دروس زاد المستنقع

تابع كتاب الصيام ( لم يراجع من قبل الشيخ )


تابع كتاب الصيام ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب كتاب الصيام

P

قال المصنف-رحمه الله- : [ وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم يُر الهلال ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فلا زال المصنف-رحمه الله- يبين لنا الأحكام المتعلقة برؤية الهلال ، فبعد أن بين الأحكام المتعلقة بثبوت شهر رمضان ودخوله شرع في بيان ما يتعلق بالخروج من شهر رمضان ، والأصل أن الخروج من شهر رمضان يكون بتمام الشهر ثلاثين يوماً ، وذلك أنهم إذا صاموا ثلاثين يوماً فقد تمَّ الشهر وحينئذٍ يكون ما بعده من شوال قطعاً ، وأما العلامة الثانية فهي أن يشهد العدلان برؤية هلال شهر شوال ، فإذا شهد العدلان أنهما رأيا هلال شهر شوال فإن الناس يفطرون ؛ لأن النبي-r- قال : (( فإن شهد عدلان فصوموا وإن شهد عدلان فأفطروا )) .

فجعل رؤية العدلين موجبة لثبوت دخول شهر شوال وانتهاء شهر رمضان .

 لكن هنا مسألة وهي إذا شهد عدل واحد ، ثم أكمل الناس العدة ثلاثين يوماً من رمضان ولم يروا الهلال :

 قال العلماء : هذه أمارة على خطأ الشاهد ، ويعتبر هذا دليلاً على أن الشاهد قد أخطأ في شهادته ، ومن هنا فإنه يجب عليهم أن يتموا العدة لظهور خطأ الشهادة ، وهكذا الحال على المسألة التي ذكرناها : لو كان هناك غيم ليلة الثلاثين من شهر شعبان ولم يتمكنوا من رؤية الهلال فإن المذهب على ما قرره المصنف أن يصام ذلك اليوم .

وإن كان الصحيح أنه لا يصام ؛ لكن على القول بصيامه لو صاموا ثم أتمّوا العدة ثلاثين يوماً وتراءوا الهلال ليلة الواحد من شوال على تمام الشهر فلم يروه قالوا : هذا يدل على أن شهر شعبان يعتبر كاملاً وحينئذٍ يتمّون عدة رمضان ثلاثين يوماً فلا يفطروا .

وعلى هذا هناك حالتان ذكرهما المصنف :

الحالة الأولى : أن يشهد عدل واحد ثم نحكم بدخول شهر رمضان ، ثم نتراءى الهلال بعد تمام العدة ثلاثين يوماً نتراءه الهلال ليلة شوال فلا نراه وعلى هذا تبين لنا خطأ الشاهد الواحد ، لأن الخطأ في الشاهد الواحد أكثر منه من الخطأ في الشاهدين ، ولذلك قالوا : إذا لم يُر الهلال في الليلة الأولى من شوال بعد تمام العدة فقد ظهر خطأ هذا الشاهد ، وحينئذٍ يلزمون بتمام شهر رمضان ثلاثين يوماً وهذا على سبيل الاحتياط ، وهذه قاعدة أن بعض العلماء يحتاط في الخروج من شهر رمضان أكثر من احتياطه في دخول شهر رمضان ، ولذلك يرون أنهم في هذه الحالة يتمون العدة ثلاثين يوماً حتى يخرجوا من الصوم بيقين .

[ أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا ] : أو صاموا لأجل غيم هذا على المذهب المرجوح ، وإن كان الصحيح أنه إذا كان هناك غيم ليلة الثلاثين من شعبان أنه يجب إتمام عدة شعبان ثلاثين يوماً .

[ ومن رأى وحده هلال رمضان ورَدَّ قوله ، أو رأى هلال شوال صامه ] : هذه مسألة مفرعة على الشاهد الواحد ، لو أن إنساناً رأى هلال شهر رمضان أو رأى هلال شهر شوال فجاء يشهد فلم تقبل شهادته وردّت وهو متأكد أنه قد رأى الهلال ، فحينئذٍ في يقين نفسه أن رمضان قد دخل ولكن في حكم الشرع على الظاهر أن رمضان لم يدخل فهل نوجب عليه في خاصة نفسه أن يصوم هذا اليوم أو لا يصوم ؟

للعلماء أقوال :

القول الأول : منهم من يقول نوجب عليه الصيام ؛ لأنه قد تحقق من دخول شهر رمضان ، ولذلك هو متعبد لله-U- بما تحققه ، وقد أوجب الله على من رأى الهلال أن يصوم ، وقد تحقق من رؤيته وأن هذه الليلة من رمضان فلا وجه لإسقاط الصوم عنه ، قالوا فحينئذٍ يلزمه أن يصوم .

القول الثاني : العبرة بجماعة المسلمين ؛ لأن النبي-r- قال : (( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته )) ، قالوا كما لو أنهم تراءوا الهلال فلم يروه مع أنه رمضان حقيقة قالوا : فقد تعبدهم الله-U- بالدخول فحينئذ لا نوجب عليه صيام هذا اليوم ؛ لأنه ليس من رمضان حكماً .

والقول الثالث يفصّل فيقول : دخول رمضان أوجب عليه الصيام وفي خروجه لا يفطر احتياطاً ، وهذا المذهب من أقوى المذاهب ، وهو التفريق بين الدخول وبين الخروج ؛ والسبب في هذا أن الدخول تقبل فيه شهادة الواحد كما ذكرنا وأنه من باب الخبر ، ولذلك نقول من رأى هلال رمضان وحده كما لو كان مسافراً فرآه وحده فبالإجماع أنه يصوم مع أنه في هذه الحالة لم يثبت شهر رمضان عند الجميع ، فنقول : إذا رآه في الدخول وجب عليه أن يصوم ؛ لأن الدخول تقبل فيه شهادة الواحد ، أما الخروج فقد قال-r- : (( فطركم يوم تفطرون )) فرد الأمر إلى جماعة المسلمين ، ففي الخروج لا نقول له : إنه يفطر ؛ وإنما يبقى مع جماعة المسلمين ؛ لأن الفطر للجميع ، بخلاف دخول شهر رمضان .

ولذلك نقول : إنه قد ثبت في ذمته صيام اليوم الأول من رمضان بيقين ؛ لأنه قد استيقن برؤية الهلال بنفسه ، وحينئذٍ نوجب عليه الصيام دخولاً ولكننا لا نوجب عليه الفطر خروجاً ؛ لأن الفطر مقيد بالجماعة ، فيفطر إذا ثبتت رؤيته مع رؤية غيره وحكم بها ولا يفطر إذا ردّت شهادته ، أو كان شاهداً واحداً ولم تقبل شهادة الواحد - طبعاً - هناك مذهب من يقول بأنه يفطر فيفطر سراً ؛ ولكن القول بالتفصيل اعتمادا على السُّنة أقوى وأظهر ، لأن النبي-r- قبل شهادة ابن عمر وحده في دخول شهر رمضان فألزم الجماعة بشهادة ابن عمر ، فلأن نلزم الشاهد نفسه والرائي نفسه من باب أولى وأحرى ، ولكن في الخروج ردنا النبي-r- إلى جماعة المسلمين فقال : (( فطركم يوم تفطرون )) فجعل الفطر لجماعة المسلمين كلهم كما لو رأى هلال ذي الحجة ، مثلاً رأى هلال ذي الحجة ليلة الخميس والناس لم يروه ، ثم بعد ذلك أصبح وقوف الناس متأخراً عن وقوفه ، فإننا نقول لا يصح وقوفه وحده لأن الوقوف بجماعة المسلمين ، وعلى هذا فإنه يصح أن يصوم وحده ولا يصح أن يفطر وحده .

قد يشكل على هذا مسألة وهي كيف نحكم بالظاهر ونترك الباطن هذه مسألة الشرع في بعض الأحيان يحكم بالظاهر ويعطى الحكم على الظاهر ، ويلغي الحقيقة والباطن ، مثال ذلك لو أن رجلاً-والعياذ بالله- رأى امرأة على الزنى وقد رآها بعينه وشهد أنها زانية ، أو شهد رجلان أو ثلاثة أنها زانية فأتي بها إلى القاضي ، فلم تعترف وأنكرت ، فإنه بالإجماع يجلد هؤلاء الثلاثة ويعتبرون قَذَفَة ، والله-تعالى- يقول : { فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } . فوصفهم بأنهم كاذبين بالنسبة للظاهر لكنهم في الحقيقة والباطن أنهم صادقون ، ولذلك يعطى الحكم للظاهر ولكن الباطن مردّه إلى الله-U- ومن أمثلته قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فإنما أقضي له على نحو مما أسمع )) . فدل على أن حكم الظاهر لا يبيح الباطن كما أن الباطن لا يبيح حكم الظاهر ، وعلى هذا فرقت الشريعة ، فما كان الشرع معتبراً فيه لشهادة الواحد وهو دخول شهر رمضان نعتبره ملزماً بالصيام برؤيته كما لو رآه وحده في الصحراء وأصبح في اليوم الذي يليه فإنهم كلهم يقولون : إنه يصوم .

أما بالنسبة لخروج رمضان فقد جاء النص باعتبار الشاهدين ، ولم يأت استثناء كالدخول ، فالدخول جاء فيه استثناء حديث ابن عمر فقبلت فيه شهادة الواحد ، وأما الخروج فلم يأت فيه استثناء ، فبقينا على الأصل من كونه مطالباً بصيام هذا اليوم الذي هو الثلاثين والأصل أن الشهر كامل ، وعلى هذا يقولون : إنه يقيّد بجماعة المسلمين لورود النص بتأكيد الجماعة ، ففي الخروج ورد النص بتأكيد الجماعة وفي الدخول ورد النص بالاعتداد بشهادة الواحد ، فخفف في الدخول ولم يخفف في الخروج ، وهذا هو الذي يسميه العلماء مذهب الاحتياط ، والاحتياط ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول : إما احتياط ينبني على دفع الشبهة والبعد عن الريبة .

والأصل فيه : قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )) ، وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )) .

والقسم الثاني : وإما أن يكون احتياطاً مستنداً إلى النصوص فلما جاء النص بقبول شهادة الواحد دخولاً احتطنا ، وقلنا : يجب عليه الصوم ؛ لأنه يصوم فكان الاحتياط أن يصوم ؛ بخلاف ما لو قلنا له أفطر لأنه لو أفطر ربما أفطر يوماً من رمضان ولكن في الخروج نقول له : يبقى على صيامه ، فأصبح الاحتياط هنا مستنداً إلى أصل الشرع ، فكان اعتباره أولى وأحرى مع الأصل الذي دلّ على أنه ينبغي للمسلم أن يخرج من الريبة والشبهة .

قوله-رحمه الله- [ ويلزم ] : يعني يجب ، وهو فريضة الله-U- على كل مسلم ، فالكافر لا يلزمه صوم بمعنى أنه لا يصح منه صومه إلا بعد أن يحقق أصل الدين وهو التوحيد ، فلو صام الدهر كله وهو لم يوحد الله فلا عبرة بصيامه { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً } فالكافر لا يعتد بصومـه ولا بطاعته حتى يسلم ، فإن أسلم أثناء الشهر وجب عليه أن يصوم ما بقي ، ولا يجب عليه قضاء ما مضى ، وإن أسلم أثناء اليوم وجب عليه الإمساك بعد إسلامه ، وقضاء ذلك اليوم ، وهذا مبني على حديث يوم عاشوراء الذي رواه معاوية-t- أنه روى عن النبي-r- أنه لما كان يوم عاشوراء قال : (( إن الله فرض عليكم صيام هذا اليوم ، فمن أصبح منكم صائماً فليتم صومه ومن أصبح منكم مفطراً فليمسك بقية يومه )) .

قالوا : فيجب على الكافر أن يمسك بقية اليوم ثم يقضي هذا اليوم ؛ لأنه لو أسلم لما قبل غروب الشمس بلحظة فقد وجب عليه قضاء هذا اليوم ، ولذلك يقولون : إنه يطالب بالقضاء ، وأما بالنسبة للأيام التي مضت فإنه لا يطالب بقضائها لوجود الانفصال ، وفرق بين المتصل والمنفصل فإن إفطاره في اليوم نفسه متصل ، وإلزامه بقضاء ما مضى من رمضان منفصل ، فوجبت عليه العبادة المتصلة دون العبادة المنفصلة .

قوله-رحمه الله- [ مكلف ] : يشترط بعد الإسلام أن يكون مكلفاً ، والتكليف يكون بالعقل والبلوغ .

وكُلُّ تَكْلِفٍ بِشَرْطِ العَقْلِ             مَعَ البُلُوْغِ بِدَمٍ أوْ حَمْلِ

فإذا قيل : مكلف . يتضمن ذلك كونه عاقلاً ، وكونه بالغاً ، فلا يجب الصوم على صبي ولا يجب الصوم على مجنون ، أما الصبي فالسُّنة إذا أطاق الصوم أن يعوّد عليه منذ الصغر كما في حديث أنس-t وأرضاه- أنهم كانوا يروضونهم على الصيام ويعطونهم اللعب يلعبون بها ، وهم صبيان ، ولكن ينبغي أن يكون مطيقاً لذلك ، أما إذا كان صغير السن يتضرر بإمساكه ولو بعض اليوم فإنه لا يُحمّل ما فوق طاقته لأن هذا يزعجه ولربما يجعله يكره هذه العبادة ، ولذلك إذا أطاقها وألفها فإنه يحبب فيها كما أُمر الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة لسبع تعويداً لهم على هذه العبادة ، وترويضاً لهم عليها ، فيعوّد الصبي الصيام من الصغر كأن يكون ابن العاشرة والحادي عشر أو يكون دون ذلك إذا أحب هذه العبادة وألفها وإذا صام فإنه يشجعه وليه على ذلك ويعينه عليه لما فيه من تحصيل مقصود الشرع من تحبيب العبادة على نفسه وتعويده عليها .

فيشترط أن يكون بالغاً ، وأن يكون عاقلاً ، فالمجنون لا نطالبه بالصوم سواءً كان جنونه بأن بلغ مجنوناً أو طرأ عليه الجنون فلا يطالب بالصوم ، وهكذا لو كان كبير سن فأصبح يضيع ويخلط ، فإذا أصبح يضيّع ويخلط وحصل له هذا التضييع والخلط والجنون أثناء الصوم فإنه لا يعتبر ملزماً بصيام ذلك اليوم سواءً كان جنونه مسترسلاً أو متقطعاً لكن إذا كان جنونه متقطعاً بأن طرأ عليه الجنون في نصف رمضان فالنصف الذي جنّ فيه ليس عليه قضاؤه والنصف الذي كان فيه مفيقاً فإنه بطالب بصيامه ، ثم لو أفاق بعد ذلك لو كان مجنوناً الشهر كاملاً ثم أفاق فإننا لا نطالبه بقضاء ذلك الشهر ؛ لأن المجنون حال جنونه غير مكلف .

مسألة : هل المغمى عليه في حكم المجنون أو في حكم النائم ؟

للعلماء في هذه المسألة قولان ، ومثال هذه المسألة كما يقع الآن-نسأل الله السلامة والعافية وأن يمنّ على مرضى المسلمين بالشفاء والعافية- مثل ما يقع في موت الدماغ الآن ، فبعضهم لربما يستمر الشهر والشهرين والثلاثة بل يستمر السنة بكاملها ، وقد يستمر سنوات وهو تحت هذه الأجهزة قد مات دماغه ولا يعقل ، فمثل هذا لا يطالب بصوم طويل بل لا يطالب أولياؤه لا بقضاء ولا بإطعام ؛ لأنه لم يجب عليه الصوم أصلاً إذا فقد وقرر الأطباء أنه قد فقد عقله ، فإنه في هذه الحالة لا يطالب بقضاء ولا يطالب أولياؤه - أيضاً - بالصيام عنه ولا بالإطعام عنه ؛ لأنه غير مكلف بالصوم أصلاً ، وأما بالنسبة للجنون المتقطع فحكمه ما ذكرناه أنه في حال إفاقته يطالب بالصوم ولا يطالب بالقضاء إن أفاق أثناء اليوم ، وبالنسبة للأيام التي هو فيها كالعاقل يطالب فيها بالصوم كالعاقل سواءً بسواء .

قوله-رحمه الله- [ قادر ] : أي يشترط في الصائم أن يكون قادراً على الصوم ، فخرج من هذا المريض ، فإن المريض لا يلزم بالصوم إذا كان مرضه لا يستطيع معه الصوم سواء كان لا يستطيع بالكلية كأن يخشى على نفسه الموت ، أو كان المرض يوجب الحرج والمشقة عليه إن صام ، فهناك نوعان من المرض :

النوع الأول : إذا قرر الأطباء أنه لو صام يهلك كما يقع في بعض الحالات التي-نسأل الله السلامة والعافية- يكون فيها فشل الكلى بحيث يقرر الأطباء أنـه في حالة خطرة بحيث لو انقطع عن الماء أن مصيره إلى الموت والهلاك ، وهكذا إذا كان معه مرض قلب أو كان حديث عهد بعمليات يحتاج إلى الاستمرار على دوائها فمثل هؤلاء يلزمهم الفطر ، ويجب عليه أن يفطر إن قال الطبيب : إنه يهلك لو صام ؛ لأن تعاطي الأسباب الموجبة للهلاك لا يؤمر به شرعاً ، ولذلك قال العلماء : من ترك أكل الميتة وهو مضطر لها حتى مات يحكم بكونه قاتلاً لنفسه-والعياذ بالله- لأنه قد تحقق أو غلب على ظنه أنه يموت فتعاطى أسباب الهلاك .

وقد أشار شيخ الإسلام-رحمة الله عليه- إلى هذا القول أنه لا يجوز للمسلم إذا توقفت نجاته على أمر أن يتعاطى أسباب فوات النفس ؛ لأن-I- يقول : { وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ، فليس في دين الله ولا في شريعة الله أن نلزم إنساناً بالصوم على وجهٍ يوجب هلاكه ، ولذلك أسقط الله الصوم في حال المرض لمكان المشقة الفادحة ، فلأن يسقط في حال الخوف على النفس من باب أولى وأحرى ، وعلى هذا فإنه إذا كان المرض مخوفاً بحيث يخشى على صاحبه أن يهلك فإنه لا يصوم .

وأما إذا كان يجد المشقة والحرج فإنه يخير ما بين الفطر والصوم ، والأفضل له أن يفطر لما فيه من الأخذ برخصة الله-U- ولأن النبي-r- عتب على الرجل أن شق على نفسه في الصوم وقال : (( ليس من البر الصيام في السفر )) أي على من يشق عليه ويحرجه أما لو كان في حال مرضه يطيق الصوم والصوم عليه يسير بدون مشقة ولا حرج فالأصل فيه أنه مطالب بالصوم ولا يرخص له .

مثاله : لو أن إنساناً كسرت يده فهذا في حكم المريض لكن كسر اليد لا يتأثر بالصوم ، فنقول : إنه يجب عليه أن يصوم إلا في حالة ما إذا كان عنده ألم شديد وتوقف على علاج يسكن له هذا الألم ، فرخص بعض العلماء-رحمهم الله- في تسكينه من باب دفع الحرج والله-تعالى- يقول : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } فلابد وأن يكون قادراً ، فإذا كان قادراً فإنه يجب عليه .

والدليل على اشتراط القدرة : قوله-تعالى- : { يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } وقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( اكلفوا من الأعمال ما تطيقون )) فأمرنا أن نتكلف من الأعمال والعبادات ما نطيقه وقال : (( إن المُنْبَتّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع )) فالشخص الذي يصوم وهو غير قادر سينتهي به الأمر إما أن يهلك وإما أن يؤدي العبادة على مضض وسامة وملل ولربما يترتب ضرر أعظم من تركه للصوم .

قوله-رحمه الله- : [ وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك ] : البينة مأخوذة من البيان ، يقال : بان الصبح إذا اتضح ضوؤه ، والشيء البين هو الواضح ، والبينة هي الدليل الذي يظهر صدق الدعوى ، ويكشف وجه الحق ، فلو أن اثنين اختصما عند القاضي فادعى أحدهما على الآخر شيئاً ، كأن يقول : لي على فلان ألف ريال ديناً فقال فلان : لا ليس له عندي شيء وأنكر ، فجاء المدعي بشاهدين عدلين ، فنقول : هذه بينة أظهرت صدق الدعوى لأنه لما قال : لي على فلان ألف ريال احتمل أن يكون صادقاً واحتمل أن يكون كاذباً ، والأصل أن المدعى عليه بريء حتى يثبت أنه مدان بهذا الحق ، فلما جاء بالبينة أظهرت صدق الدعوى ، والظهور الغلبة كما قال-تعالى- : { فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } أي غالبين ، فكأن صدق الدعوى وكذبها في منـزلة واحدة عند الإدعاء فلما جاء بالبينة أظهرت صـدق الدعوى وكشفت وجه الحق ؛ لأنه لما قال : لي على فلان ألف ريال فقال : فلان ليس له علي ألف التبس وجه الحق ، فلما قام الشاهدان انكشف أن الحق مع من قال : لي على فلان ألف ، فعلى هذا قالوا : إن البينة هي ما يظهر صدق الدعوى ويكشف الحق ، والأصل في البينة أن تكون بشهادة العدلين الذكرين على الشروط المعتبرة والرجل والمرأتان والأربع نسوة يكونون شهوداً وبينةً في الأموال وما يرجع إلى الأموال كما ذكرناه في مجلسنا الماضي ؛ لكن قد تكون البينة امرأة واحدة كالشهادة على الرضاعة كما قال  -r- : (( كيف وقد قيل ..؟! )) فقد قبل شهادة المرأة الواحدة ، فلو قالت امرأة أرضعتك وفلانة فإنه يثبت حينئذٍ أنها أخت لك ، وهكذا لو أن امرأة قابلة ( وهي التي تشرف على الولادة ) شهدت بأن المولود استهل صارخاً " فإن المولود والجنين لا يرث إلا إذا تحققنا من حياته ولا نتحقق من حياته إلا إذا عاش لحظة واحدة بعد ولادته فلو ولد ميتاً لم يكن له شيء فنحتاج لكي نثبت الميراث له أن يستهل صارخاً بأن يحدث منه الصوت أو الحركة التي تدل على الحياة - على خلاف عند العلماء -حال ولادته " فإذا شهدت امرأة واحدة أنه استهل صارخاً قُبلت شهادتها في الاستهلال ، قالوا : لمكان الضرورة والحاجة كما قبلنا شهادة المرضعة فهذه من المسائل التي تكون فيها البينة قاصرة وناقصة .

وعلى هذا فالبينة شاهدان عدلان قاما بالشهادة على وجهها أنهما قد رأيا الهلال ليلة البارحة ، والناس لم يروا الهلال فأصبحوا مفطرين في يوم الثلاثين من شعبان ، فجاءت البينة وشهدت عند القاضي أنها رأت الهلال ليلة البارحة ، وأن هذا اليوم من رمضان ، فيأمر القاضي بالنداء في الناس أن يمسكوا .

والدليل على ذلك : أن النبي-r- قال : (( إن الله فرض عليكم صوم هذا اليوم - يعني يوم عاشوراء - فمن أصبح منكم صائماً ، فليتم صومه ، ومن أصبح منكم مفطراً فليمسك بقية يومه )) فإن هؤلاء الذين أفطروا أفطروا في أول الأمر وهم لا يظنون أن الصوم واجب بل على يقين بأنهم يفطرون وكان الصيام تخييرياً لا إلزاماً فلما أمرهم النبي-r- أمرهم بالإمساك بقية اليوم ، قالوا : فيعذر أهل البلدة إذا لم يروا الهلال أول اليوم لمكان عدم العلم . فإذا علموا وتحققوا فقد تبين أن هذا اليوم يجب عليهم صيامه فعذروا بالفطر بأوله ، ولا يعذرون بالفطر في باقيه فيلزمهم الإمساك بقية اليوم على ظاهر حديث معاوية-t- ثم يلزمهم قضاء هذا اليوم ؛ لأن القاعدة في الشرع : " أنه لا عبرة بالظن البيّن خطؤه " أي لا عبرة بالظن الذي بان أنه خطأ فهم بنوا على غلبة الظن أن شعبان كامل ، ثم تبين أن هذا الظن خاطئ ، وقد تحقق أن هذا اليوم من رمضان فنعذرهم ؛ لأن القاعـدة : " أن الشيء إذا جاز لعذر يقدر بقدره " فجاز لهم أن يفطروا أول اليوم لأنهم معذورون بعدم العلم فلما زال السبب الذي من أجله عُذروا رجعوا إلى الأصل من كونهم مخاطبين بإتمام العدة ، وعلى هذا قالوا : يلزمهم الصوم بقية اليوم ويلزمهم قضاء هذا اليوم لأن الله أوجب عليهم صيام رمضان كاملاً ، وقال : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فهؤلاء مطالبون بصيام رمضان كاملاً ، وهذا اليوم من رمضان ولا وجه لإسقاطه .

وقال بعض العلماء : يمسكون بقية اليوم ولا يقضون ؛ لأن النبي-r- لم يأمر الصحابة بقضاء يوم عاشوراء وهذا مذهب مرجوح ، والجمهور على أنهم يقضون ووجه كونه مرجوحاً :

أولاً : يجاب عن حديث معاوية من وجهين :

الوجه الأول : أنه يحتمل أن النبي-r- أمرهم بالقضاء ويحتمل أنه لم يأمرهم " والسكوت عن النقل لا يدل على عدم الوجود " كما هو معلوم في الأصول ، وعلى هذا قالوا : إنه قد يكون سكت للعلم به بداهة أنهم مطالبون بالقضاء .

الوجه الثاني : أن هناك فرقاً بين استئناف التشريع وبين ثبوت التشريع ، فقالوا : إن التشريع استؤنف في أثناء اليوم بخلاف بقية الأمة فإنهم مطالبون بصيام الشهر كاملاً ؛ لأن التشريع موجود وإنما سقط عنهم القضاء لأن التشريع استؤنف ففرق بين كون التشريع مستأنفا وبين كونه ثابتاً ، فعلى هذا قالوا : إنه يجب عليهم قضاء هذا اليوم ؛ لأن الأصل أنهم مطالبون بصيام ثلاثين يوماً بخلاف أهل يوم عاشوراء فإنهم لم يطالبوا به في الأصل وعلى هذا فُرق بين الإلزام بصيام اليوم إذا قامت البينة وبين عدم ورود أمر النبي-r- بالقضاء في حديث يوم عاشوراء .

[ والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه ] : [ والقضاء على كل من صار في أثناءه ] : بمعنى أنه لو أصبح إنسان صائماً يوم الشك ، ثم تبين أن هذا اليوم من رمضان أي أنه من شعبان قالوا : يلزمه أن يقضي لأنه صام يوم الشك على نيةٍ مترددةٍ والنية المترددة لا تسقط الجزم فإن الإنسان إذا قال يحتمل أنه من رمضان ويحتمل أنه ليس من رمضان فأنا أصومه ، فإن كان من رمضان ففرض وإن كان من شعبان فنفل فأصبحت نيته ليست بمتمحضة بالفرض وقد نوى النفل أثناءها ؛ لأنه يقول : إن كان من شعبان فنفل فقد أدخل نية النفل عليه فقالوا : لم تتمحض نيته بالفرض ولا تصح نية الفريضة إلا متمحضة فيلزمه القضاء ، وقد ألزم النبي-r- بالنية في الصوم فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( من لم يبّيت النية بالليل فلا صوم له )) كما هو حديث ميمونة وهو حديث صحيح فلما ألزمنا بتبيت النية فالنية للفريضة فريضة ولا تكون مترددة وهذا قد نوى على التردد فلم تقع نيته وفق النية المعتبرة شرعاً ، فألزم الجمهور بقضاء هذا اليوم ويلزمه حينئذٍ أن يقضي هذا اليوم وهذا معنى قول العلماء يلزم القضاء للجميع ، لكن لو أن إنساناً رأى الهلال وحده فأصبح ناوياً صيام رمضان وقدم عليهم وهم مفطرون أول اليوم فأمسك ثم ثبت بالبينة أنه من رمضان فإن صومه يجزئه ولا يلزمه القضاء .

[ وكذا حائض ونفساء طهرتا ] : وكذا المرأة الحائض والنفساء ، فإنها إذا طهرت أثناء يوم رمضان فإنه يلزمها إمساك بقية اليوم وقضاؤه . وذلك أن المرأة الحائض سقط عنها الصوم أثناء تلبسها بالعذر ، والقاعدة في الشرع : " أن ما جاز لعذر بطل بزواله " فمثلاً جاز للإنسان أن يسأل الناس إذا أصابته حاجة فإذا تبرع الناس له حتى سُدت هذه الحاجة حرم عليه أن يسأل لقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( حتى يمسك قواماً من عيش )) فلما أمسك القوام من العيش رجع إلى الأصل من كون السؤال حراماً عليه قالوا : كذلك ما جاز لحاجة وعذر ، فإنه قد جاز للمرأة الحائض والنفساء أن تفطر لمكان العذر وهو الحيض والنفاس ، فإذا زال العذر وهو الحيض والنفاس وطهرت رجعت إلى الأصل من كونها مطالبة بالإمساك فيجب عليها أن تمسك بقية اليوم ثم بعد ذلك تقضي هذا اليوم وهكذا المسافر إذا قدم من سفره فإن الله أباح الفطر للمسافرين إذا كانوا على سفر فإذا قدموا وزال عنهم وصف السفر بقوا على الأصل من كونهم مطالبين بالإمساك بقية اليوم كما أمر النبي-r- الإمساك بقية يوم عاشوراء ، ولذلك قالوا : حكم المسافر والمرأة الحائض والنفساء حكم صيام يوم عاشوراء كما ورد عن النبي     -r- ولا وجه للتفريق بالتعليل والنظر ، ولذلك يُبقى على الأصل الذي دل عليه حديث عاشوراء وهذا المذهب وهو مذهب الجمهور هو أقوى المذاهب وأعدلها إضافة إلى أنه يرجع إلى الأصل ، ودائماً الفقه أقوى الأقوال فيه ما يقوى الأصل أو يشهد الأصل باعتباره فالأصل أنه مطالب بالإمساك وهذا شهر إمساك وصوم ، ولذلك لايفرق بين أجزاء النهار كاملة أو ناقصة فإذا جاز أن يفطر أو يأكل في حالة معينة على صفة معينة وزالت هذه الحالة والصفة وجب عليه أن يرجع إلى الإمساك الذي هو أصل الشهر ، فالشهر إنما سمي بشهر الإمساك لكون الصائم يمسك فيه ، ولذلك الأصل أنه يلزمه الإمساك فإذا جاز له أن يأكل لسفر أو مرض أو جاز للمرأة أن تأكل لحيض أو نفاس وزال الحيض والنفاس والسفر والمرض رجع إلى الأصل من كونه مطالباً بالإمساك .

[ ومسافر قدم مفطراً ] : وهكذا لو سافر إنسان وقدم من سفره أثناء اليوم فإنه يلزمه أن يمسك بقية اليوم لأنه جاز له الفطر أثناء السفر { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فجعل المريض والمسافر معذوراً أثناء السفر والمـرض ، فإذا زال السفر وزال المرض رجع إلى الأصل من كونه مطالباً بالإمساك في هذا اليوم .

[ ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه ] : هذا النوع الثاني ممن يرخص له أن يفطر في شهر رمضان وهو المريض الذي لا يرجى برؤه من المرض ، والكبير الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم ، فبالنسبة للمريض الذي لا يرجى برؤه كمن به فشل في الكلى-نسأل الله السلامة والعافية- أو معه مرض مزمن لا يمكنه أن يمسك عن الطعام والشراب فهذا يلزمه أن يطعم ، فيعدل من الصوم إلى الإطعام لقوله-تعالى- : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } وفي قراءة { وعلى الذين يطَّيَّقونه } وفي قراءة { وعلى الذين يطّوّقونه } والمراد بهذه القراءات أنهم يجدون المشقة والعناء ويتكلفون ما في طاقتهم ووسعهم للصوم ، فهؤلاء أوجب الله عليهم أن يطعموا المسكين فيعدلون من الصيام إلى الإطعام فيفطرون ، ولا يكون الصوم واجباً عليهم لا أداءً ولا قضاءً فيسقط عنهم الصوم بالكلية .

المريض الذي لا يرجى برؤه لأنه إذا أفطر لا يستطيع أن ينتقل إلى بدل ، فالمرض معه ، والعذر مستديم معه وهكذا الكبير الشيخ الهرم فإنه يفطر ولا يلزمه أن يقضي ؛ وإنما يعدل هذان الشخصان أو هذان النوعان إلى الفطر بدون قضاء ؛ لأن الله-I- أوجب عليهم الإطعام ولم يوجب عليهم الصيام لظاهر آية البقرة التي ذكرناها .

[ أطعم لكل يوم مسكيناً ] : إطعام المساكين له صور : إن شاء في كل يوم أن يرتب طعامه ويعطيه للمسكين وإن شاء جمع في آخر رمضان ثلاثين مسكيناً وأطعمهم أو مرّ على الثلاثين وأطعمهم دفعة واحدة ، لكن لو أنه من بداية رمضان أخذ طعام الثلاثين وفرقه على ثلاثين ناوياً به الشهر كاملاً لم يُجزه لأنه لا يجب عليه الإطعام إلا بالإخلال وذلك بفطره في اليوم ، فلا يطعم إلا بعد فطره ، ولذلك قالوا إذا أراد أن يطعم كل يوم إنما يُطعم بعد طلوع الفجر ؛ لأنه يفطر بعد طلوع الفجر وحينئذٍ يكون متوجهاً عليه الخطاب بالإطعام . أما قبل الفجر فإنه لا يُطعم لو كان قبل تبين الفجر الصادق فإنه لايطعم ؛ إنما يطعم بعد طلوع الفجر لأنه يتعين عليه حينئذٍ أن يطعم ، أما لو أطعم قبل فإنه في هذه الحالة يكون إطعامه نافلة ، ولا يكون فريضة لأن الله لم يوجب عليه الإطعام بعد كما لو صلى قبل دخول الوقت ، وبناءً على ذلك قالوا : العبرة بوقت الصوم فإذا دخل عليه وقت صوم هذا اليوم أطعم عن هذا اليوم فلو أراد أن يقدم لم يصح ذلك منه ووقع إطعامه نافلة لا فريضة .

وأما لو أخر وأطعم عن ثلاثين يوماً دفعة واحدة فيأتي على وجهين :

الوجه الأول : أن يجمع طعام ثلاثين يوماً ويعطيه لمسكين واحد .

الوجه الثاني : أن يجمع طعام الثلاثين ويفرقه على الثلاثين ، فإن فرق طعام الثلاثين على الثلاثين أجزأه ، وأما إذا أطعم مسكيناً طعام ثلاثين يوم فلا يجزيه إلا عن يوم واحد لأن كل يوم يخاطب فيه يحسبه ، فعلى هذا يجب عليه أن يطعم ثلاثين مسكيناً إذا كان الشهر كاملاً وتسعة وعشرين مسكيناً إذا كان الشهر ناقصاً ، والأفضل والأولى أن يطعم كل مسكين في يومه لكن لو أخر إلى آخر رمضان يُجزيه الإطعام لكن هل يأثم أو لا يأثم ؟

قال بعض العلماء بالإثم للتأخير ، ويصح إطعامه .

وقال بعض العلماء : يجوز له التأخير .

لكن القول بإثمه من الوجاهه بمكان والقوة بمكان ، وبناءً على ذلك فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً .

قوله-رحمه الله- [ ويسن لمريض يضره ] : ويسن الفطر لمريض لأن الله-تعالى- يقول : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فأمرنا الله-U- أن نعدل في حال المرض والسفر إلى الفطر لكن هل ذلك على سبيل الوجوب أو على سبيل التخيير ؟

للعلماء قولان :

القول الأول : قال جمهور العلماء من كان مريضاً أو على سفر إن شاء أفطر ، وإن شاء صام ، هذا مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة .

القول الثاني : قال بعض العلماء : المسافر لا يصح منه أن يصوم ولو صام في السفر بطل صيامه ويجب عليه القضاء ؛ لأنه لا يصح من المسافر أن يصوم لأن الله يقول : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي أنه يجب عليه أن يفطر ويكون صومه في عدةٍ من أيام أخر وهذا مذهب الظاهرية .

والصحيح مذهب الجمهور ، وذلك لأن السنة فسرت القرآن وبينت المراد منه وذلك أن النبي-r- خرج مع أصحابه مسافراً قال أنس : " فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " وفي الصحيح أن عمرو بن حمزة سأل النبي-r- فقال : إني أطيق الصوم في السفر فقال-عليه الصلاة والسلام- :     (( إن شئت فصم وإن شئت فأفطر )) فخيره-r- ولم يلزم عليه الفطر فدل على أن الإنسان مخير لكن إذا حصل الحرج والمشقة للإنسان في السفر فإنه يعدل إلى الفطر ، وقد يجب عليه ذلك ؛ لأن النبي-r- لما صام حتى بلغ كراع الغميم وهو موضع بين مكة والمدينة أقرب إلى مكة منه إلى المدينة وكراع الغميم هو كراع البحر أقرب إلى جهة عسفان ، المسافة ما بين المدينة وعسفان تقرب من سبع مراحل أو ثمان مراحل وثمان مراحل قرابة ثمانية أيام وكلها كان يصومها-عليه الصلاة والسلام- فلما بلغ كراع الغميم واشتد الصوم على المسافرين من أصحابه أفطر-عليه الصلاة والسلام- وأٌخبر أن أقواماً لا يزالون صائمين ، فقال-عليه الصلاة والسلام- : (( أولئك العصاة أولئك العصاة )) وهذا لأن اليوم كان شديد الحر والقر ، عظيم الضرر على المسافرين ، فكان المنبغي أن يأخذوا برخصة الله-U- عليهم فصار تكلفهم الصيام فيه حرج ومشقة على النفس .

ومن هنا قال العلماء : نفرق في المسافر ، فإذا كان السفر يحرجه ويتعبه ويشق عليه أن يصوم فيه فإنه يعدل إلى الفطر .

وقال بعضهم : بالوجوب كما ذكرنا ، وأما إذا كان يجد المشقة ولا تصل به إلى الحرج فهو مخير بين أن يفطر وبين ألا يفطر .

بقيت الحالة الثالثة : وهي أن يسافر وهو مرتاح لا يجد عناءً ولا مشقةً كما هو الحال في وسائل السفر الموجودة الآن فهل يجوز له أن يفطر ؟

الجواب : نعم يجوز له أن يفطر ؛ لأن الشرع علّق العلة بالغالب والقاعدة في الأصول في مثل هذه الرخص : " أنه لا يلتفت فيها إلى نادر الصور " ؛ لأن نادر الصور أن المسافر يرتاح والواقع أن المسافر له عناءان وعليه مشقتان :  مشقة ظاهرة ، ومشقة باطنة .

أما المشقة الظاهرة : فهي التعب في التحمل والنـزول والغربة .

وأما المشقة الباطنة : فهي مشقة التعب النفسي في بعده عن أهله وتغربه عن وطنه وإقدامه على هذا المكان الموحش والأرض القفراء التي لا أنيس فيها ولا جليس ، فهذا يرهق النفس ويتعبها وإن كان في الظاهر مرتاحاً مستجماً ، فالشرع علق الرخصة بوجود السفر ، فنحن نقول : من شاء أن يصوم ومن شاء أن يفطر ، ولو كان في حالة من الراحة والاستجمام لأن الله-U- جعل للمسافر أن يفطر بغض النظر عن كونه مرتاحاً أو غير مرتاح ، ولذلك لا نفرق بين المرتاح وغيره لأن التفريق بين المرتاح وغيره مبني على الاجتهاد والنظر والقول باعتبار الظاهر من النص أولى وأحرى ، ولذلك من الخطأ ما يقع فيه بعض الناس من الإنكار على المسافر المرتاح أنه يفطر وهذا خطأ ولا يقبل ؛ لأن الله-تعالى- أباح للمسافر أن يفطر ، ولم يفرق بين مسافر وآخر فنبقى برخصة الله-U- التي رخص لعباده ، ولذلك لا يجوز لأحد أن ينكر على مسافر أن يفطر ولـو كان في أقصى الراحة وأقصى الاستجمام ؛ لأن الله-U- أحل له ذلك فلا نلزمه بما لم يلزمه الله-U- به نقول هو بالخيار إن شاء أفطر وإن شاء صام والأفضل له إذا كان في سفر مرتاحاً أن يصوم ؛ لأن النبي-r- صام في السفر ولأن ذلك يبرئ ذمته وإبراء الذمة أولى من شغلها ، فكونه يبرئ ذمته بالعاجل أفضل ولأنه لا يضمن أن يبقى ، ولذلك كونه يخلي نفسه من المسؤولية والتبعة فهو أفضل له وأولى وأحرى ، فعلى هذا قالوا : الأفضل له أن يصوم ولا يفطر .

[ ولمسافر يقصر ] : وكذلك يباح الفطر للمسافر بشرط أن يكون سفره سفر قصر وسفر القصر ذكرناه في صلاة المسافر وهو أن يكون المكان الذي يقطعه في سفره مسيرة يوم وليلة على الإبل المعتادة ، وهذا يقرب من خمس وسبعين إلى ثمانين كيلو ، فمن قصد بلده ومدينة تبعد عن مدينته ما بين خمس وسبعين إلى ثمانين كيلو فإنه يباح له أن يفطر ، وأما إذا كانت المدينة تبعد عنه أقل من ذلك كسبعين كيلو أو ستين كيلو فإنه لا يفطر ، ولو كان الفرق يسيراً ككيلو أو نصف كيلو عن المسافة المعتبرة فإنه لا يفطر ، وقد استغرب بعض المتأخرين ذلك ، وقالوا : إنه كيف تحدد مسافة السفر فنقول - لشخص قصد مدينة تبعد أربعاً وسبعين كيلو - : لا يفطر ومن قصد مدينة تبعد خمساً وسبعين كيلو يفطر تقول : هذا تفريق من التشريع ، ولذلك لما سئل عبدالله بن عباس-t- عن القصر في السفر من مكة إلى الجموم ومرّ الظهران قال-t وأرضاه- : لا ، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف . فأجاز-t- القصر إلى جدة وكانت تبعد مسافة القصر ، والطائف لأنها تبعد مسافة القصر وعسفان لأن عسفان كان بينها وبين مكة مرحلة ، والمرحلة هي مسيرة اليوم والليلة الكاملة يسمونها مسيرة اليوم الكامل ، هذه مرحلة كاملة كانت بين عسفان ومكة ، فأجاز القصر في هذه المسافة ولم يجز دونها ، وكان ابن عمر كذلك كان يقصر إذا ذهب لمزرعته بوادي ريم ، وريم تبعد عن المدينة فوق السبعين كيلو ، وهي مسافة المرحلة الكاملة ، وعلى هذا فإننا نقول : إن الله-U- أباح للمسافر أن يفطر ولكننا لا نجيز في كل سفر الفطر ما لم يكن هذا السفر معتبراً شرعاً ، والسفر المعتبر شرعاً هو ما بلغ مسيرة اليوم والليلة .

والدليل على اعتبار الشرع له : أن النبي-r- قال : (( لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة )) فلو كان ما دون مسيرة اليوم والليلة يسمى سفراً لقال-عليه الصلاة والسلام- : لا يحل لامرأة أن تسافر يوماً لا يحل لامرأة أن تسافر نهاراً ، لا يحل لامرأة أن تسافر ليلة ، لايحل لامرأة أن تخرج من المدينة ولو كان كل خروج المدينة سفراً لقال : لا يحل لامرأة أن تخرج من المدينة ، فلما قال-عليه الصلاة والسلام- : (( أن تسافر )) وقيّد بقوله : (( مسيرة يوم وليلة )) أخذ منه جمهور العلماء أن السفر هو مسيرة اليوم والليلة ، فمن قصد من بلده موضعاً يبعد مسيرة اليوم ، والليلة من خمس وسبعين كيلو إلى ثمانين كيلو فإنه يقصر ويفطر ، ويشترط في هذا السفر ألا يكون سفر معصية ، فإن سفر المعصية لا يجوز للإنسان أن يفطر فيه لأنه ليس بسفر معتبرٍ شرعاً ، فإن بلغ به الحرج والمشقة والضيق حل له الفطر من باب آخر لا من باب السفر .

والأصل في ذلك : أن الشرع لم يأذن له بهذا السفر فصار كغير المسافر ؛ وإنما يحل له أن يقصر والفطر إذا كان سفره هذا سفراً شرعياً يعني يعتبره الشرع سفراً ، وأما ما لم يعتبره الشرع سفراً فإنه لا يفطر فيه كالسفر إلى حرام وقطيعة رحم وعقوق والدين ، فمثل هذه الأسفار لا يترخص صاحبها فيها ولا يجوز له أن يفطر ، ولا أن يقصر الصلاة كما قررناه في باب صلاة المسافر .

[ وإن نوى حاضر صيام يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر ] : هذا مذهب جماهير من أهل العلم-رحمة لله عليهم- أنه إذا أقام ثم طرأ عليه السفر في أثناء اليوم فإنه يجوز له أن يفطر ، فلا يشترط في المسافر أن يكون قد بيت النية للسفر ، فلو طرأ عليك السفر أثناء اليوم حل لك أن تفطر بمجرد خروجك من المدينة .

والأصل في ذلك : أن الله-تعالى- يقول : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } فوصف الإنسان بكونه على سفر ، وذهب بعض أصحاب النبي-r- إلى جواز الفطر في داخل المدينة .

وكان بعض العلماء يقول : بجواز الفطر بالنية وهذا من أضعف المذاهب ؛ لأنه يخالف نص القرآن وهدي النبي   -r- فإن النص القرآن الثابت في كتاب الله-U- أنه وصف الإنسان بكونه على سفر ، والذي على سفر لا يكون مسافراً إلا إذا أسفر والإنسان لا نقول : إنه على سفر إلا إذا خرج وأسفر ، والإسفار يتحقق بخروجك من آخر عمران المدينة ، فإذا خرجت من آخر عمران المدينة حل لك أن تفطر ، وأما إذا كنت داخل المدينة فإنه لم يتحقق كونك مسافراً ، ولذلك يقولون : إنه لا يعتبر مرخصاً له الفطر إلا إذا جاوز آخر العمران ، وقد بينا ضوابط مجاوزة آخر العمران في باب صلاة المسافر بكتاب الصلاة ، وبينا ضابط ذلك وما أثر عن بعض أصحاب النبي-r- كأبي بصرة الغفاري-t- من كونه أفطر وهو يرى البنيان ، قال العلماء في جوابه إن قوله : " إن ذلك من السُّنة " مراده أنه لا يشترط أن يغيب عن نظرك رؤية العمران ، فهناك مسألتان :

المسألة الأولى : خروجك من المدينة .

والمسألة الثانية : إذا خرجت من المدينة هل يشترط أن تغيّب العمران ؟ بمعنى أنك تبعد تبعد حتى إذا نظرت لا ترى أثراً للعمران أم أن العبرة بمجرد خروجك ؟

فظاهر ما جاء عن أبي بصرة أنه حينما كان على مركبه وسفينته على الدجى أنه كان يرى العمران ، فدل على أن رؤية العمران لا تسقط الرخصة ، وهذا صحيح ويقول به الجمهور ، أن العبرة بمجاوزتك للعمران وأن رؤيتك له ولو كنت على متر من العمران جاز لك أن تفطر ، فلا يشترط عدم الرؤية ، وفرق بين مسألة الرؤية وبين مسألة النية ومما يدل على أن الشرع في الرخص في السفر أنه أعطى رخصتين الرخصة الأولى قصر الصلاة ، والرخصة الثانية الفطر في الصوم ، وكلاهما من جنس العبادة ، ومع هذا في الصلاة فإنه بالإجماع لا يقصر الصلاة وهو في المدينة ولو كانت نيته السفر يدل على ذلك أن النبي-r- صلى الظهر بالمدينة أربع ركعات مع أنه ناوٍ للسفر لحجة الوداع ، فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين فمع ذلك كونه أصبح ذلك اليوم وهو ناوياً للسفر لم يقصر الصلاة ، ولذلك في الصوم لو أصبح وهو ناوٍ للسفر لا يباح له الفطر ما لم يخرج من المدينة ويجاوز عمرانها على الصفة التي ذكرنها في باب صلاة المسافر .

[ وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط ] : [ وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه ] : أي قضتا ذلك اليوم ، ولا يلزمهما إطعام .

الحامل والمرضع في فطرهما لا يخلو الفطر من ثلاثة أحوال :

الحالة الأولى : أن يكون الخوف على أنفسهما .

الحالة الثانية : أن يكون الخوف على الولد .

الحالة الثالثة : أن يكون الخوف على النفس مع الولد .

فإن كان خوفهما على أنفسهما أو على أنفسهما مع الولد فإنه يباح لهما الفطر والقضاء بدون إطعام ؛ لأن العذر متصل بهما ، وإن خافتا على الولد أفطرتا وقضتا وأطعمتا ، وهذا على ظاهر آية البقرة فإن قول ابن عباس-رضي الله عنهما- كان يرى أنها باقية في الحامل والمرضع في آية الطاقة { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } قـال : إن المرأة الحامل عليها أن تطعم المسكين ، وهذا في حالة ما إذا كانت مفطرة عن نفسها .

 فخالف جمهور العلماء والجمهور على أنه إذا أفطرت المرأة الحامل والمرضع خوفاً على أنفسهما أن الواجب عليها القضاء دون الإطعام كالمسافر والمريض ، ولذلك العذر متصل بهما ، أما إذا خافتا على الولد وحده ولم يكن الخوف على النفس فإنه حينئذٍ يلزمهما الإطعام والقضاء عن ذلك اليوم ، قالوا : الإطعام لمكان انفصال العذر ، وأما بالنسبة للقضاء فلكون اليوم واجباً عليهما بالأصل .

[ وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً ] : المرضع في بعض الأحيان تكون صحتها طيبة وهي قادرة على الصوم ولكنها تخاف أنها إن صامت أن الولد لا يجد اللبن ويتضرر لصيامها ، فقالوا : حينئذٍ يكون فطرها لعلة منفصلة عنها وهو الولد ، وهكذا بالنسبة للحامل تُطيق الصوم في نفسها ولكنها تخشى أن الولد يتضرر ، ويقول الطبيب : في هذا الشهر إذا صمتي يتضرر الولد ، فلا تصومين ، فحينئذٍ يكون الخوف على الولد وليس على المرأة الحامل فيكون العذر في كلتا الصورتين منفصلاً لا متصلاً بالمرأة نفسها .

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ  وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد  وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .