجزء ثم بعد ذلك يتم مابقي من وضوئه وحملوا حديث أنس بن مالك أنه أخذ كفاً من ماء وخلل به لحيته على أنه تخليل الباطن على أنه بعد الوضوء على سبيل الندب والإستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب ، والله تعالى أعلم.
السؤال الخامس:
هل تخليل اللحية واجب في الغسل والوضوء أم هو واجب في الغسل وسنة في الوضوء..؟؟
الجواب:
تخليل اللحية في الغسل أشد منه في الوضوء وهذا كالمضمضة والاستنشاق.
وتوضيح ذلك : أننا في الغسل أمرنا الله-تعالى- بغسل ظاهر البدن فتدخل اللحية ظاهرها وباطنها بل ويدخل أصول الحيته فلابد على المغتسل من الجنابة أن يخلل الماء إلى أصول لحيته ، ولو كانت كثيفة وهذا قول جماهير العلماء -رحمة الله عليهم- أن اللحية في الغسل من الجنابة يعتبر من الفرض أن تخللها وأن توصل الماء إلى أصولها كالرأس فكما أن شعر الرأس يجب عليك غسله ، وكذلك إرواء أصله قالت أم المؤمنين-رضي الله عنها-:" ثم أفاض الماء على رأسه وجعل يدلك بكلتا يديه حتى إذا ظن أنه روّى أصول شعر رأسه "فدل على لزوم غسل البشرة ظاهراً وأن ذلك شامل الشعر واللحية وأصول هذا الشعر ، وبناءً على ذلك فأمر التخليل في الغسل أشد منه في الوضوء ، والله تعالى أعلم.
السؤال السادس :
هل التخليل يكون بعد كل غسلة أم أنه بعد الغسلة الأخيرة ..؟؟
الجواب :
التخليل يكون في كل غسلة إذا كان الغسل للوجه ثلاثاً فإنه في كل غسلة يخلل حتى يصيب فضيلة التثليث أما لو أخره إلى أخر غسلة فإنه قد غسل وجهه مرة واحدة هذا على أن ما يخلل تبعاً للوجه وهذا هو أصح الأقوال كما ذكرنا ، والله تعالى أعلم .
السؤال السابع :
هل يلزم المرأة المسح على ما استرسل من شعرها إن كان طويلاً..؟؟
الجواب :
يقول بعض العلماء : إن العبرة في شعر المرأة بما يحاذي محل الفرض والمسح أخف من الغسل وهذه المسأله ينظرونها على مسألة اللحية في المسترسل فالذين لا يرون غسل المسترسل من اللحية يقولون ألا ترون أنه لا يجب على المرأة أن تغسل المسترسل من شعرها إلحاقاً للحية وقد أُجيب بضعف الممسوح عن المغسول ويلزم في المغسول مالايلزم في الممسوح بل إن الشرع لما أوجب غسل هذا دل على تأكده أكثر من الممسوح .
من الأدله اللطيفة التي يقرر بها العلماء قاعدة الفرق بين المغسول والممسوح يقولون إن الرجلين أمر الله بغسلهما فإذا جئت تغسلهما في الوضوء لابد وأن تستوعب الرجلين في الغسل لكن إذا لبست الخفين فإنك تعدل من الغسل الى المسح فلما مسح-صلوات الله وسلامه عليه- مسح على خفيه خطوطاً حتى الظاهر لم يستوعبه بالمسح فدل على أن الممسوح أخف من المغسول مع أنك في عضو واحد وهو الرجل وهذا لا شك أنه تقعيد نفيس وهو يدل على فقه الله الذي فقّه به علماء الأمه ، والله تعالى أعلم.
السؤال الثامن :
هل دم الحامل-الحبلى- حيض أم هو دم فساد وهل تصلي المرأة إذا رأت هذا الدم..؟؟
الجواب :
قد اختلف العلماء-رحمهم الله- هل الحامل تحيض أو لا تحيض وأصح القولين والعلم عندالله أن الحامل لا تحيض ، وأن ماتراه من الدم يعتبر دم فساد وعله لا يوجب انقطاعها عن صلاة وصيام ولا بطلان حجها إذا طافت طواف الركن به وعلى هذا فإن جميع مايكون أثناء حملها من الدماء يعتبر من دم الاستحاضة الذي لايوجب حكماً .
وأما إذا كان هذا الدم من الحامل قبل ولادتها بيوم أو يومين إلى ثلاثة أيام فللعلماء فيه وجهان منهم من يقول إنه دم نفاس سبق أوانه وهذا يختاره جمع من أصحاب الإمام أحمد-رحمة الله عليه- ويستدل له بالقاعده المشهوره :" أن ماقارب الشيء أخذ حكمه" فإذا كانت المرأه قد اكتملت مدة حملها وأخرجت أو نزل معها نزيف قبل الولاده بيوم أو يومين فهو دم نفاس سبق إبَّانه ، ومنهم من قال : إنه ليس بدم نفاس وإنما هو دم فساد وعلّه طرداً للأصل لأن الاستصحاب في هذا أقوى وأولى وهو من جهة النظر أقوى القولين والثاني أحوط ، والله تعالى أعلم .
السؤال التاسع :
إمرأة تسأل وتقول : يحدث بعد استعمال جهاز اللولب أن تطول مدة الحيضة إلى خمسة عشر يوماً مع العلم أن الدم ينقطع في الخمسة أيام الأخيرة ولكن تبقى الصفرة حتى بعد الخمسة عشر يوماً فهل تعتبر كل هذه الفترة حيضاً تمنع من الصلاة أو الصيام وما هي علامة الطهر..؟؟
الجواب :
في هذه المسألة ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : هل يجوز استعمال هذه الآلات ووضعها في الموضع والذي يسمى اللولب فالذي ظهر بعد دراسة هذه المسأله والنظر في حجج من قال بالجواز أنه لايجوز وضع هذه ألآلات وهي مخالفة لمقصد الشرع مع وجود الضرر واختلال عبادة النساء وأضف إلى ما فيه من الكشف ولمس الأجنبي لعورة المرأة واطلاعه على ذلك الموضع وكلها محاذير شرعية ثقيلة وردت بها النصوص في سنة النبي-
r- تحرمها وتؤكد تحريمها وتشدد فيها فالذي تطمئن إليه النفس أنه لا مساغ ولا مجال لهذا الذي يسمى اللولب وأنه محرم ولا يجوز وضعه ولا يجوز للطبيب أن يضع هذه الآلة وتعتبر جراحتها محرمة لما ذكرناه .
أما بالنسبة للمسألة الثانية وهي لو وضعت المرأة اللولب ثم اختلّت عليها عادتها.
فحينئذ لا تخلو المرأة من حالتين :
الحالة الأولى :
أن تكون لها عادة تذكرها فإذا كانت لها عادة تذكرها قبل وضع اللولب فإنها ترجع إلى عادتها لأن النبي-
r- قال:(( لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فإذا هي خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتصلي)) فدل هذا إلى ردها الى العادة إذا كانت لها عادة.
أما الحاله الثانية : إذا لم تكن لها عادة أو كانت لها عادة ونسيت هذه العادة فحينئذ تعتد بالست والسبع لقوله -عليه الصلاة والسلام-:(( تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)) فالست هي كمال الحيض والسابع هو الذي يكون فيه بعض الأحيان دلائل النقاء ولا يكون محضاً بالنقاء ولذلك أُضيف إلى السادس فأصبح الحيض في هذه الحالة للمتحبرة ستاً أو سبعاً وهذا الحديث قد حسنه أئمة كالإمام البخاري -رحمة الله عليه-وغيره من أئمة الحديث.
وبناء على على ذلك ترد الى ست أو سبع فيقال لها تحيضي في علم الله ستاً و سبعاً فأو بمعنى" الواو" أي تحيضي ستاً و سبعاً والعرب تستعمل "أو " بمعنى "الواو" كما هو مشهور ومعروف كقوله-تعالى-:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى} فإن لله لا يشك والمراد وأدنى فالمقصود أنها تتحيض ستاً وسبعاً أي تتحيض سبعة أيام.
أما ماسألت عنها من الصفرة والكدرة فالصفرة والكدرة فيها قولان مشهوران أصحهما أن الصفرة والكدرة إن كانت في زمان الحيض وإبان الحيض وعادتها التي تحيض فيها .
مثال ذلك : إمرأة من عادتها تحيض أول الشهر فرأت الصفرة والكدرة في مثل أيام عادتها من أول الشهر فإنها حيض وإن رأت الصفرة والكدرة بعد أيام الحيض أو في غير أيام حيضها وهي أيام الطهر والنقاء فإنها ليست بحيض وعليه حُمل حديث أم عطية في الصحيح :" كنا لا نعد الصفرة والكدرة على عهد رسول الله بعد الطهر شيئاً "فمفهوم هذا الحديث أنها قبل الطهر معتد بها وبعد الطهر غير معتد بها ولذلك صار أرجح الأقوال في هذه المسألة قول من قال بالتفريق في الصفرة والكدرة بين أن تكون قبل دم الحيض أو زمان الحيض وبين أن تكون في زمان الحيض وإبان الحيض.
والمسألة الأخيرة : في هذا السؤال : ماهي علامة الطهر..؟؟
علامة الطهر هناك علامتان لطهر المرأة من الحيض والنفاس علامة منها اتفق العلماء عليها وهي التي يسميها العلماء العلامة القوية وهي القصة البيضاء وهي العلامة الأولى : وهي تختلف باختلاف النساء ولكن ضابطه الذي قاله العلماء إنه ماء كالجير الأبيض يخرج بعد تمام العادة يعرفه النساء هذا الماء إذا خرج فهو تمام العادة والدليل عليه ما جاء عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- في صحيح البخاري " أنه كان النساء يبعثن اليها الدُّرجه يعني " الخرقة" فيها الكرسف وهو القطن فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض فكانت تقول " انتظرن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" قال العلماء : فقولها : "حتى ترين القصة البيضاء " يدل على أن علامة الطهر هي القصة البيضاء وهو الماء الذي ذكرناه كالجير.
وأما العلامة الثانية : وهي التي اختلف فيها العلماء فهي الجفوف وهذه العلامه يصار إليها عند تعذر العلامة الأولى والجفوف مأخوذ من جف الشيء إذا انقطع وجف الوادي إذا انقطع ماؤه والمراد بذلك أن يجف فرج المرأه وضابط هذا الجفاف أن تُدخل المرأه القطن فيخرج القطن نقياً لا دم فيه فإذا فعلت ذلك المرات والكرات فقد تبين جفوف الموضع فاختلف العلماء هل إذا فقدت القصة البيضاء يعتبر جفوف فرجها دليلاً على طهرها كالقصة البيضاء عند تعذرها ، فمنهم من قال : هو نقاء وطهر ، ومنهم من قال : ليس بنقاء وطهر والأقوى أنه نقاء وطهر لأن العبرة بوجود الدم فإذا خلفت الدم وانقطع الدم فإنه حينئذ يعتبر الحكم بطهارتها سائغاً وهذا هو على ظاهر التنـزيل:{حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ }1 فقوله:{حَتىَّ يَطْهُرْنَ }يدل على أن الموضع قد طهر ونظف والنظافة تدل على انقطاع الدم ، وبناءً على ذلك يعتبر انقطاع الدم بالجفوف والنقاء دليلاً على الطهر.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيَّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن