دروس عمدة الفقه

تابع باب صفة الصلاة ( لم يراجع من قبل الشيخ )


تابع باب صفة الصلاة ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب الصلاة

P

قال المصنف -رحمه الله- : [ ثم يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين؛ أما بعد :

فبعد أن بين المصنف -رحمه الله- لزوم قراءة الفاتحة، شرع في بيان ما يقرأه المصلي، وتشرع قراءته بعد سورة الفاتحة، وقد ثبتت عن النبي -r- السنن في قراءته بعد الفاتحة، فأجمع العلماء -رحمهم الله- على أن السنة في الصلاة السرية والجهرية أن يقرأ عقب الفاتحة إذا كان في الركعتين الأوليين من الثلاثية والرباعية، وبقية الصلاة كصلاة الفجر فإنه يقرأ فيهما، فصح عن النبي -r- أنه قرأ مما تيسر من القرآن بعد الفاتحة، وهذا القدر زائد عن الواجب، ولذلك لو أنه سها ولم يقرأ بعد الفاتحة فركع فصلاته صحيحة، وهل يسجد سجود السهو أو لا؟ إن قيل : بالسجود في المسنون شرع، وإلاّ فإنه لا يجب عليه سجود السهو .

وبين المصنف -رحمه الله- أنه يقرأ في الصبح بسورة من طوال المفصل، كنا قد ذكرنا أن القرآن حزبه الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعون، وكذلك اصطلح على أسماء يجزّأ فيها القرآن أجزاء على حسب طول السور وقصرها، وعلى حسب طبيعة السور من ناحية الفواصل، فالمفصّل سمي بذلك لكثرة الفواصل فيه، وآياته ليست بالطويلة بالنسبة لما قبله، وقد قسم القرآن إلى : الطول، وإلى المئين، وإلى المثاني، والحواميم، والمفصل، فهذه أقسام لكتاب الله -U- فالطول هي السبع : البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأعراف، والأنعام، والأنفال مع التوبة؛ لأنهم كانوا يحتسبونها بمثابة السورة الواحدة، ولذلك لم يجعلوا بينهما بسملة، هذه السبعة الطول، وصفت بذلك لطولها، وقد جاء أيضا في السنن عن الصحابة -رضوان الله عليهم- وصفها بذلك : (( أن النبي -r- كان يقرأ بأطول الطوليين )) التي هي سورة الأعراف، وهي من أطول هذه السبعة الطول، ووصفت بذلك لكثرة آياتها، ولطول المفاصل فيها؛ لأن أكثرها مدنية والآيات المدنية تمتاز بطولها؛ لأن الغالب عليها أنها آيات تشريع وأحكام، ولذلك أطول آية في كتاب الله آية الدين، وهي مدنيّة بإجماع .

فالسور المدنية والآيات المدنية غالبا ما تكون آياتها طويلة، والسبع الطول ورد في قصة عمر المشهورة في قصة الرجل حينما اشتكته امرأته في تقصيره في حقها فقال :

زهدني في فرشها ما قد نزل                     في سورة النحل وفي السبع الطول

إني امرؤ قد رابـني وجـل

فالسبع الطول هذه، ثم بعد الطول المئين، وهي تقارب مائة آية، قد ينقص بعضها عن ذلك، ولكن أكثرها من المائة فما فوق، وهذه المئين تشمل السور التي بعد السبع الطول، طبعا تشمل : يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم ، والرعد، والحجر، وإن كان هذه الثلاثة تختلف عما قبلها والنحل إلى الإسراء والكهف، ثم بعد ذلك المثاني ووصفت بذلك قيل : المثاني إنها دون ذلك يعني الأولى تقارب مائتين آية، والمثاني إلى مائة آية، تزيد قليلا أو تنقص عنها .

المثاني قيل : لأنه سمي فيها ذكر الأنبياء، وقصص الأنبياء بعد أن ذكرت في الطول، ويشمل ذلك طبعا : سورة الكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والنور، والمؤمنون، وأيضا سورة الفرقان، والشعراء، والقصص، والعنكبوت، إلى الحواميم، ثم بعد ذلك المفصّل .

هناك تحزيب ثان للصحابة -رضوان الله عليهم- وهو الوارد في حديث أوس بن حذيفة أنهم كانوا يحزّبون القرآن ثلاثا، وخمسا، وسبعا وتسعا، وإحدى عشر، وثلاثة عشر، من هذا الحديث أخذ العلماء أن المفصّل يبدأ من سورة ( ق ) .

فقوله -رحمه الله- : [ من طوال المفصّل ] : المفصّل يبدأ بسورة ( ق ) على الصحيح من أقوال العلماء -رحمهم الله-، وهناك من قال : الحجرات، ومنهم من قال : الفتح، ومنهم من قال : الرحمن، ومنهم من قال : الواقعة، ومنهم من قال : تبارك، ومنهم من قال : عمّ، أكثر من عشرة أقوال في بداية المفصل، ولكن الصحيح أنه من بداية ( ق ) ؛ لظاهر حديث أوس، فإذا تأمّلنا أنهم كانوا يحزّبون القرآن ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا وإحدى عشر وثلاثة عشر : المجموع ثمانية وأربعون سورة، فثلاث هي : البقرة، وآل عمران، والنساء، ومن أهل العلم من يسقط النساء ويدخل المائدة، والخمس هي : المائدة، والأعراف، والأنعام، والأنفال، والتوبة، هذه خمس سور، ثم السبع بعد ذلك وهي : يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، فهذه سبع، ثم بعد ذلك التسع يحزّبونها من : سبحان، أو سورة الإسراء، ثم الكهف، ثم مريم، ثم طه، ثم الأنبياء، ثم الحج، ثم المؤمنون، ثم النور، ثم الفرقان، فتنتهي بسورة الفرقان، هذه التسع، ثم الإحدى عشر تبدأ بالشعراء، ثم النمل، ثم القصص، ثم العنكبوت، ثم الروم، ثم لقمان، ثم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس، هذه إحدى عشر سورة، ثم بعد ذلك الثلاثة عشر الثلاثة عشر سورة طبعا تبدأ بالصافات، وتنتهي بالحجرات . الصافّات، ثم بعدها           ( ص)،والزمر، وغافر، وفصلت، ثم الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، ثم محمد، والفتح، والحجرات، هذه ثلاثة عشر سورة، هذا التحزيب الوارد في حديث أوس بن حذيفة يدل على أن المفصل يبدأ من سورة ( ق ) ؛ لأن الثلاث والخمس : ثمانية، ثم السبع والتسع : ستة عشر، ثمانية وستة عشر : يصبح المجموع أربعا وعشرين سورة، الأربع والعشرون سورة أضف إليها تحزيب الإحدى عشر مع الثلاثة عشر أربع وعشرون فيصبح ثمانية وأربعين سورة، المجموع لهذا التحزيب عن الصحابة        -رضوان الله عليهم- .

فبين هذا أن المفصّل يبدأ من سورة ( ق ) وهو أقوى الأقوال وأصحها، وأكّد هذا أن النبي -r- صلى في الفجر بـ ( ق ) ، ثم المفصل هذا، قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام : اتفقوا على نهايته بالناس، ومنهم من جعل له طوال المفصّل، وأوسط المفصل، وقصار المفصّل .

فطوال المفصل اختلف في بدايته ونهايته أيضا على أقوال، وهكذا الأوسط على حسب الاختلاف في نهاية الأطول، ولكن أعدل الأقوال وهو قول ابن معن وأشار إليه غير واحد من أئمة القراءات وعلوم القرآن إلى أنه يبدأ بـ (ق) وينتهي بـ (عم) هذا طوال المفصل، ثم من عم إلى (والضحى) أوسط المفصّل، ثم من الضحى إلى آخر القرآن قصار المفصّل .

المصنف -رحمه الله- يختار أنه في صلاة الفجر يقرأ من طوال المفصّل؛ والدليل على ذلك أن النبي -r- كان يطيل في صلاة الفجر، وفي الصحيح عنه -عليه الصلاة والسلام- : (( أنه كان يقرأ في صلاة الفجر ما بين الستين إلى المائة آية )) وهذا يعني قدر تقريبي من جابر -رضي الله عنه وأرضاه- .

وثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يطيل في صلاة الصبح، وأنه كان ينفتل منها حينما يعرف الرجل جليسه، بمعنى أنه كان يدخل في صلاة الفجر في أول وقت الفجر وهو الغلس والصبح يقول جابر -t- : (( والصبح كان النبي -r- يصليها بغلس )) وعائشة -رضي الله عنها- تقول كما في الصحيحين : (( كان النبي -r- يصلي الصبح فيشهد معه النساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهم ما يعرفن من شدة الغلس )) فإذا كان النبي --r يستفتح صلاة الصبح بغلس، وكان يقرأ من الستين إلى المائة آية، والغلس هو اختلاف ظلمة الليل مع ضياء النهار، فلا تعرف فيه الأشياء، ولا تتميز، وما كان يسلم من صلاته   -عليه الصلاة والسلام- إلا حين يعرف الرجل جليسه، كما في حديث أبي برزة في الصحيحين، بمعنى أنه إذا نظر إلى من بجواره عرفه وعرف وجهه داخل المسجد، وفي حديث عائشة : (( ما يعرفن من شدة الغلس )) إنما هو في الرؤية البعيدة، وعلى هذا فمعناه أن النبي -r- كان يبكّر في صلاة الصبح فيقرأ من الستين إلى المائة آية، ولكن الانتظار في صلاة الصبح إلى النصف الساعة . بعض الأئمة يجلس إلى الساعة إلا ربعاً، إلى الساعة إلا ثلثاً ثم يريد أن يصلي صلاة رسول الله -r- ويطوّل بالناس، هذا خلاف السنة في الأفضل، الأفضل أنه يبتدئ بغلس، ولذلك يستحب في يوم الجمعة إذا كان يريد أن يصلي بسورة الجمعة والإنسان أنه يبتدئ بغلس، فبدل أن يقيم بعد نصف ساعة يقيم بعد ربع ساعة، بعد اثنتي عشرة دقيقة، وهذا فيه رفق بالناس، ومن الناس من يأتي من الأذان الأول، ومنهم من يبكّر، فإذا جلس ينتظر الصلاة، وربما اضطره ذلك إلى انتقاض وضوئه أو حصول الحرج عليه . فالشاهد من هذا أن السنة إصابة أول الوقت في الصبح، وقد نبهنا على هذا أكثر من مرة .

ولكن المصنف -رحمه الله- يقول : يقرأ من طوال المفصل، وقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قرأ بسورة ( ق والقرآن المجيد )، وهذا على أنها من طوال المفصّل، ويجوز أن يقرأ بقصار المفصل، وإنما الأفضل والسنة أن يقرأ بطوال المفصل، وأن يطيل في القراءة، وأثر عن عمر بن الخطاب -t- أنه صلى بالناس بسورة يوسف في صلاة الفجر، حتى بلغ قوله : { إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله } جعل يبكي حتى سمع نشيجه من الصف الثالث -رضي الله عنه وأرضاه-، فهذا يدل على أن السنة -سنة النبي     -r-، وسنة الخلفاء الإطالة في صلاة الصبح، ثم لا يمنع هذا أن يخفف، فيصلي مثلا بقصار المفصل أو أوسط المفصل، وقد جاء بحديث (( سبح اسم ربك  الأعلى )) و (( هل أتاك حديث الغاشية )) وهي من أوسط المفصل، وثبت عن النبي -r- أنه قرأ بالزلزلة، قرأها في صلاة الصبح في الركعة الأولى والركعة الثانية، حتى ظن بعض الصحابة أن النبي -r- أخطأ في هذا يعني أنه كرر السور خطأ، والواقع أن النبي -r- كررها عمدا، حتى يبين للناس عدم لزوم التطويل، وأيضا يبين للناس أنه لا بأس أن يكرر السورة نفسها، وأن الأمر ليس بمتعين، يبين لهم الجواز، وهذا فقه السنن أن بعض الناس إذا سمع السنن جعلها فرضا واجبا، وبالغ فيها وغلا، فالسنة لها قدر، قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، واجبة لازمة، وقد تكون غير لازمة، ومن فقه الأئمة والعلماء - رحمهم الله - أنهم ينبّهون الناس قالوا : إن قراءته للزلزلة تنبيها للناس على أنه لا يتعين أن يخالف بين الركعتين، وأنه لا بأس أن يقرأ نفس الآيات التي قرأها، وهذا رفق بالأمة؛ لأن هناك من الناس من لا يحفظ من القرآن إلا القليل، وإذا شرع له أن يكرر نفس الذي قرأه، فإن هذا أوسع وأرفق .

وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه استفتح بالصلاة -صلاة الفجر-، فسمع بكاء الصبي فقرأ : { إنا أعطيناك الكوثر } ثم قال : (( إني سمعت بكاء صبي فأشفقت على أمه )) ومن هنا السنة التخفيف على الناس كما سيأتي .

هذا بالنسبة لصلاة الصبح أنه يقرأ فيها بطوال المفصل .

قال بعض العلماء : إن النبي - r - أطال القراءة في صلاة الصبح، وذلك لفضلها، وشرفها، وعظيم النفع والخير فيها؛ وذلك من وجوه :

أولا : من ناحية نقلية، قوله تعالى : { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } قيل : إن النزول الإلهي يستمر إلى نهاية القراءة في صلاة الصبح، وقوله : { مشهودا } أي أنه من الله -U- وهذا أمر عظيم وفضل عظيم في قراءة الصبح وقيل : { مشهودا } تشهده الملائكة، وهو أصح القولين؛ لأن النبي -r- قال: (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الغداء -التي هي الصبح-، وصلاة العشي -التي هي صلاة العصر- )) .

وهذا الفضل الأول : فضيلة شهود الملائكة، وفرّع العلماء عليه مسألة مشهورة وهي : أن من أهل العلم من فضل سماع القراءة في صلاة الصبح على الصف الأول، طبعا في القديم لم يكن يوجد المكرفونات أو آلات الأجهزة التي تبلغ قراءة الإمام، فاختلفوا : هل الصف الأول البعيد الذي لا يسمع معه قراءة الإمام أفضل أم أنه يأتي وراء الإمام في الصف الثاني والثالث ؟

فقال بعض العلماء : إن إتيانه وراء الإمام في الصف الثاني والثالث يسمع القراءة أفضل من أن يصلي في الصف الأول إذا تباعد على وجه لا يسمع القراءة، قالوا : لأن فضل قراءة الفجر، والثاني عظم الأجر فيها أنه يسمع القرآن، وثالثا : أنها راجعة إلى ذات الصلاة؛ لأنه يؤثّر فيه الخشوع، ويؤثّر فيه حضور القلب، وذلك ربما غير من حياته، وربما أمر أو نهي بأمر الله أو نهيه، بخلاف ما إذا صلى في الصف الأول فإنه يحصل فضيلة المكان. والفضيلة عند العلماء فيها قاعدة : أن الفضائل المتصلة بالصلاة مقدمة على الفضائل المتعلقة بزمانها أو مكانها أو وسائلها، فالشاهد من هذا أن العلماء فضلوا قراءة الفجر من هذا .

الوجه الثالث : في تفضيل قراءة الفجر أن الإمام والناس يقومون من النوم، وحينئذ يكونوا القلب أكمل حضورا، وأكمل خشوعا، والنفس أكمل استجماما، فهي أوعى لكتاب الله، وأوعى لكلام الله، فالنفع أعظم، ومن هنا طالت القراءة في الفجر أكثر من المغرب والعشاء، فإن المغرب والعشاء يكون الناس في حال تعب، وإتيانهم من مشاغل الدنيا، فلذلك طالت قراءة الفجر وقصرت قراءة المغرب والعشاء بالنسبة لصلاة الفجر، وهذا بالنسبة لما يشرع ويسن في القراءة، وأن الشرع قصد من هذه القراءة بلاغ الناس وتنبيه الناس، ولذلك اختار النبي - r - السور الجامعة، وكل كتاب الله - U - سوره جامعة؛ سواء طوالها أو قصاره، فلربما جاءت السورة من أربع آيات أو خمسة آيات تجمع مقاصد القرآن كلها، وهذا مما أعجز فيه القرآن وهو مما يدل على أنه معجزة من المعجزات العظيمة، فكان النبي -r- يختار في صلاة الفجر السور المؤثرة، ففي يوم الجمعة اختار سورة ((السجدة)) و((هل أتى)) ؛ لأن فيهما التبكير ببداءة الخلق، وإثبات توحيد الربوبية لله - U - بأنه خلق الخلق، وأنه قادر على الإعادة، والإحياء بعد الموت، وهو الذي تنازع فيه الرسل مع أقوامهم أنهم كذبوا البعث بعد الموت، فجاءت الآيات مذكّرة بهذه المقاصد العظيمة التي من أجلها اعتنى القرآن في كثير من المواطن وآياته بها . يشرع له أن يقرأ من طوال المفصل .

[ وفي المغرب من قصاره ] : ويقرأ في المغرب من قصار المفصل، فالسنة وردت عن النبي - r - التخفيف في صلاة المغرب، ووردت عنه أنه قرأ بالأعراف، وقرأ بالطور، وقرأ بالمرسلات -صلوات الله وسلامه عليه- ، وهذا يدل على أن الأمر على سبيل السنية، وليس على سبيل الفرض والوجوب، حتى إن أم المؤمنين ميمونة -رضي الله عنها- لما سمعت القارئ يقرأ المرسلات ذكرت أنها آخر ما قرأ رسول الله - r - في آخر صلاة صلاها يعني صلاة المغرب في مسجده -صلوات الله وسلامه عليه- بأصحابه، فهذا يدل على أنه إنما هو على سبيل الفضيلة، وأكد العلماء - رحمهم الله - هذا بأن المغرب وقت يأتي الناس فيه من عناء ومن تعب، ولذلك يخفف عليهم حتى لا يكون فيه نفرة، وهذا من جهة المعنى في المناسبة .

يقرأ في المغرب من قصار المفصل، وقصار المفصل : من الضحى إلى آخر القرآن، هذا من قصار المفصل كما ذكرنا، وورد عنه -عليه الصلاة والسلام- مما يدل على صحة ما ذكره المصنف أنه قرأ في صلاة المغرب بـ ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) و( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد) بالإجماع من قصار المفصل، وهذا يدل على أنه يشرع قراءتها أي قراءة قصار المفصل والمناسبة فيها ظاهرة .

[ وفي سائر الصلوات من أوسطه ] : وفي سائر الصلوات يعني بقية الصلوات الظهر والعصر والعشاء من أوسط المفصل؛ ولذلك قال r لمعاذ : (( أفتّان أنت يا معاذ، ثم قال : هلا قرأت بـ (( سبح اسم ربك الأعلى ))  (( والليل إذا يغشى )) وكل من سبح والليل على القول بأن سبح يبتدئ أوسط المفصل قيل : من المرسلات وقيل : من عبس وقيل: من سبح يصبح حينئذ من أوسط المفصل .

وكذلك أيضا إذا قيل إنه يبدأ بـ ( عم ) فإنه يدخل في أوسط المفصل، وقد أمر النبي - r - بالليل إذا يغشى ، وبـ (( الضحى والليل إذا سجى )) و (( سبح اسم ربك الأعلى )) وهذا يدل على أن أوسط المفصل في صلاة العشاء؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - أهل قباء اشتكوا معاذا في صلاة العشاء، وأمره النبي - r - أن يقرأ بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) و ( والليل إذا يغشى ) و ( والشمس وضحاها ) أمره أن يقرأها في صلاة العشاء، قال : (( هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها )) فهذا كله من أوسط المفصل، ومن هنا في صلاة العشاء يقرأ في أوسط المفصل .

وفي صلاة الظهر والعصر يقرأ بالثلاثين آية في صلاة الظهر بين الركعتين كما صح عنه -عليه الصلاة والسلام- ونصفها في صلاة العصر، وهذا كله قريب من أوسط المفصل، إلا أنه في صلاة الظهر يقرأ في الأخيرتين بسورتي الإخلاص، هذا بالنسبة لهدي النبي - r - في قراءته في الصلاة، لكن هناك أمور ينبغي التنبيه عليها في القراءة في الصلاة :

أولا : بالنسبة للمنفرد يتتبع ويتحرى السنة عن رسول الله - r -، ومن تحرى السنة الواردة عن النبي - r - أجر بأجرين : أجر العمل، وأجر المتابعة للنبي - r -، ثم إن تتبّع السنة فيه رحمة، وفيه هداية للإنسان، كما أخبر الله - U - أن اتباع النبي - r - طريق للهداية، وقل أن تجد إنسانا يحب السنة، ويتعلم السنة ويطبقها إلا وجدته على هدى وعلى صراط مستقيم - جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل - .

ثانيا : إذا كان الإنسان إماما، فعلى الأئمة أن ينتبهوا لأمور مهمة في الإمامة بالناس والقراءة :

أولها : قضية الإخلاص لله - U -، فإن المقصود من القراءة في الصلاة التأثر بالنسبة للقارئ، والتأثير للغير بالنسبة للسامع، وإذا كان الإمام يتقي الله - U - في قراءته، ويقصد وجه الله - I - لما يتلوه من آيات، نفع الله بقراءته، وفتح الله عليه، ولربما سمعه الضال فاهتدى، والعاصي فتاب، ولربما غيرت من حياة الإنسان في سلوكه وقومت منهجه وسددت قوله وعمله، وقد كثر في هذا الزمان -إلا من رحم الله- الاشتغال بأشكال القراءة عن مضمون القراءة، فالاشتغال بالتمطيط والتغني والزيادة والتكلف في نغمات القرآن إلى درجة قد تخرج الحروف عن صفاتها وعن مستحقاتها، وهذا لا شك أنه خلاف السنَنَ.

فأولا : الإخلاص بأن الله لا يبارك بقول إنسان ولا عمله إلا بالإخلاص، وإن مما يعين الإمام على الإخلاص أن يتّقي الله ويتذكر أن الذي قدّمه على الناس هو ربه، وأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن الله مطلع على ضميره وقلبه في قراءته، وأنه -والله- لو رزق أجمل النغمات وأجمل الأصوات وأعطي مزمارا من مزامير آل داود ولم يرد وجه الله كان في سفال في قراءته؛ لأن الله لا يحب المرائين، ولا يحب أن يشرك معه غيره (( من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه )) ، فبمجرد ما يخرج من بيته يخرج بخوف ووجل، يسأل الله الإخلاص، ولينظر كم له من الأجر إن عمل لله، وماذا يجد عند الناس إن عمل لغير الله، وليعلم أنه سيبقى في هذا المحراب أو مقدّما على الناس مدة معدودة ولصلوات محدودة لا يجاوز فيها أجلا كتبه له ربه، ولا يتعدى فيها قدرا وضعه له ربه، فهذه من البلايا التي عظمت في هذا الزمان الاشتغال بالتمطيط والاغترار بكثرة الحضور حتى إن المصلين يذهبون يبحثون عن النغمات -إلا من رحم ربك- والصلاة ما جعلت لهذه الأشياء الشكلية، إنما نزل القرآن للعمل { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته } فهذا هو المقصود الأعظم، ولا تدبر إلا بإخلاص، ولا تدبر إلا بإرادة وجه الله - U - .

ثانيا : مما يعين على الإخلاص براءة الإمام من حوله وقوته، فإذا خرج إلى الصلاة مع أنه متمكن من الآيات التي يتلوها يخرج ولا حول له ولا قوة إلا بالله  - U -، فهذا مما ينفع الله به في التلاوة، ويجعل لها أثرا في القلوب وفي النفوس .

كذلك أيضا مما ينصح به عدم الإطالة على الناس . النبي - r - كان يقرأ بـ (( السجدة )) و (( هل أتى )) ، فلربما جلس يمطط في القراءة ويتنغم ووراءه كبار السن والضعفة والحطمة والمرضى، ووراءه أهل الظروف وأهل الحوائج، فعليه أن يطبق السنة بطريقة تحبب الناس السنة، وأن لا يطبق السنة على وجه ينفر الناس من السنة . كانت قراءة النبي - r - على أتم وأفضل وأجمل وأجل ما تكون عليه القراءة، فرتل كتاب ربه ترتيلا، فكان عليه الصلاة والسلام يطيل فما يمل في إطالته، ويخفف فما يخل في تخفيفه -عليه الصلاة والسلام-، وهذا هو القصد والسنن .

وانظر رحمك الله حينما يسمع بكاء الصبي فيقرأ : { إنا أعطيناك الكوثر } إمام قلبه مع المأمومين شفقة ورحمة -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه-، فمن كان في تطبيقه للسنة يتحرى تحبيب الناس في السنة، وترغيبهم فيها، فهو المبارك الموفق، وإذا كان الإمام يدخل لمحرابه ويرقى منبره لا يبالي بأحد يطيل في خطبته ويطيل في صلاته، وإذا قيل له : يا أخي، اتق الله لا تنفر الناس . قال : أبداً، الذي يريد أن يصلي فيصلَّ، والذي لا يريد أن يصلي فلينصرف ! صلى رجل بالناس فخطب خطبة الجمعة ثلاث ساعات في شدة الصيف، في رمضان، فقالوا له : اتق الله -U- ، وقرب وقت العصر، قال : ماذا ؟ أنتم جالسون وأنا الذي أتعب ! يعني أنا الذي أصيح، وأنا الذي أتعب وأنتم جالسون ما عليكم كلفة، وهل هي القضية أنك تتعب أو نجلس، القضية قضية سنة، وترغيب وتحبيب واتباع، فإذا شعر بحالة من وراءه الإمام كان مخلصا، وكان يحرص على تحبيب الناس للسنة، وطبق هذه السنن على شكل يحبب فيه الناس إلى الصلاة وراءه جمع القلوب، ورغّبها في الوقوف بين يدي الله - U -، وأكد النبي - r - حينما اجتمعت سننه : قولا وفعلا على تقديم التخفيف على الناس على الإضرار بهم، فهو عليه الصلاة والسلام يقول لمعاذ - ومن معاذ في فضله ونبله أحد القلائل الذين جمعوا كتاب الله في زمان رسول الله - r - ومع ذلك يقول له : (( أفتان أنت يا معاذ !! )) وماذا فعل معاذ؟! معاذ كان يقرأ وقراءته من أجمل القراءات   -رضي الله عنه وأرضاه- ومع هذا كان يقرأ من أجل أن يؤثّر في الناس وينفع الناس، وهو الذي يتحمل المشقة، يصلي العشاء مع النبي - r -، ثم ينطلق إلى قومه، فقال له النبي - r - : (( أفتان أنت يا معاذ !! )) .

وانظر رحمك الله كيف اختار النبي - r - أسلوب قوي بليغ في الزجر والتقريع والتوبيخ، الفتنة من أعظم شيء، وهو أن يفتن الناس عن دين ربهم، فجعل فعل معاذ موجبا للفتنة؛ لأن الرجل انقطع عن الصف وأتم لصلاته، وجاء إلى معاذ حتى قالوا : إنه منافق فاتهم في دينه، فجاء إلى رسول الله - r - واشتكى إليه وقال : يا رسول الله إنا أصحاب حرث وزرع وإن معاذاً يصلي معك العشاء الآخر ثم يأتينا بالليل وذكر له أنه استفتح بسورة البقرة . فالشاهد من هذا أن النبي - r - قال له : (( أفتان أنت يا معاذ !! )) .

ثانيا : صحت عنه السنة أن رجلا جاء واشتكى إليه -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه-، وقال : إني ما أصلي ورأى فلان مما يطول بنا فما كان يقول أبي مسعود - t - والله ما رأيت النبي - r - أشد غضبا من موعظته تلك، وقال - أي في الموعظة - : (( أيها الناس، إن منكم منفرين، إن منكم منفرين، إذا أم أحدكم بالناس فليخفف فإن وراءه الكبير والسقيم والضعيف وذا الحاجة )) .

عاش مع الناس في أشجانهم، عاش مع الناس في ظروفهم، فالذي يدخل المحراب لا يرى إلا نفسه، ولا يرى إلا هو، ولربما صلى بالناس الجمعة والناس في شدة الحر، في شدة وهيج الشمس وهو تحت المكيف وفي البراد يخطب النصف ساعة في ذروة الصيف، والناس تحت وهيج الشمس، فمثل هذا ينبغي إذا نظر إلى سنة النبي - r - أنه كان يقرأ بالجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة، فإذا كان يقرأ بالجمعة والمنافقين والجمعة مع المنافقين صفحتين يكون صفحتين ونصف، صفحتين ونصف وهو يقول : (( من مئنة فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته )) فإذا كانت الصلاة صفحتين ونصف كم تكون الخطبة ؟ الآن لو يأتي بعشر ورقات يقلبها، ثم يقف عند كل عبارة تحتاج إلى وقفات، وربما خرج عن المكتوب إلى الملفوظ، وهذه الأمور يعيش فيها كأنه يخاطب نفسه، فعندها يتألم الناس ويتأثر الناس، وكم رأينا من حوادث يعني يضيق بها الناس ذرعا، الكلام المختصر المؤثر في الخطب، القراءة الموجزة المؤثرة الخاشعة التي هي من قلب، يتفقد الناس بالسنة بين حين وآخر، يطبق السنة بطريقة ينظر فيها إلى أحوال الناس استطاعتهم وقدرتهم ومحبتهم، وليس معنى هذا أننا نترك السنن من أجل الناس، وأيضا ليس معنى هذا أن نطبق على طريقة تنفر الناس؛ لأن السنة جاءت للترغيب لا للتنفير، وعلى الأئمة عليهم مسؤولية كبيرة أمام الله - U - نسأل الله لهم المعونة والتوفيق -، وينبغي التناصح في مثل هذا .

فالسنة من ناحية القول والفعل على التخفيف، والنبي - r - صلى في بعض الصلوات مثلا قرأ في الفجر كما ذكرنا بـ ( السجدة ) و ( هل أتى ) فما معنى ذلك ؟ ما قال الراوي : ما كان يقرأ في الفجر إلا (( السجدة )) و (( هل أتى )) في فرق بين قوله : ما كان يقرأ إلا كذا وبين قوله : كان يقرأ، فالإنسان يختار الوقت المناسب، ويختار قدرة الناس واستطاعة الناس، فإذا كان في حيه الضعفاء، ولربما كان أشد الناس ملازما للمسجد كبار السن والضعفاء ترفق بهم، وأحسن إليهم، فإذا كان على هذا الوجه لا شك أنه سيصيب السنة .

السنة قولا وفعلا : القولية في قوله : (( إذا أمّ أحدكم بالناس فليخفف )) فهذا نص صحيح صريح يدل على أن  التخفيف هو الأصل .

وحديث أنس : (( ما رأيت أخف ولا أتم صلاة من رسول الله - r - )) هذا في الوصف العام، ولذلك لو أن شخصا قال : ما رأيت أخف ولا أتم صلاة من رسول الله - r - يأتي ويصلي بالناس الأعراف ويقول : والله هذا أخف وأتم؛ والدليل على أن مقصود النبي - r - بالحديث الأول غير مقصود بفعله أنه عليه الصلاة والسلام لما صلى الصبح وسمع بكاء الصبي قرأ : { إنا أعطيناك الكوثر } فهنا معنى لا أخف ولا أتم صلاة : أي أنه يخفف في الموضع الذي يناسبه التخفيف، ويتم عليه الصلاة والسلام في الموضع الذي يناسبه الإطالة . أحببنا أن ننبه على هذا؛ لأنه عمت به البلوى، وبالأخص إذا كان التطويل على وجه فيه حظوظ للنفس مثل ما ذكرنا من التنغيم والخروج عن السنن في القراءة، وعلى الأئمة أيضا أن يتقوا الله - U - في عدم التلحين والتطريب الذي يخرج الحروف عن صفاتها، ولذلك الأصل عند العلماء جواز أن يقرأ القرآن ويحسن قراءته بالقرآن كما أثنى النبي -r-  على الصحابة -رضوان الله عليهم- على أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود، وقال في أبي موسى الأشعري : (( لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ))، وقال لعبد الله بن مسعود حينما مر فسمعه يقرأ القرآن في المسجد ثم سمعه يدعو فقال له : (( سل تعطَ سل تعطَ )) وهذا يدل على شرف أهل القرآن، وعظيم منزلتهم عند الله - U -، حتى إن رسول الأمة - r - وقف على هذا الصحابي الذي جمع القرآن فأثنى عليه، وبشره بهذه البشارة فقال : (( سل تعطَ )) وجعل هذا بعد إتقانه للقرآن، ولذلك قال في نفس الليلة (( من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما نزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد)) فهذا يدل على شرف القراءة، لكن هذا التحسين للقرآن يشترط أن لا يخرج الحروف عن صفاتها، والأصل عند العلماء أنه يجوز التلحين -تلحين القرآن- دون أن يخرج الحروف عن صفاتها أو يعتدي في تلحينه :

اقرأ بلحن العرب إن تجود                            وأجز الألحان إن لم تعتد

فالأصل أن لا يعتدي، يعني يجاوز الصفات المعتبرة والحدود المعتبرة في القراءة .

[ ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء ] : ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، هذه هي سنة النبي - r - : الجهر أن يسمع نفسه إذا كان منفردا، ويسمع من وراءه إذا كان إماما، فيسمع نفسه مثلا لو صلى لوحده الفجر يقرأ الفاتحة وسورة بقدر يسمع قراءة نفسه، ولا يبالغ بالرفع؛ لأن هذا قد يمنعه من الخشوع، وإنما يكون على السَنَن إذا كان لوحده يسمع نفسه، وإذا كان إماما يسمع غيره، يجهر بالقراءة في صلاة الصبح؛ لأن النبي - r - جهر بها وفي الأوليين من المغرب والعشاء، وأما الظهر والعصر فكلتاهما سرية لا جهر فيهما .

[ ويسر فيما عدا ذلك ] : في الأخريين من الظهر ثبت عن النبي - r - في صلاة الظهر أنه ربما رفع صوته بالآية يسمعها لأصحابه -صلوات الله وسلامه عليه-، وهذا فيه عدة فوائد :

منها قيل : إن هذا الرفع يدفع عن المأموم ظن السهو؛ لأن الإمام إذا طول ربما ظن المأموم أنه سها، ولذلك يقوم حتى يقول القائل إنه قد نسي عليه الصلاة والسلام، فيدفع عن المأموم ظن السهو، وهكذا في الركوع والسجود، فإذا رفع صوته ببعض الأذكار أسمع دفع هذا الظن .

ثانيا : أن الرفع بالآية والآيتين قد يكون لمحض الخشوع، فلا يملك الإنسان نفسه، كما ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قرأ بسورة الأنبياء، وأنه خشع عليه الصلاة والسلام وبكى في آخر الآية، ثم ركع أدركته السعلة  فركع عليه الصلاة والسلام .

وكذلك أيضا هذا الرفع لبيان الجواز، ومن هنا أخذ منه بعض العلماء أن الجهر والإسرار سنة، بحيث أنه لو أخطأ جاء في صلاة الظهر، وقال : الله أكبر، ثم قرأ دعاء الاستفتاح ثم قال : الحمد لله رب العالمين جهرة، أو العكس فقرأ مثلا في صلاة المغرب الفاتحة فسمعوه يقرأ سرا فسبحوا له فانتبه في نصفها، يرفع من الموضع الذي نبه فيه، مثلا قال : { الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم } ثم قيل له : سبحان الله، فانتبه فقال : { مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين } فترك الجهر بأول السورة، أو ربما ترك الجهر بالفاتحة كاملة ونبه بعد الفاتحة، في هذه الحالة إذا قيل إنه ليس بواجب لا يلزمه سجود السهو، على أن السنن لا يسجد له، وسيأتي في سجود السهو -إن شاء الله تعالى- .

إذاً هذا الجهر لما جهر عليه الصلاة والسلام وأسمع بالآية والآيتين في صلاة الظهر دل على أنه مسنون وليس بواجب، على أصح قولي العلماء -رحمهم الله- .

ويشرع أن يرفع صوته ببعض الآيات وبعض الأذكار؛ تعليما للناس، فإذا كانت الصلاة سرية ورفع صوته ببعض الآيات؛ تعليما للناس بعض السنن أو بعض ما يقرأه في -مثلا- الأخريين من الظهر يرفع صوته قليلا بسورتي الإخلاص حتى ينتبه الناس على أنه لا يقتصر فيهما بالفاتحة، وهذا هو المحفوظ في صلاة الظهر، وقاس بعض العلماء العصر على الظهر، فقال : يقرأ في الأخيرتين من العصر بسورة الإخلاص، والأشبه أنه يقتصر على الوارد، وأن القياس ضيق في هذا، وأن التعبديات مجال القياس فيها ضعيف، والمحفوظ في سنة النبي - r - كما في حديث ابن عباس - t - وغيره أنه ما كان يقرأ بعد الفاتحة شيئا في الأخريين، وأنه كان يقتصر على الفاتحة، وجاء الحديث في سورتي الإخلاص في الظهر فاستثنيت من هذا الأصل .

والجهر والإسرار الحكم فيهما واحد أنه سنة، وعلى هذا لو صلى ( الظهر ) مثلا وجهر خالف السنة، لو أنه ترك الجهر في صلاة الفجر لم يسجد سجود السهو على القول بعدم الوجوب .

وإذا قيل بأن السنن تجبر بالسجود، يفصل فيه : إن تركها سهوا سجد، وإن تركها عمدا لم يسجد .

[ ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول ] : [ثم يكبر] السنة أنه إذا فرغ من القراءة يسكت هنية؛ لأن النبي - r - كان يفصل بين قراءته وبين تكبيره للركوع، وهذه هي سنة النبي - r - وهي إحدى السكتات في قيام الإمام.

 يسكت هنية بما يترادّ به النفس إليه، ثم يكبر فيركع، والسنة أن يبتدئ تكبيره وهو قائم واقف، وينتهي تكبيره عند انتهاء الانحناء لظهره؛ حتى يستغرق الانحناء الذكر فيكون هذا الموضع ما بين الركنين هو الانتقال من ركن القيام إلى ركن الركوع مشتملا على الذكر، والركوع ركن من أركان الصلاة كما سيأتي، ودل عليه دليل الكتاب في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اركعوا } وقوله تعالى : { واركعوا مع الراكعين } وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.

 والسنة عن النبي - r - دالة على فرضية هذا في قوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته : (( ثم اركع )) فهذا يدل على وجوبه ولزومه، ولأن النبي - r - ما صلى إلا ركع -حاشا صلاة الجنازة- .

السنة أن يكبر لركوعه، وهذا التكبير هو أول تكبير الانتقال في الصلاة، وقد ذكرنا: أن الصلاة لها نوعان من التكبير:

 النوع الأول: تكبير الركن وهو تكبيرة الإحرام .

والنوع الثاني: التكبير الواجب، وهو الذي ينتقل فيه من ركن إلى ركن ومن ركن إلى واجب ومن واجب إلى ركن، فينتقل فيه من ركن إلى ركن، مثل: تكبير القائم للركوع القيام ركن والركوع ركن، فينتقل من ركن إلى ركن، وينتقل فيه من ركن إلى واجب كما لو إذا كبر في صلاة الظهر بعد السجدة الثانية من الركعة الثانية لكي يجلس في التشهد، فإن الجلوس في التشهد واجب من واجبات الصلاة، ولذلك جبره النبي -r- بسجدتي السهو كما في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة -رضي الله عنه وعن أمه وأبيه-، ينتقل المصلي من الركن وهو السجود إلى واجب وهو التشهد الأول، وينتقل من واجب إلى ركن كما لو إذا كبر للركعة الثالثة في صلاة المغرب، فإنه يكون في التشهد الأول هو واجب، وينتقل منه إلى القيام للركعة الثالثة وهي ركن ، فهذه يسميها العلماء تكبيرات الانتقال .

 الأصل في الركوع لا يكون ركوعا إلا إذا قصده، بمعنى أنه يحني رأسه قاصدا الركوع، ومسألة القصد في الركوع والهوي إلى السجود مسألة أشار إليها العلماء والأئمة في المطولات، ومقصودهم بها : أنه يكون السبب الباعث للانحناء هو تحصيل هذا الركن لا شيء آخر، وصورة الشيء الآخر: أنه يكون قائما فيحدث أمر يفزعه فينحني فيكبر، فالانحناء للخوف، أو يكون مثلا في حال عدو يخشى من عدو فهو قائم يصلي في بيته، ثم مر به العدو فخاف منه فحنى، وقد قارب الركوع فهذا الانحناء لخوف، ومن هنا لا يصح ركوعه، ولابد أن ينحني بقصد الانحناء، وهكذا في الخرور والهوي للسجود، لا يقعان عبادة إلا بالقصد؛ وهذا أصل تمييز الأفعال، وإذا انحنى فإن الركوع يتحقق بالإمالة، بانحناء الظهر وبلوغ الكفين إلى الركبتين؛ وقد أمر النبي - r - بذلك بقوله : (( ثم اركع حتى تطمئن راكعا )) .

هذا الأصل في هذا الركن وأنه يحصل ركبتيه بيديه، فلو أنه انحنى انحناء لا تصل فيه الكفان إلى الركبتين بحيث يستطيع أن يلقمهما، بحيث وصلت أطراف أصابعه إلى أول الركبة، فإنه لا يعتبر انحناء ركوع إلا إذا كان مريضا، أو معذورا فإنه يعذر ويخفف عنه .

إذًا الأصل أنه ينحني حتى يُلْقم بطن كفه، ويكون على ركبته، كما سيذكر المصنف -رحمه الله- في صفة الركوع، فهو الانحناء الكامل للركوع فلا يعتبر منتقلا من القيام إلى الركوع إلا إذا وصل إلى هذا القدر، ومن هنا ذكر الأئمة أن من كان واقفا، ثم انحنى في صلاة الفريضة من دون حاجة، فحنى ظهره فإذا وصل الانحناء إلى ضابط الركوع؛ فإنه حينئذ يحكم بتأثير هذا الانحناء في قيامه، وأما إذا لم يصل إلى ضابط الركوع فليس بالانحناء لأنه مازال تابعا لركن القيام، وعليه فإنه لابد وأن يلقم كفه على ركبتيه، وسيبين المصنف -رحمه الله- الصفة الواردة في السنة .

[ ثم يضع يديه على ركبتيه ] : ثم يضع يديه اليدان: مثنى يد، واليد تطلق في الشريعة ويراد بها من أطراف الأصابع إلى مفصل الكتف عند المنكب، هذا الإطلاق الكامل لليد، وتطلق ويراد بها إلى المرفقين، كما في الوضوء، وتطلق ويراد بها الكفان، والكف من طرف الأصابع إلى مفصل الزندين مع باطن الكف.

 المراد باليدين هنا هذا القدر، وهو أن يجعل باطن كفه على ركبتيه، وهذه الصفة طبعا عليه الأئمة الأربعة -رحمهم الله- وهي إحدى الصفتين في صفة الركوع الصفة: الأولى يقال لها صفة التطبيق، وكانت في أول الإسلام إذا ركع الراكع طبق يديه، وجعل يديه على بعضهما: اليمنى على اليسرى، ثم ركع وجعلهما ما بين الركبتين تعظيما لله - U - ، وهذا يفعله بعض الناس في عظمائهم، كان معروفا في الجاهلية، وإلى الآن أنهم يعظمون عظماءهم بهذا الانحناء، فكان في أول الإسلام الركوع على هذا الوجه: أنه يركع، فيجعل كفه اليمنى إلى كفه اليسرى مجتمعتين متقابلتين، ثم يضعهما ما بين ركبتيه، وهي صفة ا لتطبيق الواردة في حديث علي بن أبي طالب وحديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنهما - قيل إنها هي الصلاة المكية، ثم نسخت في التشريع المدني، والسبب في هذا أنه لما كان النبي - r - في مكة، كان يحب موافقة أهل الكتاب ؛ لأنه في مواجهة المشركين، ومن هنا كان اليهود يطبقون، فشرع التطبيق، ثم نسخ ذلك بأمره -عليه الصلاة والسلام- بالأخذ بالركب، وذلك بوضع الكف على الركبة، فإذا وضع الكف على الركبة فالسنة أن يفرق بين أصابعه، فيلقم كفه ركبته هذه هي السنة عن رسول الله - r - في الكف قال : (( يضع يديه على ركبتيه )) إشارة إلى هذا .

ومن أهل العلم -رحمهم الله- من قال : إن هذا خلاف تنوع، وليس فيه ناسخ ومنسوخ فلو أنه ركع وطبق بين يديه؛ فإنه يجزيه، ولكن ظاهر حديث سعد وأمره -عليه الصلاة والسلام- في حديث عمر يقتضي أنه قد نسخ هذا وأنه لابد من وضع الكفين على الركبتين .

[ ويفرج أصابعه ] : يفرج أصابعه كما جاء في حديث وائل -رضي الله عنه وأرضاه- في صفة ركوعه -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- .

[ ويمد ظهره ] : ويمد ظهره : بعد أن فرغ من صفة الكفين، شرع في صفة الظهر، فالسنة عن رسول الله - r - أنه مد ظهره وجاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- : (( أنه لم يشخص رأسه ولم يصوبه )) فكان رأسه -عليه الصلاة والسلام- مستويا مع ظهره، حتى ولو أنه صب الماء على ظهره لم ينقلب، من اعتدال ظهره -صلوات الله وسلامه عليه- هذا بالنسبة للظهر، فلا يجعل الظهر مقوسا ولا يطأطئ رأسه فينحدر فيصبح جهة الرأس والكتفين أخفض من منتصف الظهر وآخره، بل عليه أن يسوي بين الجميع، هذه هي السنة المحفوظة عن رسول الله - r - وهذا من أكمل ما يكون في الركوع ومن فعل ذلك فقد أصاب هدي رسول الله - r - وسنته وهو أحرى بالقبول، لكن لو كان مريضا أو معه داء في كفه فلا يستطيع أن يضعها على ركبته أو معه داء في ظهره ولا يستطيع أن يعدل ظهره أو معه تقوس ولا يستطيع أن يشد ظهره حتى يمد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، يحني ظهره إلى القدر الذي يستطيع، ويسقط عنه أمران، في مقام الرخص في الركوع والسجود هناك أمران:

 الأمر الأول: ما يسمى بالمتعذر، المتعذر هو الذي لا يستطيع الشخص أن يقوم به .

والأمر الثاني: المحرج، وهو الذي إذا قام به وصل إلى درجة الحرج والعذاب والعنت، ولربما شغل عن صلاته من الألم والضيق .

كلا الأمرين ما تعذر وما أوصل إلى الحرج ليس من شرع الله، ما تعذر لأن الله لا يكلف نفسا ما ليس في وسعها، ولذلك قال تعالى : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فمثلا المشلول لا يستطيع أن يركع ولا يستطيع أن يقوم فهذا متعذر في حقه لا يستطيع، والمريض الذي به مرض بحيث أنه لو طالبناه أن ينحني انحناء مستويا أو يلقم كفه على ركبته في بطن كفه حروق مثلا لو أنه جاء يلقمها تألم ولا يستطيع، أو على ركبته الحروق لو وضع كفه عليها تألم، إذا كان يستطيع باليسير من الألم قلنا السنة باليسير، لكن إذا كان ألما محرجا فالله يقول : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ولذلك الرخص لها مقامات: مقام التعذر وهي الضرورة، ومقام الضيق والحرج وهو الحاجة، وهذا تجعله ضابط معك في الرخص أنه إذا سأل السائل عن شيء لا يستطيعه هذا مقام ضرورة ما يستطيع فالشيء المتعذر لا يكلف به أو سأل عن شيء فيه ضيق وحرج وهي المشقة المقدور عليها بالحرج والضيق فليست من شرع الله في شيء لأن الله يقول : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقال : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } فلو كلفنا هذا المريض أو محروق الكف أو محروق الركبة أن يفعل هذه السنة تامة كاملة لحصل له الحرج، والله - U - بين أنه ليس من شرعه؛ إذا هذه السنن إذا أمكن الإنسان أن يأتي بها، وإذا لم يمكنه فإنه لا يكلف إلا ما في وسعه .

[ ويجعل رأسه حياله ] : ويجعل رأسه حيال ظهره يعني يستوي الرأس مع الظهر، فلا يكون الرأس مطأطأ ولا مشخصا، إنما عليه أن يجعل الرأس مستويا مع الظهر .

[ ثم يقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا ] : بعد أن فرغ وهذا من دقة المصنف - رحمه الله - يعني هذا متون الفقه التي هي آراء كلها تمشي مع السنة، يعني يقول لك من يقرأ متون الفقه هذا يقرأ فقط آراء! يدقق الفقهاء -رحمهم الله- مع الوارد ومن هنا فرغ رحمه الله من السنة المتعلقة بالأفعال وشرع في سنن الأقوال، وهذه ميزة قراءة الفقه أنه يعطي يعني ملكة في ترتيب الأفكار، هناك طبعا سنة التوتير لليد فإذا ركع يوتر يده، وهذا يعين على اعتدال الظهر واستوائه . طبعا الوتر والقوس، الوتر على استقامة، والقوس على الانحناء، فهو لا يقوس يده إذا ركع وإنما السنة أن يجعلها على استقامة، وهذا يعين على مد الظهر واستقامة الظهر، فهذه هي السنة بالنسبة المتبقية في سنن الأفعال.

 أيضا هناك مذهب طائفة من العلماء أنه إذا ركع رمى ببصره إلى قدميه حال ركوعه،يحفظ فيه بعض الآثار ويقولون: إن هذا أكمل في لخشوع، وإذا كان قائما رمى بصره إلى موضع سجوده، وإذا ركع رمى ببصره إلى قدميه، ولكن لا أحفظ شيئا صحيحا ثابتا عن رسول الله - r - على حسب علمي، بعضها متكلم في سنده لكن شيء ثابت وصحيح عن النبي - r - في هذا، من حسن إسناده أو أرى في هذا شيء فإنه يعمل به.  الشاهد من هذا أنه يركع على هذه الصفة [ثم يقول]: أي إذا فرغ من السنة الفعلية الواقع أن السنة الفعلية تسبق السنة القولية؛ لأن أول شيء يعتدل اعتدال الراكع على الوجه المعتبر، فإذا تم ركوعه على الوجه المعتبر بدأ بالأذكار؛ لأنه قبل أن يستتم راكعا فهو فيما بين الركنين، وما بين الركنين ليس فيه إلا التكبير، ومن هنا ينتبه في السنن القولية: أن منها ما يتعلق بالركن، ومنها ما هو ذكر بين الركنين، فالتكبير للركوع بعض الناس بمجرد ما يحني ظهره يقول: سبحان ربي العظيم، مستعجل! حتى يمكن قبل ما يمد ظهره وقبل أن يفعل شيء يقول : سبحان ربي العظيم . بعضهم يرفع رأسه من الركوع حتى ينفرق عن كونه وهولا يزال يقول : سبحان ربي العظيم يلاحظ في الانتقال ما بين الركنين، أن ما بين الركنين له ذكر مخصوص، عند الانحناء والسقوط التكبير، وعند الرفع التسميع، ولذلك يشرع أن يقول : سمع الله لمن حمده أثناء انتقاله من الركوع إلى الوقوف، فإذا استتم واقفا قال: ربنا ولك الحمد، كل شيء له ذكره وله سنته، ولذلك يقتصر على الوارد، فيقول رحمه الله : [ثم يقول] وثم للترتيب، وهذا تأكيد منه من دقته -رحمه الله- أنه لا تقال الأذكار أذكار الركوع إلا إذا حصل على الوجه المعتبر على السنة، فإذا استتم راكعا قال سبحان ربي العظيم؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { فسبح باسم ربك العظيم } فإنها لما نزلت قال عليه الصلاة والسلام : (( اجعلوها في ركوعكم )) وقال عليه الصلاة والسلام : (( أما الركوع فعظموا فيه الرب)) وقوله : سبحان ربي العظيم هو الوارد والأفضل والأكمل وقوله فعظموا فيه الرب جاءت سنن أخرى واردة أيضا في قوله : (( سبوح قدوس رب الملائكة والروح )) وكذلك قوله : (( سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي )) الأصل أنه يعظم الله - U - والتعظيم الأفضل ما يكون بالوارد يقول: سبحان ربي العظيم السنة أن يأتي بها ويكررها .

 

الأسئلة :

س : فضيلة الشيخ : إني أحبك في الله . هل يشرع قراءة دعاء الاستفتاح في الصلاة على الميت ؟

بسم الله. الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد :

فإنه لا يشرع أن يقول دعاء الاستفتاح في الصلاة على الميت؛ وذلك لأن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- فصّل هدي النبي - r - ، وأنه قرأ الفاتحة، ولم يذكر قراءته لدعاء الاستفتاح، وعلى هذا مذهب جماهير العلماء والأئمة -رحمهم الله- على أنه لا يشرع استفتاح في الصلاة على الجنازة. وأحبك الله الذي أحببتنا من أجله. والله تعالى أعلم .

 

س : فضيلة الشيخ : ألا يرجع في تحديد  القبلة في السفر إلى أمير السفر، وهل يطاع في الاجتهاد ولو كان فيمن معه من عنده اجتهاد . وجزاكم الله خيرا ؟

الأمير في السفر له حدود وضوابط، والبعض يظن أن أمير السفر يتحكم في كل شيء، حتى في العبادات، والواقع الأمر يحتاج إلى نظر، فما كان من جنس العبادات، مثل: القبلة، إذا كان أمير السفر رأى أنها ذات اليمين ورأى الشخص الآخر أنها ذات اليسار؛ فإنه لا يصلي وراءه، وكل يعذر، وهذا كمال في الشريعة ويسر في الشريعة والحمد لله، ولا يلزم أن يتابعه؛ لأنه يعتقد أنه يصلي إلى غير القبلة، ومن هنا لا يلزم بمتابعته، وإنما يصلي على اجتهاده، على ما قررناه في مسألة اختلاف المجتهدين.

 وهكذا بالنسبة لمسائل الأحكام الشرعية: البعض إذا كان في السفر مثلا وترجح عند الأمير شيء في مسألة الصلوات والأذكار يلزم بها من وراءه، والواقع أنها ليس بملزم، ومن هنا ينبغي التفريق بين كون الأمير من أجل المصلحة المسافرين والرفقة حتى لا يتشتتوا إذا كان ركبا ثلاثا فأكثر، فإنه يجمع قولا في قوله، فيطيعونه في مسائل الارتحال والنزول مصالح الرفقة .

أما مسائل العبادات لها أحكام خاصة لا علاقة لإمارة الأمير في السفر بها. والله تعالى أعلم

 

س : فضيلة الشيخ : ما حكم ترديد الأذان خلف جهاز التسجيل أو المذياع وجزاكم الله خيرا ؟

يشرع أن يردد الأذان كلما سمع؛ لأن النبي - r - قال : (( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول )) فمن سمعه مسجلا أو سمعه مباشرة فقد سمعه، هذا من حيث الأصل، لكن لا يؤذن للصلوات أذانا شرعيا بالجهاز، الأذان الشرعي التي تبرأ به الذمة لابد وأن يكون بالمؤذن الشرعي، وليس تسجيلا، لكن مثلا في المحلات أو الصالات صالات السفر أرادوا أن ينبهوا الناس على أن الوقت وقت الصلاة حضر في الإذاعة مثلا إذا حضر وقت الصلاة أرادوا أن ينبهوا الناس وضع الأذان من باب التذكير بالوقت لا بأس به، ولا حرج من باب التذكير بالوقت، ولكنه لا يجزي عن الأذان الشرعي، أذان المسجد الشرعي لابد في كل بلد أن يوجد فيه مؤذن شرعي يسقط به الفرض عن البقية كما بيناه في باب الأذان .

ومن هنا من حيث التذكير لا بأس لا بأس أن يكون هناك أذان يذكر به الناس في السوق، يذكر الناس به في أماكن تجارتهم وبيعهم وشرائهم وغفلتهم، في صالات السفر لا بأس أن يوضع التسجيل لا بأس بذلك ولا حرج وتردد وراءه؛ لأنه مؤذن وداخل في العموم . والله تعالى أعلم .

 

س : فضيلة الشيخ : الرحمة صفة من صفات الرحمن - Y - فهل أخبرتنا عن هذه الرحمة وخاصة عندنا تصيب المسلمين في عرصات يوم القيامة وجزاكم الله خيرا ؟

هذا سؤال عظيم! من يتحدث عن رحمة الله التي وسعت كل شيء ؟! وعلى السائل أن يترفق بالمسئول، فيختار شيئا معينا محدودا يمكن للإنسان أن يجيب، ومن يستطيع أن يتحدث عن رحمة الله التي وسعت كل شيء؟! رحم بها المعذب فنجا من عذابه، والمكروب نفس عنه كربه، والمهموم والمغموم أزيل عنه همه وغمه، والله أعلم بمقدار رحمته بعباده وخلقه، رحمته التي وسعت كل شيء، ورحم بها العبد وهو في ظلمات ثلاث، لا يسمع به أحد، ولا يراه أحد، ولا يعلم حاله أحد إلا الله وحده لا شريك له، وأجرى له الشراب وأطعمه وسقاه في تلك الظلمات، ولطف به، ثم أنشذ عظمه، وأنبت لحمه سبحانه، وخلقه وصوره وبراه، وجعله تحت لطفه، لو أن المرأة الحامل ضرب بطنها ضربة لأسقطت جنينها ولربما ماتت، فرحمه بحفظه وكلاءته أعظم من رحمة أمه وأبيه به.

 ثم أخرجه سبحانه إلى هذه الدنيا فتكفل برزقه، وتكفل بسعادته، وتكفل له بأمره كله، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

 ثم رحمه - I - فرزقه عينا يبصر بها، وسمعا يسمع به، ويدا يبطش بها، ورجلا يمشي عليها .

رحمه فخلقه في أحسن تقويم، ولم يجعله زاحفا كالثعابين، ولم يجعله يمشي على أربع كالدواب، ولكن جعله على أتم الصور وأكملها وأحسنها وأجملها، حتى إذا استقام عوده، واشتد أوده، أجرى له الأنهار، وأخرج له الثمار، وخلق له الليل والنهار، ولطف به في العشي والإبكار، حتى إذا بلغ أشده، رزقه نور العقل والبصيرة، فعرفه الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وعرفه الصواب من الخطأ، ثم أرسل له رسله، وأنزل له كتبه، وخاطبه سبحانه فأمره ونهاه، وذكره ووعظه، فكل هذا من رحماته - I - .

فهداه بهدايته، ورزقه العقل الذي لن يستطيع أحد أن يعلم مقدار نعمة الله - U - على الإنسان به، وإذا أراد الإنسان أن يدرك شيئا قليلا من هذا العقل فلينظر إلى من سلب هذا العقل، كيف يعمل ما لا يعمله الطفل في صباه وصغره، فرزقه الله نور البصر، ثم رزقه نور البصيرة، ثم أنعم عليه بالنعم التي تترى عليه، قلب الإنسان فيه مادة لو زادت واحد في المائة أو نقصت واحد بالمائة مات من ساعته .

ما هذه الرحمة التي أمسك الله - U - بها الإنسان، ثم كل ما في هذا الوجود من أجله {وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعا منه} كله من أجل أن يقول: لا إله إلا الله ويعتقدها، ويعمل بحقها وحقوقها ولا يناقضها، ولا يكون ضدها، وأن يطيعه سبحانه أن يطيع أنبياءه ورسله. هذا فقط في الإنسان، فما بالك بغير الإنسان.

 فرحمة الله - U - ولذلك قال سبحانه : { ورحمتي وسعت كل شيء } فهو أرحم الراحمين وهو إله الأولين والآخرين؛ ولذلك قال r : (( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين )) .

الله أعلم مقدار رحمته بخلقه، والله لو علم الإنسان مقدار رحمة الله - U - به فخر ساجدا لله شاكرا منذ أن تلده أمه حتى تفارقه المنية على أطول ما يعمر به معمر ما بلغ ذرة من فضل الله - U - عليه .

فالحمد على رحمته، والحمد لله على لطفه، ولا تزال ولن يزال العبد يقلب في رحمة الله، البصر لو سقطت فيه ذرة لأذهبت، لو سقطت فيه ذرة كل ما اكتشف من العلوم التي وبحث الباحثون اكتشفوا جديدا من رحمة الله - U - ما لم يخطر للإنسان على بال .

يستعين الإنسان أن يفنى بصره في طرفة عين، لو نثر نوع من الذر في الجو لأعمى أبصار الناس، وبعض المواد لو نشرت لأخذت أسماعهم، وبعضها لو نشرت لأهلكت جهاز التنفس، ولربما أهلكتهم، كل هذا أين اللطف وما هذه اللطف وما هذه الرحمة التي وسع بها سبحانه كل شيء؟!.

 وأما رحمته يوم القيامة فهذه نؤخرها إلى مقام آخر.

 نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرحمنا برحمته، اللهم ارحمنا رحمة تغنينا عمن سواك، اللهم ارحمنا رحمة تغنينا بها عمن سواك، اللهم ارحمنا رحمة تغنينا بها عمن سواك، اللهم ارحمنا رحمة تجمع بها شملنا، وترحم بها ضعفنا، وتجبر بها كسرنا، وتصلح بها فسادنا، وتهدينا بها من الضلالة، وترشدنا بها من الغواية، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين .وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .