دروس زاد المستنقع

تابع باب الخيار ( لم يراجع من قبل الشيخ )


تابع باب الخيار ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب كتاب المعاملات

P

قال المصنف-رحمه الله- : [ السابع : خيار لاختلاف المتبايعين ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فيقول المصنف-رحمه الله- : [ السابع : خيار لاختلاف المتبابعين ] : أي النوع السابع من أنواع الخيار ، خيار يقع لعلة اختلاف المتبايعين ؛ والسبب في ذلك أن المتبايعين إذا وقع بينهما خلاف إما في قدر الثمن أو في صفة المبيع أو في صفة عقد البيع فإنه في هذه الحالة لا بد من الفصل بينهما ، فإما أن يعتبر قول البائع وإما أن يعتبر قول المشتري وإما أن يسقط القولان أو يتحالفا فيكون لكل واحد منهما فسخ البيع ، ونظراً لوجود التخيير في حال الحلف أو في حال سقوط القولين فإنه من المناسب أن يذكر هذا في باب الخيار .

ومن المعلوم أن البيع يفتقر للإلزام به إلى رضا الطرفين فإذا تراض الطرفان على بيع السلعة وشرائها بثمن معين فقد لزم البيع للباذل وهو البائع ولزم البيع للمشتري وهو الآخذ ، وبناءً على ذلك لا يكون لأحدهما خيار بناء على الأصل ، لقوله-تعالى- : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود } فالأصل أنه إذا بيعت السلعة فأوجب البائع وقبل المشتري أننا نلزم البائع بالبيع ونلزم المشتري بدفع الثمن لكن إذا حصل الخلاف بينهما فإن الخلاف يمنع الرضا الذي من أجله وعلى أساسه حكم بصحة البيع قال الله-U- : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم } فأحل الله لنا صفقة البيع والتجارة بشرط وجود الرضا فإذا اختلفا انعدم الرضا وفسد الرضا منهما فهذا يقول بعت السلعة بعشرة والثاني يقول اشتريتها بثمانية ، وهذا يقول بعت العمارة بعشرة آلاف والآخر يقول بل اشتريتها بتسعة آلاف ، فمعناه أن البائع قد بذل هذه الصفقة  - أعني العمارة - مثلاً بعشرة آلاف ورضي أن يأخذ العشرة في مقابل سلعته فإذا قال المشتري بل بثمانية ، فمعنى ذلك أن الذي حصل الرضا عليه ليس بموجود ومن هنا يكون الخيار في البيع على تفصيل سيذكره المصنف-رحمه الله- إذا وقع الخلاف بين المتعاقدين فهناك أحوال :

الحالة الأولى : أن يوجد الدليل الذي يرجح قول البائع أو قول المشتري قال البائع مثلاً بعتك سيارتي هذه بعشرة آلاف ، قال المشتري اشتريتها بثمانية آلاف ، فوقع الخلاف بينهما ، فقال المشتري عندي شاهدان عدلان يشهدان أنك بعتها لي بثمانية آلاف فأقام البينة الشاهدين العدلين فحينئذٍ الحكم سيكون لقول المشتري والبيع تام بثمانية آلاف ويلزم البائع بدفع السلعة بثمانية آلاف ولا خيار ؛ لأنه قد قام الدليل على ترجيح قول المشتري والحق حقه ، والعكس لو أن البائع قال بعتها بعشرة آلاف فقال المشتري بل اشتريتها بثمانية آلاف قال البائع : عندي شهود يشهدون أنك قد رضيت اشترائها بعشرة آلاف فأقام شاهدين عدلين على أنه اشترى منه بعشرة آلاف فحينئذٍ القول قول البائع ويلزم المشتري بدفع عشرة آلاف وهكذا لو أقام أحدهما شاهداً وحلف اليمين معه لأن النبي-r- قضى للشاهد مع اليمين هذه الحالة الأولى أن توجد البيّنة التي ترجح أحد القولين على الآخر .

الحالة الثانية : أن يحصل الصـلح والتراضي فيرضى البائع بقول المشتري أو يرضى المشتري بقول البائع ، قال البائع : بعتك سيارتي بعشرة آلاف ، قال المشتري : بل اشتريتها بثمانية آلاف ، قال البائع : أنا متأكد أنني بعتها بعشرة آلاف ، فقال المشتري : أنت ثقة عندي ، وما تقوله أقبله ، إذاً رجعت إلى قولك بعشرة آلاف فرضي المشتري بقول البائع أو العكس ، قال البائع : بعتك سيارتي بعشرة آلاف ، قال المشتري : بل اشتريتها بثمانية آلاف ، قال البائع للمشتري : أنت عندي ثقة وأقبل قولك . إذاً رضيت بثمانية آلاف حينئذٍ إذا رضي أحد الطرفين بقول الآخر نقول : يحكم بالبيع بما تراضيا عليه لأن حقيقة البيع قائمة على الرضا فإذا تراضيا واصطلحا بعد الخلاف فحينئذٍ لا إشكال لكن الإشكال إذا وقع الخلاف بينهما ولم توجد بينة ولم يوجد الصلح والتراضي منهما فما الحكم ؟

في بعض الأحيان توجد البينة من الطرفين هذا عنده بينة وهذا عنده بينة وإذا تعارضت البينتان سقطتا على تفصيل - سيأتي إن شاء الله في باب القضاء والبينات - لكن الذي يهم هنا أنه يقع الخلاف بينهما على وجه لا يمكن الترجيح أي أن نرجح أحد القولين على الآخر .

فقال-رحمه الله- : [ خيار لاختلاف المتبايعين ] : أي النوع السابع من أنواع الخيار أن يقع الخلاف بين البائع والمشتري في قدر الثمن أو جنس أو نوع الثمن أو صفة المبيع أو صفة البيع هل هو عاجل أو آجل بالتقسيط أو بالنقد إلى آخره .. فيختلف المتبايعان فيقع الخيار على تفصيل سيذكره المصنف .

[ فإذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا ] : يقول-رحمه الله- : [ فإذا اختلفا في قدر الثمن ] هذا النوع الأول من الخلاف أن يقع الخلاف في قدر الثمن أنت تقول : اشتريت هذه العمارة بعشرة آلاف ريال ، البائع يقول بعتها بثني عشر بعتها لك بعشرين ، الغالب إذا وقع الخلاف بين البائع والمشتري في قدر الثمن يكون البائع يدعي الأكثر والمشتري يدعي الأقل ؛ لأن الأحظ للبائع الأكثر والأحظ للمشتري الأقل وتقع الكثرة والقلة إما من جهة القدر وإما من جهة النوع ، من جهة القدر مثل ما ذكرنا ، يقول البائع بعتها بعشرين ويقول المشتري : اشتريتها بعشرة هذا قدر الثمن لكن نوع الثمن مثلاً : لو كان هناك عملتان : الريالات والدولارات لو قال له بعتك بعشرة آلاف يتفقان على القدر ويختلفان في النوع يقول بعتنيها بعشرة آلاف ، قال : نعم بعتكها بعشرة آلاف لكن دولارات ، قال الآخر : لا ، بل ريالات ، فالذي يدعي الأكثر وهي الدولارات يكون البائع ، والذي يدعي الأقل هو المشتري هذا الخلاف النوع الأول : خلاف الثمن ، يتحالفان والأصل في ذلك حديث عبدالله بن مسعود-t- أن النبي -r- قال : (( إذا اختلف المتبايعان تحالفا )) وهذا الحديث اختلف العلماء في سنده ، ورجح غير واحد أنه بمجموع الطرق حسَنٌ قابل للاحتجاج والعمل به عند أهل العلم-رحمهم الله- أنهما يتحالفان ويفسخان البيع ، وقد فعل ذلك عبدالله بن مسعود كما روى سعيد بن منصور في الرواية المشهورة أنه باع عبدالله بن مسعود للأشعث بن قيس-رضي الله عنهما- باع له رقيقا فقال الأشعث بعتني بعشرة ، وقال عبدالله بن مسعود : بل بعتك بعشرين فلما اختصما ولم يفصلا رده عبدالله إلى هذه السنة ، فالسنة أنهما إذا اختلفا في قدر الثمن يُرجع إلى التحالف ، إن أمكن الفصل عن طريق البينة كما ذكرنا لا إشكال ، لكن الاشكال أن لا توجد بينة لأحدهما أو توجد بينتان متعارضتان لا يمكن ترجيح إحداهما على الأخرى فحينئذٍ يتحالفان فيحلف البائع ويحلف المشتري ثم بعد ذلك يفسخ البيع بينهما وإذا أَحَبَّا أن يعقدا عقداً جديداً أو صفقة جديدة فذلك لهما .

[ يحلف البائع أولاً ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا ] : [ يحلف البائع أولاً ] : الحلف واليمين حجة في القضاء وهذه الحجة تستعمل في مواضع ولذلك جعلت أولاً لجانب المُنْكِر فإن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فلو ادعى رجل على رجلٍ مالاً ولم يكن للمدعي بينة فإنه يُطالب المدعى عليه بالحلف :

والمدعي مطالب بالبينه                وحالة العموم فيـه بينه

والمدعى عليه باليمين                في عجز مدعٍ عن التبيين

فالمدعى عليه مطالب باليمين إذا عجز المدعي عن البينة فاليمين حجة في حال الإنكار ، وكذلك أيضاً حجة في بعض المواضع التي خصها الشرع مثل : تقوية الشاهد كقضائه-r- بالشاهد مع اليمين وهي حجة في دفع الحد عن الزوج والزوجة كما في اللعان فشهادة الرجل تكون أربعة أيمان بالله { إِنَّهُ لَمِـنَ الصَّادِقِينَ @ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ @ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } ثم تشهد الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين هذا كله رجوع إلى اليمين كذلك القسامة حينما يوجد اللوث والعداوة بين المقتول وبين جماعة ثم يدعي أولياء المقتول أنه قتله فلان من أعدائه فيحددون الشخص الذي يتهمونه بالقتل ثم يحلفون خمسين يميناً كما فعل رسول الله-r- في قضية خيبر حينما أذن-r- بحلف الخمسين يميناً لإثبات دعوى قتل يهود للصحابي-t- فقال-r- لأولياء المقتول : (( تحلفون خمسين يميناً فتستحقون دم صاحبكم  )) فاليمين حجة وهنا إذا كانت حجة في الدماء وحجة في الإنكارات وحجة في الحقوق المالية فإنها ، كذلك حجة هنا فيحلف البائع أولاً أنه ما باع بكذا أي الذي ادعاه المشتري وإنما باع بكذا وهو الذي يدعيه أنه أمضى البيع أو أوجب البيع عليه فمثلاً إذا اختلفا في عمارة فقال البائع : بعتها بعشرين وقال المشتري : بل اشتريتها بعشرة يحلف البائع أنه والله ما باعها بعشرة إذا قال المشتري بعشرة وإنما باعها بعشرين هذا بالنسبة لليمين الأول يمين البائع .

[ ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا ] : فإذا انتهى البائع من الحلف طولب المشتري بالحلف فلا يخلو المشتري من حالتين :

الحالة الأولى : إما أن يتورع أو يقول ما دام أنه حلف اليمين أنا أقبل اليمين فحينئذٍ يلزمه ما حلف عليه البائع يسمى هذا نكولاً إذا نكل وقال لا أحلف وامتنع من الحلف أو رضي اليمين من البائع ثم أمضى البيع فلا إشكال حينئذٍ يلزمه الثمن الذي حدده البائع ، مثال ذلك : قال البائع والله ما بعتها بعشرة وإنما بعتها بعشرين ألفاً ، قيل للمشتري : احلف أنك اشتريت بعشرة ولم تشتر بعشرين قال : لا ، لا أحلف ويمتنع هذا نكول يقضي عليه القاضي بالنكول أو يقول ما دام أن فلاناً قد حلف فقد رضيت يمينه وهذه اليمين أنا أقبلها وأصدق بها فحينئذٍ تلزمه العشرين ويلزم بالبيع بعشرين ألفاً .

[ ثم يحلف المشتري ] : فيمين المشتري دلت هذه الجملة على أن حلف البائع يسبق حلف المشتري فيبتدئ أولاً البائع ثم يتبعه المشتري بيمينه بعد ذلك ، اليمين في البائع والمشتري تتضمن الجملتين جملة للنفي وجملة للإثبات فالبائع يثبت ما يدعيه وينفي ما يدعيه المشتري والمشتري بعكسه فإذا كان الخلاف بين العشرة والعشرين فالبائع يحلف أنها ما باعها بعشرة أولاً وإنما باع بعشرين والمشتري يحلف أنه ما اشترى بعشرين وإنما اشترى بعشرة فإذاً كلتا اليمينين قائمة على نفي وإثبات فيحلفان على النفي أنهما اشترى بكذا وإنما اشترى بكذا ، إنما يجعل الإثبات بعد النفي لأنه ينفي أولاً حتى يثبت بعد ذلك ما يدعيه فيكون نفيه لما يدعيه خصمه موجباً لإثباته لما يدعيه بعد ذلك بيمينه .

[ ولكل الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر ] : [ ولكلٍ ] يعني كل من البائع والمشتري .

[ الفسخ ] : أي حق الفسخ البيع إذا لم يرض بقول الآخر حلف الاثنان ثم لما تحالفا لم يرض البائع بقول المشتري ولا المشتري بقول البائع حينئذٍ يفسخان البيع .

[ فإن كان السلعة تـالفة رجعا إلى قيمة مثلها ] : الفاء هنا للتفريع إذا قلنا إنهما يتحالفان فلا يخلو الحال - أيضاً - من صورتين :

الصورة الأولى : إما أن تكون السلعة موجودة ، مثال : لو أن رجلاً باع عمارة ثم اختلف مع المشتري في القيمة والعمارة موجودة فيحلف البائع ويحلف المشتري ونرد العمارة للبائع والثمن المدفوع للمشتري هذا متى ؟ إذا اختلفا والعمارة موجودة لكن المشكلة لو أن الخلاف وقع بعد التلف وهذا كثيراً ما يقع في الأطعمة في بيع الأطعمة كأن يبيعه طعاماً ويكون الثمن إلى أجل كأن يقول مثلاً في نهاية الشهر تدفع أو مثلاً بعد أسبوع أو أسبوعين قال : رضيت . ذهب المشتري وأخذ الطعام فأكله أو تصرف فيه فتلف أو نفذ ثم جاء يدفع العشرة التي في ظنه أن الاتفاق كان قائماً عليها فلما أراد أن يدفع العشرة قال البائع : ما بعتك بعشرة وإنما بعتك بعشرين فحينئذٍ يختلفان وهي الصورة الثانية والسلعة مفقودة وهو الذي عبر عنها المصنف-رحمه الله- بقوله : [ تالفة ] إما أنها استهلكت بالأكل وإما تلفت حقيقة وإما أنها يعني لم تعد موجودة بأي وسيلة كانت المهم أن السلعة ليست موجودة .

فحينئذٍ يرد الإشكال : إذا حصل التحالف بين البائع والمشتري والطعام قد أُكل كأن يكون علفاً للدواب-أكرمكم الله- أو يكون طعاماً للناس فأكله فحينئذٍ ما الحكم ؟

لا يستطيع أن يرد الطعام ولا يستطيع أن يعيد العلف إلى حالته فيرده لأن البيع قد فسخ وإذا فسخ البيع وجب رد الطعام ووجب رد المبيع ، والطعام لا يمكن رده في هذه الحالة قال حينئذٍ إن كانت السلعة تالفة وجب ضمان القيمة أي قيمة السلعة .

[ رجعا إلى القيمة مثلها ] : في هذه الحالة نرجع إلى القيمة لأن هناك باب الضمان ، الضمان في المتلفات ، إما أن يكون بالعين إذا كانت العين موجودة أو يكون بالمثل إذا كانت العين مفقودة ينظر إلى مثلها ثم بعد ذلك ينظر إلى قيمة مثلها . يرجع إلى قيمة مثلها الطعام الذي استنفذ وأكلته البهائم أو أكله المشتري ننظر إلى أوصافه ثم نسأل في السوق قيمة المثل وقيمة المثل يرجع فيها إلى السوق وأهل الخبرة يُسأل أهل الخبرة هذا الطعام الذي صفته كذا وكذا كم قيمته ، قالوا خمسون والخلاف بينهم هل باعه بسبعين أو بستين مثلاً أو بأقل فحينئذٍ يلزم بدفع قيمة المثل وعلى هذا يكون المشتري مطالباً بدفع القيمة التي هي مثل الشيء المستهلك سواء كان من الطعام أو من العلف أو غيره يلزمه أن يدفع قيمة المثل لأنه إذا تلفت العين وجب ضمان قيمتها على الأصل الذي سبقت الإشارة إليه .

[ فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ ] : انظروا كيف المصنف يرتب الأفكار في الحالة الأولى تكون السلعة قائمة وجب الرد إذا كانت السلعة تلفت وجبت القيمة لكن وجبت القيمة إذا اتفقا على صفات الطعام ثم من عادة الفقهاء-رحمهم الله- أنهم إذا أعطوا حكماً وهذا طبعاً من فضل الله-U- عليهم تعلمون أن هذه الكتب ألفها علماء وهؤلاء العلماء منهم من يؤلف بعد عمر يعني بعد أن يتعلم ويُعلِّم ويقضي ويفتي ويدرس فهي حصيلة خبرة ومعرفة طويلة يعني الفقهاء-رحمهم الله- لا يؤلفون خاصة في الأزمنة القديمة كان التأليف حِجراً على العلماء الذين هم أهل للتأليف لأنه لو ألف من ليس بأهل كُشِفَ عواره فكان لا يستطيع أحد أن يكتب متناً أو يؤلف إلا بعد أن يكون أهلاً لذلك فهو يذكر لك الأمور مرتبة ؛ لأنه من خبرة القضاء ومن خبره الفتوى مما يمر عليهم أنهم يذكرون المسائل المترتبة على الحكم فأنت إذا جئت تقول : يتحالفان ويتراوها طيب إذا كان الشيء غير موجود التقسيم العقلي إما أن يكون موجوداً أو غير موجود إن كان موجوداً يترادّاها وإن كان غير موجود ينظر إلى القيمة لو نظرنا إلى القيمة قال البائع الطعام من صفة كذا النوع الجيد وقال المشتري : بل اشتريت طعاماً من صفة كذا الذي هو النوع الرديء فما الحكم ؟

هذه - أيضاً - مسألة ثانية إن اتفقوا على صفة فلا إشكال ، لو قال اشتريت منه حليباً من نوع كذا وهذا الحليب من النوع الذي اشتراه منه معروفة قيمته في السوق عشرون ريالاً يلزمه أن يدفع العشرين ليست هناك مشكلة لكن لو أنه ادعى حليباً جيداً الذي هو البائع والمشتري يدعي حليباً أردأ منه أو أقل جودة فما الحكم ؟

فقال-رحمه الله- : [ فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ ] : إن اختلفا في صفتها أي صفة السلعة فقول مشتر ، الخلاف الآن دعوى بين البائع والمشتري إن كان المشتري هو المدعي يطالب بالبينة ويكون القول قول البائع وإن كان البائع هو المدعي فالقول قول المشتري ويطالب البائع بالبينة فالآن مثلاً إذا جاء اثنان واختلفا في صفة السلعة فقال أحدهما بعتك سيارة جيدة من نوع كذا وكذا وقال المشتري بل الرديئة من نوع كذا وكذا ، فالقول قول المشتري لأنهم متفقون على قدر الرديئة ، كلهم متفقون على أن ذمة المشتري ملزمة بقيمة الرديئة يعني مثلاً : السيارة الرديئة قيمتها عشرة آلاف والسيارة الجيدة قيمتها خمسة عشر ألفاً فإذا قال له بعتك سيارة بقيمة خمسة عشر قال المشتري اشتريت السيارة بقيمة عشرة آلاف فعندنا يقين أن المشتري في ذمته عشرة آلاف ريال ؛ لأن الخمسة عشر تتضمن العشرة الآف فنحن على يقين من العشرة الآف لكننا نشك في الزائد على العشرة الآف وهي الخمسة فهم مجمعون ومتفقون على أن عليه عشرة الآف ولكن الخلاف في الخمسة الزائدة على العشرة الآف لو كان الجيد قيمته اثنى عشر والرديء قيمته عشرة آلاف نفس الحكم كانا قد اتفقا على العشرة الآف واختلفا في الألفين وقس على هذا فالقول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه أمراً زائداً وحينئذٍ يطالب البائع بالزائد فنحن على يقين بالعشرة الآف الناقص وعلى يقين بالقدر الأقل فيطالب بالبينة على الزائد فالقول قول المشتري هذا معناه لأن اليقين في الأقل والشك في الزائد فيكون القول قول من يدعي الأقل ومن يدعي الأكثر والزائد يطالب بالبينة والدليل على أن الأمر زائد على ما اتفقا عليه وهذا ما اختاره المصنف-رحمه الله- أن القول قول المشتري وهناك من يقول إن القول قول البائع وهناك من يسقط القولين ويرجع إلى قيمة المثل ، بعض العلماء يختار الرجوع إلى السوق فيقول إذا قال المشتري بعشرة آلاف وقال البائع بخمسة عشر وجئنا نبحث في السوق وجدنا أن السلعة تباع بعشرة آلاف يقول فإننا نجد السوق يشهد بصدق قول المشتري وهذا ما يسمى شهادة العرف فإذا كان السوق يشهد بقول المشتري فحينئذٍ يصبح البائع مدعياً وإن كان العرف يشهد بقول البائع يكون المشتري مدعياً ولذلك يقولون : شهادة العرف تجعل من شَهِدَتْ له مدعاً عليه ، ولذلك قال :

فالمدعي من قوله مجرد              من أصل أو عرف بصدق يشهد

فقوله : " أو عرف بصدق يشهد " : يعني أنه إذا جرى العرف في بيع مثل هذه السلعة بعشرة آلاف والبائع قال بعتك بعشرة فإنه حينئذٍ يكون العرف شاهداً بقول البائع لكن في الحقيقة هذا الضابط الذي ذكروه قد يقوى في مسائل في القضاء وقد يضعف هنا ؛ لأن غالب ما يكون التبايع بين الطرفين يكون فيه شيء من الرضا فمع المكاسرة ومع المعاودة يخرجان عن العرف كثيراً ما يخرج البائع والمشتري عن العرف بسبب المزايدة والمكاسرة فقد يكون العرف يشهد بالخمسة عشر ولكن المشتري كاسر إلى عشرة فحينئذٍ لو اعتبرنا العرف شاهداً على هذا الوجه يكون مشكل إنما قال القول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه غرماً والغارم دائماً يكون مدعى عليه ؛ لأنه متهم إن شئت تخّرجها على أن اليقين عشرة آلاف والزائد محل شك هذا وجه لكي تجعل المشتري مدعى عليه وإن شئت تخرجها على أن المشتري غارم لأنه يطالب بالزيادة والغارم القول قوله لأن الأصل براءته من المطالبة وإن شئت تجعلها من جهة كون الأصل أو اليقين بالعشرة والزائدة فيه شك فيلغي الشك ويبقى على اليقين .

[ وإذا فسخ العقد انفسخ ظاهراً وباطناً ] : هنا مسألة لو تحالفا وانفسخ العقد هل ينفسخ ظاهراً وباطناً أو ينفسخ ظاهراً لا باطناً ؟

نحتاج إلى مقدمة لكي نفهم بها قول العلماء-رحمهم الله- الظاهر والباطن . الخلاف الذي وقع بين البائع والمشتري يقع أمام القضاء أو يقع في الفصل في الخصومة ، وإذا وقعت الخصومة بين البائع والمشتري فإنه إذا قضي بينهما يقضى على حسب الظاهر لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض )) يعني أقوى كلاماً وبياناً (( فأقضي له فإنما أقضي له على نحوٍ مما أسمع فمن قضيت له بحق لأخيه المسلم - يعني ظلماً - فإنما أقطع له من النار )) أي أن حكمي على الظاهر لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ، وبناءً على ذلك فإن الشهود إذا شهدوا عند القاضي أن هذه الأرض لفلان وكانت شهادتهم شهادة زور وقضى القاضي أن الأرض لفلان بهذه الشهادة المزورة التي لم يعلم القاضي بتزويرها فإنه يحكم في الظاهر أنها لفلان ولكن في الباطن ليست له ، وهكذا لو أن رجلاً قال لامرأته أنت طالق كان جالساً معها ثم أراد من هناك بساط المجلس مثلاً كانت مقيدة ثم قال أنت طالق يقصد طالق من حبل هذا الذي في قرارة قلبه ونيته ، فقالت له أنت قلت أنا طالق فإذاً أطلق عليك فرفعته إلى القضاء فقال القاضي هل قلت أنت طالق قال نعم قلت أنت طالق وقصدت من حبل فإن القاضي يقضي عليه بأنها طالق . لأنه لو فتح الباب لكل شخص يطلق امرأته يقول أنا قصدت أنها طالق من حبل نحن لنا الظاهر والله يتولى السرائر قال-r- : (( إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس )) لكن لو أن المرأة صدقته فبما بينهما وهما جالسان صدقته حينما قال أنت طالق أي من حيل لها ذلك لها أن تصدقه على أنها طالق من حبل لكن لو رفع إلى القضاء القاضي لا يحكم إلا على الظاهر (( إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس وأن أكل سرائرهم إلى الله )) ، وهكذا المدهوش لو أن رجلاً من شدة الفرح جاءته امرأته بخبر فقال لها : أنت طالق من شدة الفرح ما يدري قال والله ما قصدت ولم أكن أعلم ومن شدة الفرح قال لها أنت طالق ؛ لأنه في بعض الأحيان مع قوة الصدمة قد يسبق لسانه بشيء فأراد أن يقول لها أنت مباركة أنت فيك خير قال لها أنت طالق ، مثل ما قال بعض العلماء : إن المدهوش لا ينفذ طلاقه ؛ لأن النبي-r- قال في حديث أبي هريرة : (( لله أشد فرحاً بتوبة أحدكم من رجل أضل ناقته وعليها طعامه وشرابه فلما يئس منها استظل بشجرة فنام تحتها ثم استيقظ فإذا هي قائمة على رأسه فأخذ بخطامها وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ مـن شدة الفرح )) فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، هذه كلمة كفر-والعياذ بالله- ؛ لكـن النبي-r- قال : (( أخطأ )) من أي بسبب شدة الفرح فلو أن المدهوش هذا الذي يكون مسبوق اللسان أراد مثلاً أن يقول لامرأته أنت طالقعه فقال : أنت طالعه سبق لسانه كلها هذه أمور ترجع إلى الظواهر طبعاً هناك تفصيل المرأة لو صدقت الرجل ووثقت به فحينئذٍ لا إشكال لكن لو رفعته إلى القضاء وسأله القاضي هل أنت قلت أنت طالقة قال : نعم قلت أنت طالق لكني ما قصدت فالقاضي يمضي عليه الطلاق على الظاهر ثم يبقى في حقيقة الأمر الزوجة زوجته فيما بينه وبين الله زوجته ، ولذلك يقولون ينفذ الطلاق قضاء ولا ينفذ ديانة يعني بينه وبين الله زوجته لكن في الظاهر مطلقة عليه وهذا سيأتينا - إن شاء الله - مزيد بيان في كتاب الطلاق - إن شاء الله - نفصله في بعض هذه المسائل .

الشاهد عندنا الظاهر وعندنا الباطن فإذا حكم القاضي يحكم بناء على أدلة موجودة عنده تارة تكون الأدلة صحيحة لا خطأ فيها ولا تزوير فحينئذٍ ينفذ القضاء ظاهراً وباطناً كرجل ملك داراً عن أبيه ثم جاء رجل يخاصمه فشهدت الشهود وهم عدول ثقات بأن الدار داره وأثبت القاضي ذلك وحكم به فإننا نقول ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً لأن هذا الحكم موافق للحقيقة وإذا كان الحكم موافقاً للحقيقة فإنه ينفذ ظاهراً وباطناً ولكن المسألة التي معنا هنا البائع والمشتري اختلفا فإذا كان الخلاف وقع بين البائع والمشتري فتارة يكونان بريئن من التهمة البائع نسي بكم باع لكن في ظنه وغالب ظنه أنها عشرون والمشتري في غالب ظنه أنها عشرة فكل منهما لم يزور ولم يكذب في حقيقة نفسه مطمئن إلى أنه قال الحقيقة ويجوز للمسلم أن يحلف على غالب ظنه لأنه قد يشكل على هذا يقول قائل طيب كيف حلف وهو لم يتحقق فعلاً أنه باع بعشرين . نقول يجوز إذا غلب على ظنك شيء أن تحلف على غالب الظن وهذا أصح أقوال العلماء أنه يجوز اليمين على غالب الظن يقولون إن النبي-r- أجاز للأنصار أن يحلفوا أيمان القسامة ، بناءً على غلبة الظن (( تحلفون على رجل منهم فتستحقون دم صاحبكم )) وهذا لا يكون إلا بغلبة الظن أن فلاناً هو الذي فعل فالحلف حلف اليمين على غالب الظن مشروع فإذا حلف البائع على غالب ظنه أنها بعشرين وحلف المشتري على غالب ظنه أنها عشرة فلا إشكال لكن لو أن البائع علم أنه قد باع بعشرة وكذب-والعياذ بالله- وفجر فحلف اليمين وهي-نسأل الله السلامة والعافية- إذا كانت في القضاء فهي يمين الغموس سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في النار ولو كان الشيء الذي يحلف عليه شيئاً يسيراً ، قال : - يا رسول الله - الرجل فاجر يحلف ولا يبالي ، قال-r- : (( ليس لك إلا يمينه من حلف على يمين وهو فيها كاذب ليقتطع مال امرئ مسلم أو حق أخيه المسلم لقي الله وهو عليه غضبان )) -نسأل الله السلامة- قالوا : - يا رسول الله - وإن كان شيئاً يسيراً ، قال : (( وإن كان قضيباً من أراك )) . يعني ولو كان مسواكاً-نسأل الله السلامة والعافية- فهذه اليمين هي التي يسمونها يميناً الصبر ويمين عند مقطع الخصوم فاليمين في مقطع الخصوم والحكم يمين عظيمة فإذا حلف وهو كاذب يعلم أنه كاذب .

فيرد الإشكال : لو حلف أنه باع بعشرين فإنه بطبيعة الحال إذا حلف خصمه سيفسخ البيع فسيأخذ السلعة ويبيعها مرة ثانية فهل ينفسخ البيع ظاهراً وباطناً أو ينفسخ ظاهراً لا باطناً ؟ بالنسبة للمظلوم ينفسخ ظاهراً وباطناً وبالنسبة للظالم ينفسخ له ظاهراً ولا ينفسخ له باطناً وهو آثم ، هذا وجه إدخال قوله : [ وينفسخ البيع ظاهراً وباطناً ] .

[ وإذا فسخ العقد انفسخ ظاهراً وباطناً ] : كما ذكرنا على التفصيل بالنسبة للبائع فإنه يكون بظلمه ينفسخ له ظاهراً على حكم القاضي ولا ينفسخ له باطناً لأن حق أخيه المسلم قد تعلق بهذا المبيع . الآن إذا باعه عمارة بعشرين ألفاً ، قال له : بعتك عمارتي هذه بعشرين ألفاً ، قال : قبلت البيع تم وانتقلت العمارة إلى ملك المشتري فحكم الشرع حينئذٍ أن العمارة لزيد الذي اشترى فلو بعد مدة جاء وادعى البائع أنه باع بثلاثين فالعمارة ملك له أم ملك للغير ؟ العمارة ملك للغير فإذا جاء عند القاضي وحلف أنه باع بثلاثين وحلف المشتري أنه اشترى بعشرين فالحلف والأيمان وقعت على ملك الغير وحينئذٍ إذا فسخ البيع كأنه يسترد مالاً ليس من حقه فحينئذٍ بالنسبة للظالم ينفسخ له ظاهراً لكن باطناً لا ينفسخ ويبقى في ذمته ويبقى آثماً غاصباً لا تبرأ ذمته إلا بتحلل صاحب الحق من حقه فإذاً مسألة ينفسخ ظاهراً وباطناً بالنسبة للمظلوم ينفسخ له ظاهراً وباطناً إذا طلب نفس المشتري وقال لا أريد وفسخ فهذا لا إشكال حينئذٍ ينفسخ ظاهراً وباطناً لكن إذا وقع بينهما التحالف على صيغة الاحتيال فالذي اختاره جمع من العلماء كما في الشرح الكبير اختار أنه بالنسبة للظالم ينفسخ له ظاهراً ولا ينفسخ له باطناً وهو الصحيح .

[ وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه ] : هنا الحالة الثانية من الخلاف أن يقع الخلاف في صفة العقد ، يقول البائع بعتك بعشرين ألفاً اتفقا على القيمة قال نعم أنا اشتريت منك بعشرين ألفاً ولكن إلى نهاية السنة هذا من ؟ المشتري فيدعي أنها مؤجلة قال البائع : بل بعشرين ألفاً نقداً ، الأول المشتري يقول إلى أجل والبائع يقول نقداً فاختلفا في تعجيل الثمن وتأجيله ، هل العقد الذي تم بينهما عقد معجل أم عقد مؤجل ؟ لو قال له في بعض الأحيان هذا بالنسبة لإثبات الأجل ونفيه ، تارة يكون لإثبات الأجل ونفيه وتارة يكون لطول الأجل وقصره ، فيقول البائع بعتك بعشرين ألفاً إلى نهاية هذه السنة قال بل اشتريت بعشرين ألفاً إلى نهاية السنة القادمة أو السنة التي بعدها فحينئذٍ إما أن يقع الخلاف في التعجيل والتأجيل من حيث الأصل إثباتاً ونفياً أو يتفقان على التأجيل ولكن يختلفان في أمد التأجيل فمنهم من يقول أمده الأول الأقرب وهو البائع والثاني يقول أمده الأبعد وهو المشتري فحينئذٍ كيف يفصل بينهما هل نقول : القول قول البائع ؛ لأنه هو الذي باع السلعة وبذلها وهو أدرى بما بذل ولابد أن نجد الرضا منه حتى يصح البيع أو نقول القول قول المشتري أو نُفصّل ؟

والجواب : التفصيل فإذا اختلفا في تعجيل وتأجيل فالقول قول من ينفيه من ينفي التأجيل ؛ لأن الأصل في البيع التعجيل والتأجيل خلاف الأصل .

[ فالقول قول من ينفيه ] : معنى قول العلماء القول قول فلان يعني بمعنى مدعي ومدعى عليه فنحن نأخذ بقول فلان إذا عرفت أن هناك مدعياً ومدعى عليه فدائماً نأخذ بقول المدعى عليه ونطالب المدعي بالبينة فالعلماء حينما يذكرون الخلاف بين البائع والمشتري لابد أن يقررو أولاً من المظلوم وهو المدعى عليه ومن الظالم الذي في صورة الظاهر ، فيقولون القول قول المشتري أو قول البائع أو قول من ينفيه فإذا قال له بعتك معجلاً قال بل مؤجلاً فالبائع ينفي الأجل والمشتري يثبته فنقول القول قول البائع أنها معجلة حتى يثبت المشتري أنها مؤجلة فالقول قول من ينفيه هذا بالنسبة للتأجيل والتعجيل .

حينما يختلفان في شرط قال له : بعتك هذه العمارة بعشرين ألف ، قال اشتريتها منك بعشرين ألف بشرط أن يكون فيها مثلاً الماء بشرط أن يكون فيها الكهرباء بشرط أن يكون فيها مثلاً منافع معنية اشترطها معينة . قال أبداً ما اشترطت علي هذا شيئاً فالشرط يدعيه المشتري وينفيه البائع فالقول قول البائع حتى يثبت المشتري بالبينة أنه قد اشترى على وجه متضمن للشرط هذا معنى قوله : [ فالقول قول من ينفيه ] القاعدة عندنا :

وقيل من يقول قد كان ادعى               ولم يكن لمن عليه يدعى

هذه بالنسبة للصورة الثانية التي يكون فيها المدعي والمدعى عليه ، الذي يقول حدث كذا قد كان ادعى أي هو المدعي مدعٍ والذي يقول لم يكن هو المدعى عليه هذا الأصل لكن في هذه الحالة اختلفت صورة الأصل فإنه في مسألتنا حينما يقول بعتك مؤجلاً فالأصل المعجل وقبلنا المعجل لأن الأصل يشهد به الأصل أن من يبيع يبيع نقد ودعوى الأجل خلاف الأصل فحينئذٍ نطالب من يدعي الأجل بالدليل والبينة من يقول فيه صفة هذا العبد اشترطت أن يكون كاتباً ، نقول حينئذٍ هذه صفة زائدة وتطالب بالبينة ؛ لأن الأصل أن البيع على هذه الحالة الموجودة عليها الصفقة فإذا ادعيت أمراً زائداً فعليك البينة وعليك الدليل .

@ @ @ @ @   الأسئلة  @ @ @ @ @

السؤال الأول :

من حلف على غالب ظنه ثم تبين له خطؤه فهل عليه كفارة ؟

الجواب :

بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أمابعد :

من حلف على غالب ظنه ثم تبين له خلاف ما حلف عليه فإنه ينبغي عليه أن يرد الحق إلى صاحبه وأما بالنسبة للتكفير لهذه اليمين فمذهب طائفة من العلماء أن الحلف على غالب الظن لا يوجب الكفارة وأنه يكون في حكم لغو اليمين ومن أمثلة ذلك قالوا : إن رأى رجلاً من بعيد يظنه فلاناً من الناس فيقول والله فلان ثم يتبين أنه ليس بفلان ، قالوا إنه لا كفارة عليه ويعتبر هذا من لغو اليمين ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الثاني :

أنا صاحب متجر ويأتيني تجـار بعض السلع فإذا انتهت صلاحيتها استبدلوها بغيرها فهل هذا من بيع التصريف ؟

الجواب :

بالنسبة للبيع إذا اشترى أحد منك سلعة وتم البيع وانقطع خيار المجلس فإن البيع يلزمه ويلزمك بعد هذا لورد إليك السلعة بعد انتهاء الصلاحية ولم يكن هذا بشرط بينكما وجاءك وقال انتهت صلاحية السلعة فأرجو منك أن تردها لي والتمس منك أن تردها له فإن رضيت وكان بطيب نفس منك أن توسع عليه وأن تقيله من البيع فإنك تؤجر وهذا جائز ويعتبر في حكم الإقالة وهذا مستحب عند العلماء-رحمهم الله- أن إقالة النادم مندوب إليها ويثاب البائع إذا أقال المشتري لما فيه من تنفيس كربة المسلم ، وأما لو أصريت وقلت له لا أردها فإنه من حقك ولو امتنعت فمن حقك ؛ والسبب في هذا أن الله-U- عدل بين البائع والمشتري فإذا اشترى منك السلعة فإنه يتحمل المسؤولية لو أن هذه السلعة بعد أن اشتراها منك أصبحت قيمتها ثلاثة أضعاف لم يأت إليك ولم يردها ومن حقه أن يتمتع بهذه المنفعة وبهذا الربح وبهذه الزيادة فكما أنه يغنم فإنه يغرم ولذلك قال-r- : (( الخراج بالضمان )) ، فكما أنه يأخذ الربح ولا تستطيع أن تنتزع منه الربح بعد مضي العقد ، كذلك ليس من حقه أن يسقط عليك الكسر إلا إذا رضيت ؛ لأنه لا يعقل أن يأخذ الربح ويجعل الخسارة على البائع وهذا ظلم لكن لو طابت نفس البائع بذلك فإنه لا بأس به وهو مـن إقالة النادم لكن لو وقع هذا بالشرط فإنه من بيع التصريف المحرم ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الثالث :

ما هو النكول وماذا يترتب عليه ؟

الجواب :

النكول الرجوع ، نكل عن اليمين إذا رجع عنها أو امتنع منها ، إذا جاء رجل إلى القاضي وقال فلان استدان مني ألف ريال ، فقال القاضي للخصم هل استدنت منه ألف ريال أو ماذا تقول فيما يدعيه عليك ، قال : لم أستدن منه ألف ريال فحينئذٍ يقول القاضي للمدعي ألك بينة هل لك دليل يدل على أنك أعطيته الألف عندك شهود عندك بينة قال : ليس عندي شهود وليس عندي بينة يقول له القاضي يقول ليس عندي شهود وليس عندي بينة أقول له : ليس لك إلا يمينه فإذا قال ليس لك إلا يمينه يحلف الخصم أنه والله ما أخذ ألفاً فإذا قيل له احلف أنك ما أخذت ألفاً إما أن يحلف فلا إشكال ويبرأ وإما أن يمتنع يقول لا أحلف ، إذا قال لا أحلف فحينئذٍ يكون قد نكل ويقع النكول في الأيمان المخصوصة كأيمان اللعان لو أن رجلاً اتهم امرأته بالزنا رأى امرأته تزني-والعياذ بالله- وليس عنده شهود فإنه يرفعها إلى القاضي بناءً على مسألة اللعان كما حدث لعويمر-t وأرضاه- قال : - يا رسول الله - إني أتيت أهلي عشاءً فوجدت رجلاً وفي حديث أيضاً هلال ابن أمية حينما قذف امرأته شريك ابن سمحاء قال : - يا رسول الله - إني أتيت أهلي عشاء فوجد عندها رجلاً والله لقد سمعت بأذني ورأيت بعيني فقال-r- : (( إنه قد أُنزل فيك وفي صاحبتك قرآناً فاذهب فأت بها )) فجاء بها فأُمر بالحلف فحلف الأيمان ثم حلفت هي أيضاً الأيمان فلو أنه حلف الرجل الأيمان فلما بلغ الخامسة السُّنة في اللعان أن يبدأ الرجل فيحلف أربع شهادات بالله إما أن يحلف على الزنا أنها زانية-والعياذ بالله- أو يحلف على أن هذا الولد ليس بولده يسمونها نفي الحمل ويشير إليه هذا الولد الذي في بطنها أنه ليس بولده أو ليس مني أو يحلف على مجموع الأمرين أنها زانية وأن هذا الولد ليس منه فإذا حلف وبلغ عند الخامسة يوقفه القاضي يحلف أربع أيمان يقول : والله إنها كذا - زنت - فإذا حلف الأربعة الأيمان وجاء عند الخامسة يوقفه القاضي ويقول له : اتق الله إنها الموجبة ومعنى الموجبة أي أنها توجب لعنة الله عليه لأنها هي الخامسة { وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ، فإذا وصل إلى الخامسة وامتنع هدده القاضي وذكّره بالله وخوفه ونكل حينئذٍ يجلد حد القذف هذا النكول يعني أثره ينبني عليه جلد حد القذف في اللعان لو أن الرجل حلف الأيمان وأتمه ثم ثني بالمرأة قيل لها : احلفي قالت : لا أحلف حينئذٍ ترجم لأنها نكلت عن اليمين وكأن كل يمين من الرجل مقـام شاهـد فيدرأ عنها العذاب لا حظ سياق القرآن { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } حتى تدفع الأربعة التي شهدها فإذا نكلت عن هذا اليمين وامتنعت فحينئذٍ يُقضى برجمها فإذا مضت إلى الأربعة وجاءت عند الخامسة التي هي-نسأل الله العافية- الموجبة يوقفها القاضي ويقول لها : اتقي الله إنها الموجبة أي أنها توجب غضب الله عليك ، ولذلك قال-r- : (( فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة إنها الموجبة )) يعني أن تنالِ الحد في الدنيا أهون من عذاب الآخرة-نسأل الله السلامة والعافية- وأن تفضحي في الدنيا أهون من فضيحة الآخرة فكادت أن تعترف المرأة كما في حديث هلال ابن أمية كادت ثم قالت-نسأل الله السلامة والعافية- : لا أفضح قومي سائر اليوم فحلفت التي هي الخامسة الأخيرة فالنكول عن اليمين يوجب الحكم وسيأتي - إن شاء الله- مزيد بيان في هذه المسألة وذكر خلاف العلماء فيها في كتاب القضاء ، والله - تعالى - أعلم .

السؤال الرابع :

عند التبايع مع الكفار هل يُطلب منهم الحلف وذلك عند الاختلاف ؟

الجواب :

اليمين من الكافر تقبل لكن الكفار يكون لهم ضوابط في يمينهم ، ولذلك تعتبر اليمين من حيث الأصل مقبولة من المسلم والكافر والكفار يعظمون الله-U- بالنسبة لمن لهم دين سماوي فيُحلفون كما في قضية الوصية على السفر وشهادة الوصية على السفر كما قبلت شهادتهم فالشهادة أعظم من اليمين ، ولذلك يحُلَّف إذا كان ممن له دين سماوي يعظم الله-U- ولا يحُلَّف بغير الله-U- لا يجوز تحليف النصراني بعيسى ولا يجوز تحليف اليهودي بموسى وإنما يحُلّف بالله وبما يعظم وقد قضى بذلك أبو موسى الأشعري-t وأرضاه- في قصته المشهورة حينما كان في الشام قضى في مسألة الوصية على السفر بأيمان الكفار ، والله - تعالى - أعلم .

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ  وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد  وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .