دروس زاد المستقنع (دورة علمية)

كتاب الأطعمة - شرح في المسجد النبوي الشريف - الدرس لم يراجع من قبل الشيخ حفظه الله


كتاب الأطعمة - شرح في المسجد النبوي الشريف - الدرس لم يراجع من قبل الشيخ حفظه الله






كتاب الأطعمة

كتاب الأطعمة        

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين : قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى: (كتاب الأطعمة) ، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين أما بعد : فهذا الدرس أرجو من الله أن يكون مباركاً علينا جميعاً وهو أول الدروس المتعلقة بدورة الأطعمة ، سيكون حديثنا إن شاء الله تعالى عن كتابٍ عظيم من كتب الفقه الإسلامي ، هذا الكتاب يتعلق بأمر مهم جداً يحتاجه المسلم في خاصة نفسه وفي أهله وولده ومع الناس جميعاً وقبل البداءة بأحكام الأطعمة فإنني أوصي الجميع ونفسي بتقوى الله عز وجل التي هي مطية كل خير ومفتاح كل بر ومن اتقى الله علمه وفهمه وبارك له في علمه وفهمه ومن تقوى الله عز وجل إرادة وجهه العظيم وقصد ما عنده سبحانه وتعالى وهو الكريم من الأجر والمثوبة فإن هذا العلم لا يراد به إلا وجه الله ولا يبتغى به إلا ما عند الله ومن أخلص لله في علمه بورك له في قوله وعمله ونفعه الله بهذا العلم ، ولا يسأم طالب علم بل لا يسأم مسلم أبداً أن يذكر دائماً بهذا الحق العظيم فتجديد النية وتجريد النية وإخلاص النية عليه مدار العمل قبولاً ورداً وهو أساس كل خير وفضل وبر من المسلم ، ومن الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يوصى بها ضبط العلم وإتقانه فهذه المسائل الشرعية أمانة في عنقك ومسؤولية تسأل عنها بين يدي ربك فهذا العلم أمانة يتحملها الإنسان لكي يبلغها ولو كان علمه قليلاً فإنه بحسب ما تحمل من العلم تحمل من الأمانة ، وما من مسلم إلا وهو يحتاج إلى أن تعلمه ما الذي أحله الله من طعام وما الذي حرم عليه من الطعام والناس بحاجة إلى ذلك فهو أمر عظيم كما سنبين أهميته فلذلك يجب على كل طالب علم سمع أحكام الشريعة في أي مجلس علم أن يستشعر أنها أمانة يبلغها كما بلغها رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم ولذلك جعل الله العلماء ورثة الأنبياء وطلاب العلم هم وراث العلماء والأمل في الله عظيم ثم في طلاب العلم أن يسدوا هذه الثغور وأن يعلموا الأمة ما تعلموه فكم من علماء نصحوا وبينوا وعلّموا وجلس في مجالسهم ما لا يحصى كثرة من الناس والخلق فلما ماتوا ذهب العلم معهم أين طلاب العلم الذين كانوا يغشون حلقهم ؟ وأين الذين كانوا يغشون مجالسهم ويستمعون إلى الفتاوى ؟ السبب: الغفلة عن هذه المسؤولية والغفلة عن هذه الأمانة والتلذذ في مجالس العلم وكأنها قضاء للأوقات دون استشعار أنها أمانات ومسؤوليات وواجبات قبل كل شيء ( إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ) أي آية تسمعها ، وأي حديث تسمعه وأي حكم تسمعه وتعلمه وتأخذه من عالم موثوق بعلمه فإنه أمانة عليك تسأل عنها أمام الله أن تعمل بهذا العلم وألا تكفر نعمة الله عليك فتعلم ولا تعمل ثم بعد ذلك لا تجد مسلماً محتاجاً إلى هذا الذي سمعته وتعلمته إلا بذلت له وتصدقت عليه فإن الله يجزي المحسنين ومن أعظم الصدقة وأعظم البر تعليم الناس ونفعهم ولذلك تكفل الله للعلماء بكل خير وبر حتى أن الحيتان تستغفر في جوف الماء لمعلم الناس الخير ، فالله الله في هذه الأمانة والمسؤولية واستشعار أن هذا العلم أمانة فكم فقدنا من علماء أجلاء أتقياء لا نزكيهم على الله كانت مجالسهم عامرة وعلومهم نافعة نصحوا للأمة كثيراً وعلموا آناء الليل وآناء النهار وتعبوا ونصبوا في النصح للأمة ومضوا ولم تكتحل عيوننا بمن يخلفهم إلا القليل فهذا يدل على الغفلة عن هذا الحق العظيم ولا تقول من أنا فسيعلمك الله الذي علم آدم وفهم سليمان وداود وآتى الحكمة من يشاء ولكن .. إخلاصٌ لوجه الله وعقد العزيمة على ضبط العلم ولو كان علمك قليلا معمولاً به مدعوً إليه بورك لك فيه فتحرص من الآن على أن تطبق ما تسمعه وتلتزم بالشرع وكذلك أيضاً على أن تنفع الأمة وتبذل لها ما تستطيع من الخير، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا على ذلك وأن يوفقنا في جميع ذلك وأن يعطينا أفضل العطاء وأجزل المثوبة في الدنيا والآخرة على ما نتعلمه ونعلمه إنه ولي ذلك والقادر عليه .

يقول المصنف رحمه الله (كتاب الأطعمة ) : هذا الكتاب أحد كتب الفقه الإسلامي التي تتعلق بالمعاملات ، والأطعمة لا شك أن بابها عظيم ومسائلها عظيمة يحتاج المسلم إلى معرفتها في خاصة نفسه لأن الله أحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث فما من مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وواجب عليه قبل أن يقذف باللقمة في جوفه أن يسأل هل أحلها الله أو حرمها عليه ؟ ولذلك تعلم كتاب الأطعمة لا شك أن فيه خيراً كثيراً للمسلم وينتفع به في خاصة نفسه في أكل ما أحل الله واجتناب ما حرم الله عليه وتبرز الأهمية في عظم أمر الطعام وأن العبد إذا طاب مطعمه استجيبت دعوته وقبلت عبادته وزكت نفسه وصلح حاله ، قال يا رسول الله : ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة قال : [ أطب مطعمك تستجب دعوتك ] ، وهذا أمر عظيم أن الطعام له أثر في أعظم مابين العبد وربه وهو الدعاء وأي سعادة أعظم من أن يكون العبد مستجاب الدعاء لا يسأل ربه إلا أعطاه ولا يستعيذ به إلا أعاذه ولا يستجير به إلا أجاره ، قال له : [ أطب مطعمك تستجب دعوتك ] ولا يكون الطعام طيباً إلا إذا كان حلالاً ، ولا يكون حلالاً إلا إذا دل الدليل على حله من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يستطيع طالب العلم أن يعلم ذلك إلا بالتعلم ولذلك كانت أهمية هذا الكتاب بالنسبة للمسلم من هذه الناحية كذلك هو مهم من جهة أنك ما من حكم في الأطعمة تتعلمه وتعمل به إلا أجرت فإن الذي يعلم أحكام الأطعمة ويلتمس ما أحل الله فيقذف اللقمة في جوفه لعلمه أنها حلال ويتقي ويبتعد عما حرم الله إلا كتب الله له الأجر والمثوبة بالإتباع والإلتزام بالدين والشرع وهذا هو الإتباع الذي وعد الله عز وجل أهله بالهداية والرحمة والتوفيق قال تعالى عن نبيه عليه الصلاة والسلام : ( واتبعوه لعلكم تهتدون ) كذلك أيضاً يحتاج المسلم كتاب الأطعمة في خاصته وأهله وولده فيطعمهم مما أحل الله ويكتسب لهم طيب العيش الذي أذن به الله وإذا كان عالماً بالحلال والحرام طلب الحلال واجتنب الحرام ولم يستطع أحد أن يلبس عليه في مطعمه ومطعم أهله وولده فيما حرم الله عليه ، وهذه مسؤولية فإن الأب يسأل يوم القيامة عن أهله وولده ورعيته في خاصته عما أطعمهم من أين اكتسبه وهل هذا الذي أطعمهم مما أحل الله أو حرم عليه قال تعالى : ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) قال بعض العلماء : أن الولد يفر من أبيه والأب يفر من ولده وابنه وأعز ما يكون للإنسان ولده وفلذة كبده ومع ذلك يفر عنه قالوا: لأنه إذا كان يوم القيامة يبحث عن أبيه ليتعلق برقبته فيقول : يا رب إن أبي أطعمني حراماً فحاسبه لأنه ربما تعلق برقبة أبيه عن دينار أو درهم من حرام أطعمه أو شيء لم يحل الله إطعامه فأطعمه إياه فإذاً هي مسؤولية على الناس في نفسه وفي أهله وولده ، وكذلك أيضاً يفتقر الإنسان إلى معرفة أحكام الأطعمة أولاً : لكي يعلموا ما الذي أحل الله أكله وما الذي حرم ؟ والحكم بحل أكل الشيء وإباحته يبيح بيعه ويبيح شراءه فالذي يعلم الطعام الحلال والطعام الحرام يبيع الحلال ويجتنب الحرام فالناس محتاجون في أسواقهم ومعاملاتهم إلى معرفة الأطعمة المباحة والمحرمة ويسألون طلاب العلم دائماً عما أحل الله لكي يبيعوه ويتاجروا به ويكون لهم كسباً طيباً وعما حرم الله لكي يجتنبوه وهذا يكون به عظم الأجر لطلاب العلم في تعليم الناس وبيان ما أحل الله لهم وتحصل الشدائد والمضائق فتحتاج إلى كتاب الأطعمة ، كتاب الأطعمة تحتاجه في جميع أحوالك في السفر وفي الحضر تحتاجه أينما كنت مع الناس أو منفرداً فأنت تسافر فتمر عليك صنوف الأطعمة المختلفة فتتساءل : هل أحل الله أكلها فتأكلها أو حرم عليك أكلها ؟ صحيح أنك في إقامتك قد تأكل طعاماً معيناً وتقول لا أحتاج لأن الأطعمة التي نأكلها أو عندنا أو في بيئتنا معروفة ولكن ستسافر وتتغرب ، وقد يكون سفرك إلى بلد غير مسلم فتجد صنوف الأطعمة المختلفة التي لا يتقيد أهلها بدين ولا شرع وحينئذ يحتاج الإنسان إلى معرفة هذه الأحكام ، وعمت البلوى في هذا الزمان لقلة من يتعرض لأحكام الأطعمة وقلة من يبينها ويفصلها وأيضاً تحتاج إلى كتاب الأطعمة في العبادات فمثلاً في الحج والعمرة إذا سافر الإنسان في عمرته وهو متلبس بالنسك أو سافر في الحج حرم الله على المحرم أن يصيد صيد البر وإذا صاد صيد البر وجبت عليه فدية الصيد وحينئذ يحتاج إلى أن يعرف ما هو صيد البر الذي حرمه الله وإذا دهسه أو صدمه بسيارته أو أصابه خطأ أو عمداً ماذا يجب عليه فيه ؟ لا يستطيع أن يعرف ما الذي يجب عليه إلا إذا عرف نوعية الحلال والحرام من الأطعمة ، فهذا باب عظيم وفوائده عظيمة ولذلك اعتنى العلماء والأئمة رحمهم الله بمسائل الأطعمة من الفقهاء والمحدثين فذكر أئمة الفقه كتاب الأطعمة ووصفوه بكونه كتاباً لتعدد مسائله وكثرة أبوابه وتفرعها وأهميتها ولم يقولوا باب الأطعمة إنما قالوا كتاب الأطعمة كما قال المصنف لسعته وكثرة فروعه ومسائله وكذلك أهل الحديث رحمهم الله برحمته الواسعة اعتنوا في كتب الحديث الصحيحين والسنن فتجد الأحاديث الواردة عن رسول الأمة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه التي بين فيها أحكام الأطعمة .

الأطعمة لها آداب شرعية ولها أحكام ومسائل تتعلق بهذه الآداب فهنا لا يتكلمون عن الآداب المتعلقة بالأطعمة فآداب الأكل وآداب الأطعمة وآداب الضيافة هذه يتعرضون لها في باب الوليمة ويتعرض لها المحدثون أيضاً في أبواب خاصة لكن في كتاب الأطعمة ينصب الحديث عن بيان أنواع الأطعمة التي أحلها الله سواءاً كانت من الحيوانات أو كانت من غيرها كأطمعة الزروع النخيل ونحو ذلك أو كانت من غير الزروع كالجمادات سواءاً كانت مضرة فيبينون حرمتها أو نافعة فيبينون حلها وجوازها ويفصلون في صفات هذه الأطعمة وما ورد فيها من المسائل والأحكام ، كذلك أيضاً يعتنون في هذا الكتاب ببيان الأصل والإستثناء فالشريعة فيها أصول تقتضي الحل أو تقتضي الحرمة ثم هذه الأصول تستثنى بحكم الشرع فيكون الشيء حراماً ولكن الله يخفف عن عباده وييسر لهم فيستثني  لهم في حال الضرورة في حال الضيق في حال الحرج فهذه مستثنيات تحتاج إلى دراسة في معرفة أحوال الإستثناء وضوابط الإستثناء وصفات الأشخاص الذين يستثنى لهم وكيفية كيف يكون ذلك الإستثناء ونحو ذلك من المسائل ، هذا كله يبحثه العلماء رحمهم الله  في كتاب الأطعمة .

يقول المصنف رحمه الله : (كتاب الأطعمة)  الأطعمة جمع طعام ، والطعام : هو كل ما يؤكل وقيل : كل ما يؤكل ويشرب ، فالشيء المأكول متفق على كونه طعاماً وأما المشروب فاختلف العلماء فيه رحمهم الله : هل نسميه طعاماً أولا نسميه طعاماً ؟ طبعاً أولاً هناك أدلة تدل على أن المشروب يكون طعاماً كما في قوله تعالى : حكاية عن نبيه طالوت قال سبحانه وتعالى : ( إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ) قال : ( إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه ) فجعل الماء مطعوماً كذلك أيضاً هناك دليل من السنة كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه في الصحيح أعني صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زمزم [ إنها طعام طعم ] وفي لفظ أبي داود الطيالسي في مسنده قال : بزيادة [ وشفاء سقم ] وقوله : [ إنها طعام طعم ] عن زمزم ، زمزم ماء فوصف المشروب وهو الماء بكونه طعاماً ، الفائدة : أنه إذا سمي الماء طعاماً أجريت عليه بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالطعام فعلى سبيل المثال [ نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الربا عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل ] فإذا قلنا أن الطعام يشمل المأكول والمشروب فإنه حينئذ لا يجوز بيع الماء بالماء متفاضلاً وذلك لأنه دخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث معمر بن عبدالله في الصحيح  : نهى رسول الله صلى الله وعليه عن بيع الطعام بالطعام فإذا قلنا أن الشريعة تسمي الماء طعاماً فحينئذ لا يجوز بيع الماء بالماء إلا مثلاً بمثل يداً بيداً فلو سألك مثلاً صاحب بقالة يريد أن يبادل صندوق أو كرتون من ماء من نوع بكرتونين من نوع آخر من الماء تقول : الماء طعام ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل لكن إذا قلنا أن الماء ليس بطعام والطعام يختص بالمأكول كما قال تعالى : ( وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) فوصف الطعام بكونه مأكولاً فإنه حينئذ يختص بالمطعومات المأكولة ولا يدخل الماء في هذا العموم .

وقوله رحمه الله : (كتاب الأطعمة) : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالطعام ، الطعام يشمل ما يكون من طعام الحيوانات وغير الحيوانات كالأطعمة النباتية والأطعمة من الجمادات ، والطعام إذا كان من الحيوان يشمل الحيوان البري والحيوان البحري ، وحيوان البر ينقسم إلى الدواب كبهيمة الأنعام وينقسم إلى الطير كالعصافير والحمام ونحوها ، وطعام البحر يشمل السمك والحوت وما يلتحق بذلك من حيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه ويقال : حيوان البحر من باب الإضافة التي لا تقتضي التخصيص فليس المراد بها التقييد فيشمل النهر وغير ذلك ، والأطعمة الحديث عنها كما ذكرنا يتعلق بجوانب منها ما يتعلق بحلها ومنها ما يتعلق بحرمتها ومنها ما يتعلق بكراهتها ثم هذا الذي حكم بحله من الطعام أو حكم بحرمته أو حكم بكراهته منه ما أجمع العلماء عليه ومنه ما اختلفوا فيه ونظراً لتعدد الأطعمة واختلاف أنواعها فإن المصنف رحمه الله جمعها بقوله كتاب الأطعمة فهي أنواع من جهة الطبيعة وأنواع من جهة حكم الشريعة فأنواع بطبيعتها لأن طعام الحيوان لا يحصى كثرة كما ذكرنا الحيوانات البرية والحيوانات البحرية والحيوانات البرية المستأنس منها كبهيمة الأنعام من الدواب والدجاج والبط ونحوه من الطير والمتوحش منها من الطير كالحباري والقماري والعصافير ، والمستأنس من الطيور كل ذلك طبعاً أنواع مختلفة في طبيعتها في الحيوانات ، كذلك إذا لو جئت إلى حيوانات البحر تجدها أنواعاً ، لو جئت إلى الطعام من غير الحيوان كالنبات فهناك مثلاً الحبوب على أنواعها كالشعير والبر والدخن وغيرها ويكون من أطعمة النخيل كالرطب والبلح والتمر ويكون من أطعمة الفواكه على اختلاف أنواعها والبقوليات فنظراً لتعدد أنواع الأطعمة بالطبيعة في طبيعتها وتعدد أنواعها من حيث الشريعة ، فالشريعة أحلت أنواعاً من الطعام وحرمت أنواعاً من الطعام وكرهت أنواعاً من الطعام فنظراً بهذا التعدد قال المصنف رحمه الله : (كتاب الأطعمة) فجمع تنبيهاً على هذا المعنى الموجود في الأطعمة .

يقول رحمه الله : (كتاب الأطعمة) : أي سأذكر لك في هذا الموضع جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالأطعمة بما أحل الله وما حرم منها وما حرم متى يستثنى ويباح ؟

قال رحمه الله: (الأصل فيها الحل) عند العلماء من باب الفائدة شيء يسمى أصول الأبواب وهو أنه ما من باب من أبواب العلم خاصة في المعاملات إلا وفيه أصول وقواعد وهذه الأصول لا يمكن أن تقرر أو يحكم بثبوتها إلا إذا دلت عليها الأدلة ولا يمكن أن يقال الأصل في هذا الباب الحل أو الأصل في هذا الباب الحرمة إلا إذا دلت نصوص الكتاب والسنة والنصوص المتظافرة المتكاثرة على هذا الأصل لكن قد تكون النصوص نصاً واحداً وقد تكون آية واحدة ولذلك نجد العلماء في التفسير يقولون في بعض الآيات هذه الآية أصل من أصول البيع ، هذه الآية أصل من أصول الهبة ، هذه الآية أصل من أصول الوكالة ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ) قالوا هذه أصل في الوكالات ، كذلك مثلاً أيضاً لما نأتي ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ) هذه أصل في البيع فكم من مسائل كثيرة لا تحصى كثرة تندرج تحت هذه الآية ، لا يقال للآية أو الحديث أنه أصل إلا إذا كان تحته مسائل عديدة تتفرع عليه وهذا من عظمة نصوص الشريعة في الكتاب والسنة فالكتاب معجز بلفظه وما فيه من المعاني العظيمة فالكلمة الواحدة تتضمن تحتها من المعاني والحكم والأسرار ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) ، فهذه العظمة الموجودة في كتاب الله عزوجل أن النص الواحد قد ينتظم تحته من المسائل ما لا يحصى كثرة فإذا ضبطت الأصول في الأبواب سهلت عليك المسائل واجتمعت لك الشوارد وسهل عليك الفقه ، ولذلك نجد العلماء يقولون : [ من جهل الأصول حرم الوصول ] ليس المراد أصول الفقه ، أصول الفقه علم عزيز وعن طريقه يستنبط المجتهد لكن المراد بالأصول أصول الأبواب في الأحكام أن تعرف كل باب ما هو الأصل فيه ثم تعرف دليل هذا الأصل ثم تعرف هل لهذا الأصل مستثنيات وما دليل استثنائها وأحوال الإستثناء ، من جمع هذا لم يشكل عليه شيء في الفقه بإذن الله عزوجل فتأتي مثلاً في الأنكحة [ الأصل في الأبضاع التحريم حتى يدل الدليل على حلها ] هنا في الطعام الأصل الحل فإذا ضبط طالب العلم والفقيه الأصول سهل عليه الوصول ، تضبط الأصل وتسأل عن دليله ووجه دلالته على الأصل ثم بعد ذلك تبحث عن  مستثنيات هذا الأصل في كل باب من أبواب الفقه إذا سرت على هذه الطريقة قرب لك البعيد وتأذن الله لك بالمزيد .

يقول رحمه الله : (الأصل فيها) الضمير عائد إلى الأطعمة ، (الحل) أي الجواز ، أي أننا في الطعام إذا سئلنا عن طعام هل هو حلال أو حرام ؟ نقول الأصل حل الطعام حتى يدل الدليل على تحريمه ، طيب ما هو الدليل على هذا الأصل وكيف نطبقه ؟ أما الدليل على هذا الأصل فإن نصوص الكتاب والسنة دلت على إباحة الأطعمة وجوازها للعباد قال تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) فقال : ( خلق لكم ) أي : من أجلكم ، ( ما في الأرض جميعاً ) فشمل المطعومات فدخلت تحت هذا العموم فنقول : كل شيء يطعم الأصل أنه مخلوق من أجل أن يطعمه المكلف وحلال عليه وقال تعالى :        ( فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً * ثم شقفنا الأرض شقاً * فأنبتنا فيها حباً * وعنباً وقضباً * وزيتوناً ونخلاً * وحدائق غلباً * وفاكهة وأباً * متاعاً لكم ولأنعامكم ) فنص الله عزوجل على أن هذه الأشياء خلقت من أجل أن ينتفع بها الآدمي ( متاعاً لكم ولأنعامكم ) ،( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ) هذه النصوص دلت على أن الأصل انتفاع الآدمي والمكلف بهذه المطعومات وأجمع العلماء رحمهم الله على هذا الأصل فكلهم متفقون على [ أن الأطعمة الأصل حلها وجوازها حتى يدل الدليل على تحريمها ] طيب هذا هو الأصل ، السؤال من الذي يستدل بالأصل ؟ الذي يستدل به العالم والفقيه وليس كل أحد سمع أن الأصل في الأطعمة الحل كل ما جاء في شيء يقول الأصل في الأطعمة الجواز ، يعني بعض طلاب العلم كما يقول العلماء : مما ضر الإسلام نصف الفقيه ونصف العالم فيأخذ بعض القواعد ويطبقها دون ضوابط ، فالذي يأتي ويقول الأصل حل الأطعمة وإذا جاء إلى طعام يقول الأصل حله هو العالم الذي أدرك أو ألمّ بالأصول لأنه ربما جاء إلى طعام محرم وهو جاهل فقال: الأصل حل الأطعمة فإذاً الأصل حل الأطعمة عند من عرف الأصل ومستثنياته فلا نقبل أن كل طالب يأتي ويجادل في مسائل ويقول الأصل الحل وإنما هو للعالم وطالب العلم الذي حرر الأصل بمستثنياته ، يقول : (الأصل فيها الحل) فيها فائدة وهو أن الذي أحل الله من الطيبات أكثر مما حرم والذي حرمه الله عزوجل من الطعام حرمه لسبب عارض أو سبب موجود مصاحب للمحرم ، فالميتة فيها الضرر وفيها الخبث وهذا الضرر والخبث مصاحب ملازم للميتة فصارت خبيثة بعينها فحينئذ التحريم يصاحبها ولا نقول بحلها إلا فيما استثنى الله المخمصة وخوف الهلاك ( فمن اضطر في مخمصة ) ، نقول هذا تحريم بسبب الخبث ، القاعدة العامة في الحل : الطيب ، والقاعدة العامة في التحريم : الخبث ، فالأطعمة الأصل حلها إذا كانت طيبة وتنتقل من هذا الأصل فتحرم عموماً إذا كانت خبيثة والطيب ما جمع وصفين : الطهارة وانتفاء الضرر ، فلا يكون الطعام طيباً إلا إذا كان طاهراً لا ضرر فيه فقد يكون طاهراً ولكن فيه ضرر فهو حرام وقد يكون خبيثاً والخبيث فيه الضرر وحينئذ لا إشكال في تحريمه ، هذا من حيث الأصل أن الذي حرم الله حرمه الله لأسباب : إما الخبث كالميتة والنجاسة والقذر كالميتة والدم ولحم الخنزير ، حرم الله هذه الأشياء لخبثها ، هذا التحريم العام ولكن قد يأتي التحريم لأسباب عارضة قاصرة تزول بزوالها إما مؤقتة بمكان فيحرم عليك أن تصيد شيئاً فتأكله كما إذا كان في حرمة مكان كأن يصيد في مكة داخل الحرم أو المدينة داخل الحرم فهذه حرمة مكان هذا عارض ولو صاد داخل الحرم لم يكن صيده ذكاة فلو صاد حمامة فهي ميتة لأنه لا يجوز الصيد داخل الحرم قالوا: لأنه [ إذا حرم الصيد لم تعمل الذكاة ] هذه قاعدة لأنه سيأتينا إن شاء الله أن الصيد ذكاته مستثناة ورخصة فإذا لم يحل الله الصيد سقط هذا الإستثناء ورجع إلى الأصل أنه ميتة فحينئذ يصبح محرماً فهذا التحريم للإنتفاع بالمأكول أو صيد الحيوان لأكله لحرمة المكان ، لحرمة الصفة والحال مثل المحرم يحرم عليه صيد البر ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ) فقال: ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ) أي: مدة دوامكم محرمين فهذا تحريم لوصف ، قد يكون التحريم من الله عزوجل لسبب عارض يزول بزواله مثل الجلالة ، والجلالة : هي التي تأكل النجاسة والقذر أكرمكم الله فلو كانت عند الشخص ناقة أو بقرة أو شاة وجاءت أكرمكم الله إلى المزابل وأكلت القاذورات حرم شرب لبنها وأكل لحمها حتى تحبس كما في الحديث الصحيح : [ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحم الجلالة حتى تحبس ] ، فتحبس حتى تستطيب مطعمها ويحل حينئذ أكلها ، قد يكون التحريم عبادة والله يحكم ولا يعقب حكمه ولذلك نهى عن قتل الضفادع وهذا استنبط منه الجمهور خلافاً للمالكية وهناك قول عندهم بتحريم أكل الضفادع هذا حكم من الله عزوجل وقد يكون التحريم كما ذكرنا مطرداً لتعلق الصفة بالمحرم تعلقاً لا تنفك عنه مثل الميتة والدم ولحم الخنزير هذه حرمة أبدية وإذا كان التحريم لعارض فهي حرمة مؤقتة ، الشاهد أن الذي أحل الله عز وجل أكثر مما حرم هذه أول فائدة ، وثانياً : أن الذي حرمه الله حرمه لسبب ولذلك إذا زال هذا السبب جاء الجواز ، مثلاً البقرة يجوز أكلها لحمها الشاة يجوز أكل لحمها إذا ذكيت ذكاة شرعية فلو أن شخصاً لا يملك شاة ووجد شاة عند أخيه المسلم لا يجوز له أن يعتدي عليها وهذا ما يسميه العلماء بحرمة اليد فإذاً نأخذ من هذا الخلاصة وهي أن ما أحل الله عزوجل أكثر مما حرم وأن التحريم لأسباب وهذه الأسباب في تحريم المحرمات خير عظيم للعباد إذ دفع الله عنهم الشرور الموجودة في المحرمة ، قلّ أن تجد حيواناً أو طعاماً محرماً إلا وجدت فيه مفسدة دينية أو دنيوية أو هما معاً تغلب المصلحة الموجودة في أكله ومن هنا قال العلماء : الأصل فيها أي في الأطعمة الحل ، الحل: الإباحة والجواز .

قال رحمه الله : (فيباح كل طاهر لا مضرة فيه) الفاء للتفريع فإذا كان الأصل أن الأطعمة حلال يتفرع على ذلك أنه يباح كل ـ (كل)  من صيغ العموم ـ كل طاهر لا مضرة فيه ، الطاهر ضد النجس ، (لا مضرة فيه) هذا ضد ما فيه ضرر كالسموم ونحوها وعلى هذا قلنا هذان الوصفان بهما يتحقق طيب الطعام الذي عناه الله عز وجل بقوله ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) وقال سبحانه وتعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) وقال سبحانه وتعالى في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام : ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) فهذا الطيب في الطعام لكونه طاهراً فيه منفعة وعلى هذا كل طعام طاهر وفيه منفعة للبدن أو لا مضرة فيه على البدن فإنه يجوز أكله والدليل ما ذكرناه من النصوص ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : [ إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ) ] وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) فهذا الطيب لا بد فيه من الوصفين : الطهارة وانتفاء الضرر سواءاً كان في الحيوانات أو كان في النباتات أو كان في الجامدات ، فكل طعام من الحيوانات نجس لا يجوز أكله فالنجس من الحيوانات الحية كالخنزير وهو نجس حياً و ميتاً ومن الحيوانات الميّتة : الميْتة وهي الحيوان التي هلك حتف نفسه فهذا لا يجوز أكله لأنه غير طاهر والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في لحوم الحمر لما نزل تحريمها [ إنها رجس ] فحرم أكلها وجعلها كالميتة رجساً نجساً مستخبثاً كذلك أيضاً يكون النجس من غير الحيوانات مثل مثلاً الحشيشة والأفيون والمخدرات قال شيخ الإسلام رحمه الله إنها نجسة باتفاق الأئمة الأربعة رحمهم الله .اهـ وهذا مبني على أن الخمر نجسة ويكاد يكون كالإجماع بين العلماء رحمهم الله عند المتقدمين خلافاً لمن قال بطهارتها قال ابن رشد : واتفقوا على نجاستها إلا خلافاً شاذاً فيها يقول : أعني الخمر.اهـ ، والأدلة على ذلك يعني معروفة في باب الأشربة والخمر ، إذا تقرر الأصل بنوا عليها أن الحشيشة نجسة وعلى هذا النجس من الحيوان الحي كالخنزير والكلب في أصح قولي العلماء ، الخنزير بإجماع والكلب على خلاف ، والميت كالميتة والنباتات مثل الحشيشة ، إذا قيل بنجاسة الحشيشة التي كانت معروفة في القديم يلتحق بها نجاسة الخشخاش : وهو نبات الأفيون الذي يستخرج منه مخدر الأفيون وعلى كل حال يشترط الطهارة وما لا مضرة فيه ولا ضرر فيه ، الضرر ضد النفع .

والضرر يكون على حالتين :

الحالة الأولى : أن يكون مضراً في عموم الناس يعني من حيث الأصل ضار في العموم وفي غالب الأحوال مثل السم فإن الأصل فيه أنه ضار ويقتل ويهلك ويتلف وقد يكون الضرر خاصاً بالشخص فقد يكون هذا الطعام نافعاً للناس ضاراً في بعض الناس فإذا كان هذا الطعام لا يوافقك وإذا أكلت منه أضرك فإنه حينئذ يجب عليك اتقاؤه لأن نفسك التي بين جنبيك أمانة وحرم الله عليك تعذيبها فلا يجوز لك أن تأكل هذا الطعام لا لذاته كونه محرماً ولكن لصفة متعلقة بك فسواءاً كان الضرر موصوفاً في غالب الناس أو كان الضرر في بعض الناس ، وسواءاً كان الضرر في المفردات والمركبات لأن الأطعمة المفردة كأن يأكل مثلاً لحماً غير مخلوط بغيره ، والمركب أن يخلطه مع غيره فبعض الأطعمة نافعة إذا كانت مفردة ضارة إذا كانت مركبة أو مخلوطة مع غيرها أو وقعت بعد غيرها فمثلاً اللبن والسمك في بعض أنواعه وقيل اللبن هو الحليب نفسه فإذا شربه ربما أتى على نفسه وهلك ولربما أورثه سقماً وضرراً في البدن ، وهكذا بعض الأطعمة التي إذا اجتمعت مع بعضها أضرت ويثبت بقول أهل الخبرة والأطباء أنها مضرة عند اجتماعها فهي في أصلها مفردة طيبة ونافعة ولكنها ضارة بالخلط فيحرم أكلها عند الخلط ، يتفرع على هذا أننا نبيح كل طاهر لا ضرر فيه سواءاً كان الضرر عاماً أو كان خاصاً ، ومن هنا الأدوية لا يجوز استعمالها لأن الأصل فيه الضرر إلا إذا وصفت من طبيب ، ومن هنا لو أن صيدلياً باع دواءاً دون إذن من طبيب تحمل من ناحية شرعية المسؤولية لأن هذه الأشياء الأصل فيها أنها ضارة ولا تستعمل إلا على صفة معينة وبطريقة معينة من أجل أن يتحقق فيها النفع ، قد يكون الضرر في المفردات التي فيها نفع بطريقة أكلها ولذلك الأكل إلى حد التخمة والزيادة والإسراف في الأكل فإنه مضر وحينئذ نقول لا يجوز لك ، لو أن شخصاً تغدى أو تعشى ثم بعد غدائه وعشائه دعي إلى طعام ثان .... إدخال الطعام على الطعام مضر وقد يهلك الإنسان في بعض الأحوال ولذلك يقول :

               ثلاث مهلكات للورى         وداعيـة السقام إلى السقام

               مداومة وطء ومدامـة         وإدخال الطعام على الطعام

فإدخال الطعام على الطعام نقول للشخص في هذه الحالة مادمت قد أكلت وهذا الأكل يضرك وإن كان لا يتلف النفس لكن لاحظ (يضر) فهذا الضرر قد يحصل منه أكرمكم الله استفراغ قد يحصل منه ضيق قد يحصل منه ضرر في أحشائه فنقول له : لا يجوز لك أن تأكل لكن هذا التحريم كما ذكرنا لعارض ، إذاً الضرر لابد وأن يكون في المطعوم وفي صفة الطعام لكن المصنف قصد هنا الشيء المطعوم ، ( يباح كل طاهر) وكل من صيغ العموم (لا ضرر فيه) وقال (لا ضرر) نكرة والنكرة تفيد العموم أياً كان هذا الضرر يصل إلى حد إتلاف النفس فلا إشكال في تحريمه قال تعالى : (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) وقال تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : [ إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني ] وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في صحيح البخاري : [ من تحسى سماً فمات فهو في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها ] وهذا يدل على تحريم أكل السموم وأكل المضرات في البدن سواءاً تعلق ضررها بجميع البدن مثل التي تفضي بالإنسان إلى الموت كالسم أو تعلق ضررها ببعض البدن مثل أن تؤذيه في سمعه أو في بصره أو في أحشائه أو في قلبه أو في شرايينه أو نحو ذلك فلا يجوز له أكلها .

يقول رحمه الله ( فيباح) أي فيحل يحكم بالحل والجواز لكل طعام طاهر لا ضرر فيه ، قال رحمه الله : ( من حب وثمر وغيرها) من : بيانية ، حب وثمر وغيرهما أي الحب الحبوب مثل الشعير ، البر ، الدخن ، العدس ونحو ذلك من الحبوب إذا نظرنا إليها طاهرة وفيها نفع ، من حب ، وثمر كالبلح ، والرطب والتمر هذه من ثمار النخيل وكذلك الزيتون من الثمرات من ثمار المزروعات والرمان .. كل هذه نقول الأصل حلها، الفواكه نقول حلال ، البقولات من المزروعات حلال ، كل شيء طاهر من حب وثمر وغيره مادام جمع الصفتين الطهارة وعدم الضرر انتفاء الضرر فهذا تقرير للأصل بالمثال.

قال رحمه الله : (فيباح كل طاهر لا مضرة فيه) قد تقدم الكلام على مقدمات كتاب الأطعمة في المجلس الماضي وشرحنا هذه العبارة وبينا أن الأصل في الطعام الطيب الذي أحله الله لعباده أن يكون طاهراً لا مضرة فيه وعلى هذا فكل طعام جمع هذين الوصفين سواءاً كان من الحيوانات أو كان من النباتات أو كان من غير ذلك فإنه مباح شرعاً ،  وكل ما كان نجساً أو كانت فيه مضرة أو جمع بين النجاسة والمضرة فإنه محرم شرعاً وذكرنا أمثلة على ذلك فبين رحمه الله الوصف المعتبر في الطعام المباح كونه طاهراً لا مضرة فيه ، والمضرة تكون أصلية وتكون طارئة فقد يكون الحيوان أو يكون النبات في أصله لا ضرر فيه ثم يطرأ عليه الضرر فيحكم بتحريم أكله ومن أمثلة ذلك إذا كان الحيوان قد أصابه مرض ولو أكله الإنسان استضر بذلك كما في جنون البقر أو في الأمراض التي تصيب الغنم كالحمى ونحو ذلك فإننا نقول بتحريم أكل هذا الحيوان وذلك لوجود الضرر والأصل في ذلك النصوص الشرعية التي حرمت على المسلم أن يضر نفسه .

قال رحمه الله ( من حب وثمر وغيرهما) تقدم أن من : بيانية فهو رحمه الله بعد أن قرر القاعدة والأصل ذكر  المثال على ذلك من الحبوب ، فيجوز أكل الحبوب على اختلاف أنواعها إلا إذا دل الدليل على تحريم الأكل أو كان التحريم عارضاً كأن تكون ملكاً للغير أو تكون مسقية بالنجاسة كما هو مذهب الحنابلة وطائفة ونحو ذلك من الأسباب العارضة ، فالحب الأصل جواز أكله فهو طاهر ولا مضرة فيه ، لكن لو أنه طرأ عليه ما يوجب التحريم حكمنا به (من حب وثمر) كثمار النخيل كالبلح والرطب والتمر فإنها طاهرة لا مضرة فيها وكذلك أيضا حبوب الزروع والأعناب ونحو ذلك فإنها مباحة ويجوز أكلها لأنها طاهرة لا ضرر فيها وإن طرأ عليها الضرر فكما تقدم ، قال رحمه الله ( ولا يحل نجس كالميتة والدم) ولا يحل نجس كالميتة والدم في كتب الفقهاء رحمهم الله ما يسمى بمنطوق العبارة ومفهومها ، فالمنطوق أنه يباح كل طاهر لا مضرة فيه ، والمفهوم : عكس العبارة لا يباح النجس وما فيه مضرة وعند العلماء أصل يقول [ مفاهيم المتون معتبرة ] أي أن مفاهيم المتون الفقهية اعتبرها العلماء وعملوا بها ، ومن أهل العلم في بعض المتون من يخص بعض المفاهيم دون بعضها وذلك لأن المتعارف عليه اعتبار المفهوم ولذلك نجد بعض العلماء يعتبر مثلاً مفهوم الشرط من المفاهيم وحدها المعتبرة في متنه كما في مختصر خليل (وأعتبر من المفاهيم مفهوم الشرط) فالمقصود من هذا أنه لما قرر لنا أن الطاهر الذي فيه نفع : مباحٌ أكله ، شرع في عكس ذلك : فلا يباح أكل النجس وضرب له مثالاً بالميتة ولما فيه ضرر كالسم أي : ولا يباح أكل ما فيه ضرر كالسم ، أولاً : ما كان نجساً فإنه لا يجوز أكله لأن النجس جاءت النصوص بتحريم أكله كما في تحريم الميتة والخنزير وكذلك الخمر وقد وصفها الله عزوجل بالنجاسة ولذلك قال سبحانه وتعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس ) فوصفه بكونه رجساً على اختلاف في عَوْد الضمير كأنه علل تحريم هذه الأشياء لكونها رجساً ، والرجس : هو النجس وقال سبحانه ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) فوصفه بالنجاسة وأكد هذا المعنى ما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات هذه القاعدة والأصل الذي أجمع عليه جماهير السلف والخلف رحمهم الله أن الأنجاس والأرجاس الحسية لا يجوز أكلها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر أمر أن تكفأ القدور وقال [ إنها رجس ] وجملة [ إنها رجس ] تعليلية ، ومن هنا أخذ العلماء فائدة أخرى يعني في الحديث فائدتان : تحريم أكل الأنجاس ، وثانياً أن المحرم من هذه المطعومات الوصف المؤثر فيه وجود النجاسة ، وإذا نقل من الحل إلى التحريم نقل من الطهارة إلى النجاسة والدليل على ذلك أن لحوم الحمر الأهلية كانت مباحة وكانت طاهرة فلما نزل التحريم وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها رجس كما في الصحيح فمن هنا ما يقوله بعض المتأخرين : أن الفقهاء حينما حكموا بنجاسة الميتة ونجاسة المأكول المحرم أنه ليس له أصل وليس له دليل : غير صحيح ، بل جماهير السلف استنبطوا هذه من السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وباستقراء المنهيات الشرعية خاصة في اللحوم ونحوها ولذلك نجد المستخبثات كالعاديات والسباع لما حُرّمت نظر فيها هذا المعنى ، فالنجس لا يجوز أكله وإذا كان شراباً لا يجوز شربه كالخمور ونحوها ، ومن هنا الأصل تحريم أكل النجاسات ثم ضرب المصنف مثالاً لهذه النجاسات التي حرمها الشرع بالميتة ، والميتة : [ كل حيوان هلك بغير ذكاة ] وهذا التعريف العام ، وهناك تعريف آخر يقول : [ كل حيوان هلك حتف نفسه ] فهناك فرق بين التعريفين فإذا قلنا كل حيوان هلك حتف نفسه لم يدخل فيه الحيوان الذي هلك بفعل المكلف على غير ذكاة شرعية كالمنخنقة والموقوذة فإن الخنق إذا خنقها هلكت بفعل المكلف ولم تهلك حتف نفسها ومن هنا التعريف الأدق [ كل حيوان هلك بغير ذكاة شرعية ] فيشمل ما هلك بنفسه وما هلك بطريقة لا تعتبر ذكاة شرعية وإذا قلنا الذكاة الشرعية ففيها أصل وفيها استثناء ورخصة وسيأتي هذا في باب الذكاة ، فالذكاة الشرعية في الأصل الذبح والنحر هذا من حيث الأصل ، يذبح ما يذبح كالشاة والدجاج ونحو ذلك وينحر بالطعن في الوهدة كالإبل وفي البقر في الحيوانات ما يجمع الأمرين يقبل النحر ويقبل الذبح هذه ذكاة الأصل ، إذا خرج عن الأصل بالرخصة فهو الحيوان المتوحش كالصيد فإنه إذا أنهر الدم منه وذكر اسم الله عليه حل أكله فيرمى في أي موضع وينهر الدم بسلاح كأن يرمى بسهم أو بطلق ناري فينهر دمه فإنه يحل أكله لكنه خرج عن الأصل بالرخصة ، هذه الذكاة الشرعية إذا لم نجدها في الحيوان الميت حكمنا بكونه نجساً محرماً لا يجوز أكله ، وبناءاً على ذلك لا يكون الحيوان ينظر فيه ذُكّي أو لم يذكى إلا إذا كان من جنس ما أحل الشرع أكله ، فالذكاة تعمل في الحيوان الذي أبيح أكل لحمه ، أما الحيوان الذي لم يبح أكله لحمه كالأسد مثلاً السباع العادية ونحو  ذلك كذي المخلب من الطير كالنسر والصقر والباشق والشواهين والعقاب فهذه لو ذكاها لم تعمل الذكاة ، إنما اختلف العلماء في مسألة وهي لو أن شخص اضطر إلى أكل الأسد أصابته مخمصة ولم يجد إلا سبعاً مفترساً وقدر على قتله هل يذكيه أو لا يذكيه ؟ هذه مسألة أخرى أو يبقى على الأصل أنه لا ذكاة له في الأصل فلا ذكاة له في الرخصة ، هذه مسألة خارجة لكن من حيث الأصل : الحيوان إذا هلك بغير ذكاة شرعية فإنه يحكم بكونه ميتة وإذا حُكم بكونه ميتة حُكم بنجاسته وعدم جواز أكله وعدم جواز بيعه ولذلك في الصحيحين من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال : [ إن الله ورسوله حرما بيع الميتة ] فكل حيوان لم يذكى حكمنا فيه بهذا الأصل ، إذا ثبت أن الميتة محرم أكلها فالأصل في تحريم أكلها الكتاب والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أيضاً إجماع العلماء رحمهم الله قد صرح الله عز وجل بتحريم الميتات كما في قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ) كما في آية البقرة وقال سبحانه وتعالى (حرمت عليكم الميتة) كما في آية المائدة كذلك أيضا قوله سبحانه في سورة الأنعام ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ) فأجمعت النصوص الشرعية على تحريم الميتات وأجمع العلماء رحمهم الله على تحريم أكل الميتة .

إذا ثبت هذا فالميتة فيها استثناءان : استثناء نوع واستثناء حالة ، لما حرم الله أكل الميتات استثنى أنواعاً من الميتة واستثنى أحوالاً تباح فيها الميتة ونحن قلنا أن الفقه أن تعرف الأصول وأدلتها والمستثنيات ووجه استثناءها وضوابط الإستثناء ودليل استثنائها ، من حيث الأصل نستثني بالأنواع فإن الله استثنى من الميتات ميتة البحر واستثنى من الميتات ميتة البر نوعاً خاصاً وهو ما لا نفس له سائلة كالجراد أما بالنسبة إذا قلنا أنه استثنى ميتة البحر فمعنى ذلك أن أكثر كلام العلماء وأكثر ورود الميتة في التحريم يراد به ميتة البر وهذا أكثر تعبيرات العلماء رحمهم الله والأحكام الشرعية المتعلقة بها لأن ميتة البحر مباحة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة في السنن عنه رضي الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر وليس معنا إلا القليل من الماء إن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر قال : [ هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] فقال : [ الحل ميتته ] ثم هذه الميتة في البحر ، ميتة البحر من حيث الأصل الإجماع على أنها طاهرة مستثناة ، فالسمك إذا أخرجناه من البحر أو الحوت إذا أخرج من البحر أو جزر عنه البحر فإنه طاهر ويباح أكله ثم يبقى النظر في نوعية هذه الميتة تموت بالصيد يخرجها الإنسان تموت بجزر البحر عنها تجدها على ساحل البحر ميتة هذه جائزة وشبه اتفاق عليها وذلك لعموم النص ولذلك قد قال تعالى : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ) وأيضاً ثبت في الحديث الصحيح من قصة سرية أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه أنه لما بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في سرية بسيف البحر وأصابتهم المجاعة جزر البحر عن حوت عظيم فأكلوا منه وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم : [ هل بقي معكم منه شيء فأعطوه فأكل صلى الله عليه وسلم منه ] فدلنا هذا على أن ميتة البحر التي يصيدها الإنسان أو يجزر عنها البحر أنها مباحة لكن لو أن السمك أو الحوت مات وهلك حتف نفسه فطفى على البحر ووجده ميتاً على وجه الماء هل يحل أكله ؟ وجهان مشهوران للعلماء وهي مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية وسيأتي الكلام إن شاء الله عن ميتة البحر بالتفصيل في موضعها ، الذي يهمنا أن المستثنى بالإجماع ما صاده وجزر عنه البحر ثم المستثنى بالإجماع السمك والحوت وهناك خلاف في بقية ما في البحر مما له شبه في البر وما ليس له شبه في البر وسيأتي إن شاء الله .. ، إذاً هذا استثناء في النوع لأن ميتة البحر نوع من الميتات ونقول هذا مستثنى من تحريم الأكل ، أما بالنسبة للإستثناء في النوع الثاني من الميتات وهي ميتة البر ، حيوان البر من حيث الأصل طبعاً يشمل الدواب والطيور فالحيوانات التي تعيش ما بين السماء والأرض كالطيور تعتبر برية لأنها تأوي إلى البر وتنام في البر فهذه الحيوانات البرية استثني من ميتاتها نوع واحد وهو الذي لا نفس له سائلة وهو الذي لا دم فيه مثل الجراد والأصل في استثناء هذا النوع ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله وسلم أنه قال [ أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت ] فبين صلى الله عليه وسلم أن الجراد يباح أكله بغير ذكاة وأحل لنا أكله ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم إذا رأوا الجراد ضربوه بالرماح وبالقسي يضربونه بالرمح ويقتلونه ثم يأكلونه واختلف العلماء رحمهم الله يعني من حيث الأصل يجوز لك أن تضربه ثم تقتله ولكن إذا أراد أن يشويه ويقليه قال بعض العلماء : يجوز أن يكبه في الزيت الساخن ولو كان حياً لأنه ليس له ذكاة ـ يجلس يذكي كل جرادة هذي مشكلة يأخذ منه وقت وفيه مشقة ـ وهكذا حتى بعض العلماء تكلم عن السمك إذا لم يمت ومازال فيه حياة كما في السمك العظيم هل يذكيه أو يضربه في أي موضع أو يتكئ عليه حتى يقتل أو يرميه في الزيت مباشرة فيقتل فيه تفصيل . الواقع أن محل ذلك في الذكاة والكلام على إعمالها ، المقصود هنا أننا نستثني ميتة البحر ونستثني من ميتة البر ما لا نفس له سائلة ، حديث     [ أحلت لنا ميتتان ودمان ]  ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجراد والحوت فنظر العلماء في الجراد فوجدوا الجراد من غير ذوات الأنفس وجدوا فيه صفة أنه ليس له دم وأنه ليس من ذوات الأنفس السائلة ومن هنا قالوا : كل ما كان شبيهاً بالجراد مما لا نفس له سائلة فإنه يجوز أكل ميتته وهي طاهرة مباحة ، ويؤكد هذا الدود مثلاً السوس فإنه مما لا نفس له سائلة فهذا السوس يجوز أكله ولو كان حياً وأكله مع التمر لم يضر ، والسبب في هذا أنه ليس من جنس ذوات الدماء والأنفس التي تعمل فيها الذكاة وألحق بالجراد لنص النبي صلى الله عليه وسلم عن الجراد فهو في معناه فكل ما لا نفس له سائلة يلتحق بالجراد فيجوز أكل ميتته ، ثم هذا الدود والمتولد الذي ليس له نفس سائلة يفصل فيه فإن كل متولداً من طاهر حل أكله كما في سوس التمر وسوس الحبوب إذا تولد منها جاز أكله ولم يضر وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلس ينقي السوس من التمر وهذا حديث مرسل وفيه ضعف لكن العمل عند العلماء على أن السوس طاهر ولا يضر أكله ولو كان حياً في المأكول فإن تولد من طاهر فطاهر وحكمه حكم الجراد ، وإن تولد من نجس فنجس فإذا تولد من نجس لحق النوع الأول الذي قلنا عنه من المحرمات وهو كل نجس فإنه يحرم أكله فيشمل النجس العيني كالميتة والمتولد من النجاسات كالسوس المتولد من النجاسات أكرمكم الله والعذرة سوسها ودودها نجس وكذلك أيضاً المتنجس ولذلك قالوا البيض لو أنه سلق بماء نجس تنجس فلو وضعه في قدر وفيه ماء نجس ثم غلى القدر ووضع البيض  فيه فسلقه قالوا تنجس ، الشاهد من هذا أن الدود إذا كان متولداً من نجس أخذ حكم أصله لأن القاعدة [ أن الفرع تابع لأصله ] هذا بالنسبة للميتات نستثني منها ما استثناه الشرع ونقول أنه تستثنى هذه الأنواع البرية والبحرية بقي السؤال في الإستثناء في الأحوال أحل لنا أكل الميتة وذلك في حال المخمصة والإضطرار   ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) لأن الله سجانه وتعالى رخص في الميتة في حال الإضطرار وهذه المسألة مسألة الضرورة وضابطها سيتكلم عليها المصنف رحمه الله في آخر الفصل التالي ولذلك نؤخر الكلام على الإستثناء عما في ذلك الموضع فالذي يهمنا الآن تحريم أكل الميتة وأن الأصل عدم جوازه إلا ما استثناه الشرع مما ذكرنا ، والدم محرم بإجماع العلماء رحمهم الله ويعتبر من النجاسات من حيث الأصل ولذلك قال المصنف (كالميتة والدم) كانت العرب في جاهليتها إذا جاع الرجل يقوم على الناقة أو على البعير أو على الشاة فيجرح يدها أو رجلها ثم يجعل الدم في وعاء أو إناء ثم يشربه فكانوا يشربون الدماء ويأتدمون بها فحرم الله عز وجل الدماء فقال تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم ) وقال سبحانه : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ) وقال سبحانه : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً ) فهذا يدل على عدم جواز الدماء وأنها نجسة والدم من أخبث ما يكون ولذلك ذكر بعض الأطباء من المتأخرين أن مادة الدم وزلال الدم من أفسد ما يكون وهو قابل للجراثيم والضرر فيه بين ولذلك حُرّم لوجود الخبث فيه فهو مستخبث والضرر فيه أيضاً ، وأحل الله لنا من الدماء الكبد والطحال كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح [  أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطحال ] وقد ذكر بعض العلماء أن الكبد يتجلط فيه الدم ثم تضعف جراثيمه ويذهب نتنه ومن هنا كره بعض العلماء أكل الكبد وهي نية للإستخباث في الدم خاصة إذا لم تشوى ولم تقلى لأن النار تنضج وتؤثر في السموم وتؤثر في الجراثيم ونحوها ولذلك محفوظ حتى في سير الصحابة رضوان الله عليهم القصة المشهورة التي ذكرها الإمام الحافظ ابن كثير أنهم غزوا في إحدى فتوحات فارس في عهد أبي بكر رضي الله عنه أو عمر فوجدوا جراباً فيه طعام وكان معهم بعض الصحابيات فقالوا لعله خدعة من العدو أي أنه تركه من أجل أن نأكله فنهلك فقالت الصحابية : ضعوه في النار فإن النار تنضج ما فيه من الضرر. وهذا معروف فإذا طبخت الكبد ضعف تأثير الضرر الموجود فيها ومن هنا فرق بعض العلماء بين أكلها نية وأكلها مطبوخة وأياً ما كان ظاهر السنة حلها وإباحتها ولو كان نضجها ضعيفاً لأن الأصل الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم فهنا استثنيت دون تفصيل وتفريق لكن إذا ثبت وجود الضرر فيها فلا إشكال ، الدم محرم ولا يجوز الإنتفاع بالدم إلا عند الضرورة ومن الضرورة : مسألة نقل الدماء الموجودة الآن في عصرنا وهي مسألة يظهر من خلال أدلة الشريعة جوازها في حالة خاصة حالة الضرورة وخوف الهلاك فإذا كان المريض عملت له عملية جراحية أو حصل عنده نزيف أو إمرأة نفست ثم خرج معها الدم حتى أصبح عندها فقر دم إلى درجة يغلب على الظن هلاكها وأنه تعين نقل الدم إليها فهذه مرتبة ضرورة فإذا وصلت إلى درجة خوف الهلاك فهي ضرورة وإذا وصلت إلى الضرورة فقد أحل الله عزوجل الدم عند الضرورة .

ومن هنا يجوز النقل ولكن بشروط :

أولاً: أن توجد ضرورة داعية للنقل ولا يوجد بديل لمعالجة وضع المريض فإن كان وضع المريض يمكن أن يتحسن عن طريق العقاقير والمستخلصات وجب المصير إليها لأنه لا ضرورة مع بديل لا حرمة فيه .

الشرط الثاني: أن يثبت هذا يعني وجود الضرر بقول من يوثق به من أهل الخبرة فإذا قال الطبيب الذي له خبرة أن المريض حالته تستدعي نقل الدم له جاز .

الشرط الثالث: ألا يشتمل نقل الدم على ضرر أكبر كأن يكون في الدم أمراض تقتل الإنسان فإذا كانت فيه أمراض إذا نقل إليه هذا الدم أهلكته فلا يجوز نقل هذا الدم ومن هنا يرد الإشكال في مسألة الدماء الملوثة إذا حصلت عند الأطباء حالات طارئة تستوجب نقل الدم وهذا الدم لا يشك الطبيب أنه لو نقل للمريض أنه سيتسبب في مرض قاتل له فهل يجوز للطبيب في هذه الحالة أن ينقل الدم أو لا يجوز ؟ الصحيح أنه لا يجوز لأنه في هذه الحالة إذا نقل إليه الدم كان هلاك المريض بهذا النقل وإذا لم ينقل إليه الدم كان هلاك المريض قدراً ولا شك أن المباشرة بما يفضي بالقتل ليس كتركه للقدر فإن الطبيب مطلوب منه أن ينقل الدم على وجه المصلحة لا على وجه المضرة على وجه الحياة لا على وجه الموت وحينئذ إذا كان في هذا النقل تلوث وأمر يؤدي إلى هلاك المريض فهذا ليس من الدواء في شيء وليس من العلاج في شيء ومن هنا نقول يسلم الأمر لله عز وجل فإذا مات المريض يكون الطبيب قد امتنع من نقل الدم الذي وجوده وعدمه على حد سواء ، هذا حاصل ما يذكر في الدماء أن الأصل تحريمها وأنه استثني من هذا الأصل والأدلة في الكتاب والسنة على هذا التحريم واضحة واستثني الكبد والطحال لورود السنة بالاستثناء وفي حكمها حالات الإضطرار لنص الكتاب العزيز عليها , طيب لو وجدت حاجة مثل ما يقع في بعض الأمراض التي تتأثر فيها صفائح الدم أو تتأثر فيها مكونات الدم وتضعف فيتأثر المريض ولربما تؤثر على بعض أعضائه فإذا أثرت على بعض الأعضاء صارت حالة ضرورة وعلم الطبيب أن هذا النوع من الحالة من تأكسد وتخثر في الدم أو تأثر صفائح الدم أو نحو ذلك أنه لو بقي على هذه الحالة ربما يستضر في سمعه في بصره في بعض أعضائه فعند العلماء [ أن ما خاف فيه الطبيب على نفس أو على عضو من الأعضاء : ضرورة ] كما أشار إليه السيوطي وابن نجيم في القواعد وهذه المرتبة الأولى من الإستثناء .

يليها ودونها مرتبة الحاجة وهي الأمراض المؤذية المزعجة المقلقة التي تزعج الإنسان وتضره ولكن ليس فيها خوف على الإنسان من الهلاك ولكنه يتألم آلاماً مبرحة فهذه من الحرج تبيح وتجيز لأن القاعدة [ أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة ] هاتان المرتبتان فيهما الرخصة .

المرتبة الثالثة : ليست في مقام الضرورة والحاجة وهي في مقام الكمالات مثل رجل في كبر سنه يريد أن يغير دمه حتى يكون أنشط أو نحو ذلك هذا لا يجوز لأن الدم منهي عنه شرعاً ويبقى على ما هو عليه ، هذا حاصل ما يذكر في أسباب وأحوال النقل .

قال رحمه الله (ولا ما فيه مضرة كالسم ونحوه) ولا ما فيه مضرة أي ولا يجوز أكل ما فيه مضرة كالسم ونحوه ، يحرم أكل ما فيه ضرر على الإنسان إذا أكله سواءاً أهلك نفسه أو أتلف عضواً من أعضائه أو تسبب في حصول الحرج والأذى لجسده والأصل في ذلك أن الله تعالى حرم قتل الإنسان لنفسه فقال سبحانه وتعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ) وقال تعالى: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ومن أكل السم قتل نفسه ولذلك وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بكونه منتحراً معذباً في نار جهنم كما في حديث البخاري الذي سنذكره فإذاً لما حرم الله قتل الإنسان لنفسه فلا يجوز له أن يقتلها والسم قاتل فإذا أكل السم وهو يعلم أنه سم فقد قتل نفسه ، وهكذا لو كان الطعام يضر شيئاً في ببدنه كأن يضر بقلبه أو يضر بجوفه أو يضر في حركته أو يضر في نفسيته ، فإنه لا يجوز أكل هذه المطعومات التي تؤثر عليه في جسده وفي روحه بل عليه أن يتقيها لأن الله حرم عليه تعذيبه لنفسه ولا يجوز للمسلم أن يعذب نفسه وعليه أن يتقي الله في هذه الأمانة التي بين جنبيه كذلك أيضاً أكدت السنة هذا المعنى كما في الصحيح من حديث البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ من تحسى سماً فمات منه فهو في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها ] الذي يتحسى السم ويأكله ويموت إما أن يكون مستحلاً لذلك يعتقد أنه جائز وأنه حلال كما يقول بعض الكفرة الغربيين أن هذا قتل رحمة وأن له الحق أن يريح نفسه من هموم الدنيا وعنائها فله أن ينتحر ، فإذا كان يعتقد حل ذلك فقد كفر بالله عز وجل لأنه استحل ما علم تحريمه من الدين بالضرورة فإن تحريم قتل المسلم لنفسه هذا أمر أجمعت  عليه نصوص الكتاب والسنة وهو أمر واضح بين ، ومن هنا إذا اعتقد الحل كفر ، وأما إذا فعل ذلك لضعف نفسه دون أن يكون باستحلال ويعلم أنه حرام فإنه ليس بكافر وإنما هو مرتكب لكبيرة من الكبائر وتحت مشيئة الله عزوجل إن شاء عذبه فبعدله وإن شاء عفا عنه فبفضله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ولكن لا يصلي عليه إمام المسلمين وأهل الفضل زجراً لغيره أن يعمل عمله كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من امتناعه عن الصلاة ، إذا ثبت هذا فإن السم لا يجوز أكله .

والسم طبعاً فيه قولان : منهم من يقول إنه نجس كما هو مذهب طائفة من الحنابلة من حيث الجملة ، وعند الشافعية التفريق بين نجاسة النباتات وغير النباتات ، إذا قيل بنجاسته لا إشكال في دخوله تحت المعنى الأول ولكن أفرد لغلبة الضرر فيه.

الذي فيه ضرر من المطعومات يكون من الحيوانات ويكون من النباتات ويكون من الجمادات ، فالسموم في الحيوانات السامة مثل السمك السام وهذا ذكره بعض العلماء رحمهم الله نوع من أنواع السمك وإذا أكله الإنسان يهلك فهذا سام ومن ذلك الحيات إذا لم تستفرغ سمومها فإنه إذا أكلها أهلكته على القول بحل أكلها مع أن فيها كلام سنذكره إن شاء الله تعالى ، من حيث الأصل أن الحيوانات السامة إذا أكلت أجهزت على الإنسان وقتلته فهذا السام من الحيوان وقيل أيضاً الوزع من السميات يعتبرونه السام الأبرص كذلك أيضاً يكون السم في النباتات مثل الخشخاش وهو شجرة الأفيون التي يستخلص منها الأفيون وهناك مثلاً البنج ونحوها فيها السميات تؤثر وتقتل الإنسان خاصة إذا وصلت إلى كمية معينة تجهز على الإنسان وتقضي عليه والعياذ بالله ويكون السم في الجمادات كما في الزرنيخ فهذه كلها محرمة ولا يجوز للمسلم أن يأكل السم لأن الغالب أنه يهلكه والغالب أن يضر به لكن إذا كان السم فيه منفعة وأعطيت جرعات منه بنظر أهل الخبرة كما عند الأطباء يعطون بعض الأحيان نوع من ترياق السموم من أجل أن يتعوده الجسد فإذا وضع السم للإنسان لم يؤثر فيه السم ، وهذا النوع يوجد في بعض العقاقير رخص فيه بعض الفقهاء عند وجود الحاجة إليه ، وقالوا بجواز تعاطي السم عند غلبة الظن من الأمن من ضرره وذكر الإمام الحافظ ابن كثير وغيره رحمة الله على الجميع قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه حينما أخذ سم الفارسي وقال له : [ ما هذا الخاتم ؟ قال : فيه سم إذا رأيت أحداً يريد أن يغدر بي قتلت نفسي ، فقال له خالد : أرني إياه فأعطاه إياه فوضعه في كفه وقال : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثم أكله ولم يضره ] فيقولون أن هذا من حيث الأصل إذا أمن من ضرر السم ، السم حرم لسبب يزول بزواله فإذا كان الطبيب يعطي جرعات من السم فيها منفعة وفيها مصلحة ولا يحصل بها الضرر الذي من أجله حرم هذا النوع جاز أكلها ، السم في معناه أي شيء من المطعومات والمشروبات يضر البدن فهو يكون كالسم كمثال فالمشروبات والمأكولات التي تضر الأبدان وتضر العقول لأن الضرر عممه المصنف ليس قوله (ولا ما فيه مضرة) خاص بالموت أنه يقتل الإنسان . لا ، ولكن أيضاً ما فيه ضرر على العقل مثل المخدرات فإنه لا يجوز أكلها ولا يجوز تعاطيها سواءاً كانت مشمومة أو كانت محقونة أو كانت مأكولة أو كانت مشروبة كلها محرمة شرعاً وذلك لأنها تضر بالعقل وقد قال صلى الله عليه وسلم [ كل مسكر حرام ] وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة أيضاً في المسند وحسنه غير واحد عنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم  [ نهى عن كل مسكر ومفتر ] والمخدرات مضرة بالعقل وقد اتفقت الشرائع على حفظ العقل حتى قيل أن الخمر محرمة في جميع الشرائع هذا قول لبعض العلماء رحمهم الله واتفقت الشرائع على تحريمها لضررها على العقل ، إذا ثبت هذا وهو أن الضرر لا يختص بما يهلك الإنسان ويشمل حتى ضرر بعض الأعضاء ، الدخان ثبت ضرره على أعضاء الإنسان على قلبه ورئته ودمه وكبده ومعدته وعقله وأنه يؤثر في عصب الإنسان إلى غير ذلك من الأضرار التي ذكرها الأطباء ، ثبت بقول أهل الخبرة وأهل المعرفة الذين يحتكم إليهم في مثل هذا أنه مضر فنقول بعدم جوازه لقول أهل الخبرة بوجود الضرر فيه ، وكون الإنسان يكابر ويقول أنه يشربه ولا يجد ضرراً وأنه لا يؤثر عليه ويكابر والمشاهد والمحسوس في غالب الناس أنه مضر بمن يشربه مضر بمن يستنشقه حتى أن من جلس مع من يدخن قد يكون ضرره أعظم من الذي يدخن ، وكل هذا ونجد من يقول أنه ما فيه بأس وجائز ليس هناك دليل على تحريمه بعد هذه الأضرار وشهادة أهل الخبرة وأهل العقول وأهل الفطرة السليمة أنه مضر ومؤثر مع هذا نجد من يقول أنه ما فيه بأس وأنه جائز هذه مكابرة ، ولذلك قرر العلماء والأئمة في مسالك التعليل في الحكم على الأشياء حرمةً وحلاً أنه يرجع إلى كل أهل علم في علمهم فالأطباء هم أعلم والفقهاء متفقون على أنه إذا وجد الضرر المؤثر أنه لا يجوز تعاطي الأشياء المضرة ، هكذا القات نجد من يقول ليس فيه بأس منشط ومفرح وأنه لا بأس به ولا حرمة فيه ولا دليل على تحريمه ، فهذه كلها مكابرة ، الأشياء التي ثبت بقول الأطباء وأهل الخبرة أنها مؤثرة مضرة فإنه ينبغي العمل بقولهم وهم المعول عليهم بعد الله عزوجل في إثبات هذه الأشياء وبناء الحكم الشرعي عليها فما فيه ضرر يشمل ما يضر بالإنسان كلية كأن يجهز عليه كالسم وما يضر ببعض أعضائه كأن يضر بعقله كالخمر والقات يؤثر عليه يؤثر على تركيزه وكثرة استعماله تؤدي إلى الإدمان وتؤدي إلى عواقب وخيمة وحصول السرطانات والعياذ بالله في أجهزة من الإنسان متعددة ، وبحوث الأطباء في هذا واضحة فنحن نقول بتحريمه فيشمل الضرر العام والضرر الخاص .

ويكون المطعوم سماً بأصله وقد يكون مما فيه نفع يستخدم في أشياء ولكنه لو أكل قتل الإنسان فهو مباح في تلك الأشياء التي لا ضرر فيها حرام أكله ، مثلاً الطيب الآن العود المسك لو أن الإنسان أكله قد يقتله ولكنه لو تطيب به أو شمه انتفع به كما ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسك فإذاً نقول أن السم يشمل ما كان مادة سمية في الأصل وما كان يفعل فعل السم ويكون مؤثراً إذا تناوله الإنسان ولم يعد للطعام كما في الأطياب ونحوها .

قال رحمه الله : ( وحيوانات البر مباحة) المطعومات إما أن تكون من الحيوانات وإما أن تكون من النباتات أو تكون من غير ذلك والعلماء رحمهم الله يتكلمون على هذه الأنواع الثلاثة الحيوانات والنباتات وغيرها ، أما بالنسبة للحيوان فإنه ينقسم إلى قسمين إما أن يكون حيوان بحر وإما أن يكون حيوان بر ويتولد المركب منها وهو البرمائي الذي يعيش في البر ويعيش في البحر فأما بالنسبة للحيوان البري فيشمل الطيور والدواب ، والطيور كما ذكرنا هي التي بين السماء والأرض كالحمام والعصافير ونحوها ، والدواب تنقسم إلى قسمين : مستأنسة ومتوحشة ، أي حيوان بري لا يخرج عن هذا التقسيم : إما أن يكون من الطيور وإما أن يكون من الدواب وإذا كان من الطيور أو الدواب لم يخل إما أن يكون مستأنساً أو يكون متوحشاً ، والمستأنس هو الأهلي الذي يعيش بين الناس يكون من الدواب كالإبل والبقر والغنم ويكون من الطيور كالحمام والدجاج هذه مستأنسة ويكون متوحشاً يعيش في البراري وإذا رأى الإنسان ينفر منه ويقال : متوحش لأنه ينحاش يعني يفر من الإنسان إذا رآه ، في الطيور مثل العصافير والحباري والقماري ونحو ذلك ، وفي الدواب مثل الظباء والوعول والغزلان والثيتل ونحو ذلك كحمر الوحش وبقر الوحش ، فالحيوان على هذا التقسيم إذا كان برياً بين المصنف رحمه الله أن حيوانات البر مباحة جائزة وحلال أكلها وهذا أصل اتفق العلماء رحمهم عليه من حيث الجملة لكن المصنف هنا ليس مراده أن يتكلم عن ما أبيح من حيوان البر هو في السياق يتكلم عن المحرمات ولذلك ذكر الميتة كمثال للنجس وذكر ما فيه من ضرر كالسم ، ثم أراد أن يذكر حيوان البر ويستثني منه السباع العادية ويبين المحرم منه فهنا الكلام متصل باستثنائه ، أما تفصيل حيوانات البر المباحة سيأتي إن شاء الله في أول الفصل الذي يلي هذا الفصل .

وهنا ننبه على أن قراءة المتون الفقهية من الأهمية بمكان لطالب العلم أن يعرف ماذا يريد المصنف وماذا يقصد لأن ترتيب الجمل وترتيب الأفكار عند قراءتها أو إدخالها إلى ذاكرة الإنسان وفهمها مهم جداً لطالب الفقه وبدون هذا التأصيل والترتيب لا يمكن أن يضبط المسائل ولا أن يضبط الأصول ولا أن يضبط الفروع الفقهية فهنا ليس مراد المصنف أن يتكلم عن المباح من حيوانات البر وإنما مراده أن يدخل للاستثناءات ، ومن هنا قال رحمه الله: (وحيوانات البر مباحة إلا الحمر الإنسية) الحمار أكرمكم الله هو الحيوان المعروف ينقسم إلى قسمين : حيوان حمار الوحش وحمار الأهلي أو الحمار المستأنس ، الحمار في الأصل كان مباحاً بنوعيه المتوحش والأهلي في أول الإسلام ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان أكل الإثنين حلالاً حتى كان عام خيبر حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر كما في الصحيح من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وحديث أنس بن مالك في الصحيحين عنه رضي الله وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي بتحريم الحمر الأهلية فأكفئت بها القدور وإنها لتفور باللحم ، ولا يمكن أن يفسد اللحم وتكفئ القدور إلا في شيء محرم ، ومن هنا دل الحديث على تحريمها وذكر الإمام أحمد رحمة الله عليه أنه ورد عن خمسة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم حرموا لحوم الحمر الأهلية وذكر أيضاً الإمام ابن حزم عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونقل عنهم التحريم وقال أن هذا متواتر عن رسول الله صلى عليه وسلم وقال هذا متواتر لا يسع أحد أن يخالفه بناءاً على أنه يرى أن هذا العدد من المتواتر ، وهناك خلاف طبعاً عند الأصوليين والمحدثين في عدد التواتر فالشاهد من هذا أن ثبوت النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إشكال فيه وخالف في هذه المسألة بعض الصحابة وعن بعض الفقهاء :كراهية أكل لحوم الحمر الأهلية وأنه لا تصل هذه الكراهية إلى التحريم ، والصحيح كما ذكرنا ما دلت عليه السنة من تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية أولاً : لأنه نهي والأصل في النهي أنه للتحريم .

ثانياً : أن الأمر بإفساد الطعام الموجود في القدور بإكفائها دال على حرمته لأنه لا يؤمر بإفساد المكروه وإتلافه .

ثالثاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بكونها رجساً فهذه ثلاثة دلائل في السنة الواردة في تحريم أكل لحوم الحمر وكان بعض الصحابة يبيحها ولعله لم يبلغه النهي وكان يستدل بقوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة .... ) الآية. حيث لم يذكر الله عز وجل الحمر الأهلية ، فنقول هذا عام وهذا خاص فإن السنة جاءت وبينت ودلت على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية .

الحمار ينقسم إلى : حمار وحش وحمار مستأنس ، فحمار الوحش : هو الحمار المخطط المقلم وهو المشهور الأبيض والأسود المخطط وكان موجوداً في جزيرة العرب وكان كثير الوجود كما ذكر بعض مشائخنا ويقولون : أنه كان يهاجر من أفريقيا إلى جزيرة العرب ولما حفرت قناة السويس كثير من الحيوانات هذه لم تعد توجد في الجزيرة لأنه انقطع سبيل هجرتها وانتقالها فالشاهد من هذا أن حمار الوحش كان موجوداً وصيد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأعطي منه فأكل عليه الصلاة والسلام وهذا يدل على حل أكله ، وأما الحمار الأهلي فإنه خبيث اللحم محرم الأكل وثبتت به السنة ، وما ورد من خلاف فإنه ضعيف في مقابل ما ذكرناه من صراحة السنة في الدلالة على عدم جواز أكله .

قال رحمه الله : (وماله ناب يفترس به) وما له ناب يفترس به السباع العادية كالأسد والنمر فهذه السباع العادية ، الناب : طبعاً هو السن الذي يلي الرباعية من الأسنان وهذه الحيوانات لها كلب وتفترس فريستها بالناب كالأسد والنمر والذئب ونحو ذلك فهذه الحيوانات لا يجوز أكلها وتحريم أكلها لورود السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أكل ذي الناب من السباع ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني وحديث أبي هريرة رضي الله عن الجميع أن النبي صلى الله عليه وسلم [ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ] ، وفي حديث الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ أكل كل ذي ناب من السباع حرام ] فنص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم أكل ذي الناب من السباع وجمهور العلماء على هذا التحريم وهو قول مالك في نقل أشهب عنه وانتصر له الإمام الحافظ ابن عبد البر وبين أنه مذهب مالك رحمه الله وأنه هو الذي أسفرت السنة في دلالتها عليه كما في الأحاديث التي حتى رواها وذكرها الإمام مالك رحمة الله في موطئه ويبعد أن يقول مالك بحله رحمه الله عليه وتكلم على النقل عن مالك بجواز أكل ذي الناب من السباع ، الذين قالوا بجواز أكل ذي الناب من السباع استدلوا بعموم قوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به) فقالوا أن هذا ليس فيه ذي الناب من السباع فيبقى على الأصل من الحل والجواز ونجيب بأن الآية عامة والحديث خاص ولا تعارض بين عام وخاص والسنة دلت دلالة واضحة على تحريمها حيث قال : [ أكل كل ذي ناب من السباع حرام ] و(حرام) عند علماء الأصول : من صيغ التحريم الصريحة ، حُرّم عليكم ، حرمت ، حَرّم الله ، إن الله ورسوله حَرّما ، أكل كل ذي ناب من السباع حرام ، وصف الشيء بالحرمة هذا لا يحتمل معنيين ، لا يحتمل كراهة تنزيهية وإنما هو من أقوى ما يكون دلالة على عدم الجواز نفي الحل أو التصريح بالحرمة وعلى هذا فالمعول عليه تحريم أكل كل ذي ناب من السباع قال رحمه الله تعالى : ( وما له ناب يفترس به) تقدم معنا أن السنة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم كل ذي ناب من السباع والأصل في ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ أكل كل ذي ناب من السباع حرام ] رواه مسلم في صحيحه ومثله حديث أبي هريرة رضي الله عنه الصحيح الذي أخرجه الإمام مالك في موطئه بلفظه ولفظه قريب من لفظ حديث أبي ثعلبة ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى تحريم كل ذي ناب من السباع بالنص فهو عليه الصلاة والسلام نص على الحرمة بخلاف الأحاديث الأخرى نهى رسول الله عليه وسلم ، حَرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذه الصيغة ينازع فيها بعض العلماء كالظاهرية رحمهم الله يقولون أن الصحابي إذا قال نهى أو حرم يحتمل أنه فهم ما ليس بنهي نهياً ويحتمل أنه فهم ما ليس بحرام حراماً وهذا ضعيف ، وجمهور العلماء والأئمة على أن الصحابي إذا قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه محمول على ظاهره فهم أعرف بلسان العرب وأعلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه وقصده فهم الذين شهدوا مواطن التنزيل رضي الله عنهم وأرضاهم فهم أعرف بما يكون من النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ومن قيل ، فالمقصود من هذا أن هذه الأحاديث حديث أبي ثعلبة وحديث أبي هريرة ومثله حديث ابن عباس رضي الله عنهما في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وكذلك مثله حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع وعن أكل لحوم الحمر وعن أكل لحوم البغال وهو حديث السنن وهو حديث صحيح أيضاً فهذه الأحاديث كلها تدل على أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم تحرم أكل ذي الناب من السباع ، العلة في هذا التحريم : قال بعض العلماء : أن هذا النوع من الحيوانات فيه صفة العدوانية أنه يعتدي وله كلب وأذية وإضرار ، واللحوم يتأثر آكلها بطبائع الحيوانات في تلك اللحوم فلذلك حرم المستخبث وحرم السباع لوجود صفة العدوانية وقد تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله في أكثر من موضع من كتبه على هذه العلة وبين أن اللحوم تؤثر في الطبائع وهذا أصل قرره الأطباء والحكماء أن الإنسان يتأثر بما يأكله ومن هنا يختلف طبع النباتي عن طبع الحيواني ولذلك يجدون في النباتية الضعف وفي الحيوانية القوة أكثر من النباتي مع أن النبات قد يكون أكثر نفعاً وأقوى في البدن ولكن صفة العدوانية مؤثرة ، ومن هنا يقولون أن اللحم قد يكون التمر أقوى منه في بعض الأحيان وهذا معروف وأخبرنا بعض أهل الخبرة في زمن الشدة أنهم لاحظوا ذلك وجربوه ، أما تأثير الأبدان بالمأكولات وبالأطعمة فإنه مقرر عند الأطباء وتكلم عليه بعض العلماء كابن خلدون وفي كتب الأدب أيضاً تكلموا فيه وشهدت السنة بأصله فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال : [ السكينة عند رعاة الغنم من مضر والجفاء عند رعاة الإبل من ربيعة ] فجعل لحوم الإبل تختلف عن لحوم الغنم وجعل للحم الحيوان أثراً في الطبيعة لأن راعي الشيء سيغتذي بلبنه ولحمه ومن هنا قالوا أنه تتأثر الطبائع بالمأكولات ، فالسباع العادية فيها صفة العدوان ولذلك تعتدي على الإنسان سواءً اعتدى عليها أو لم يعتد عليها فهي إذا انفردت أضرت وآذت ومن هنا قالوا أنها حرمت لوجود هذه الصفة فيها.

بالنسبة لكل ذي ناب من السباع بينا أن الناب : هو السن الذي يلي الرباعية من الأسنان ، هناك الثنايا وهناك الرباعي من الأسنان ثم الناب ، والناب في السبع ينقسم إلى قسمين : ناب له كلب وقوة كناب الأسد والنمر والذئب والكلب ونحوها من السباع العادية ، وناب فيه ضعف يذكرون أنه أضعف مثل ناب الثعلب والسنور كما ذكروا والسنجاب ولذلك يختلفون في هذه الثلاث هل تدخل في السباع المحرمة أو لا تدخل من هذا الوجه ، فالشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب وبينا أن المالكية رحمهم الله أجازوا في قول في المذهب أكل كل ذي ناب مع أن بعضهم يعبر في بعض السباع بالكراهة والجواز عندهم مشهور وبينا أن الإمام الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله قرر أن الأقوى في المذهب هو القول بالتحريم وهو رواية أشهب عن الإمام مالك من أصحابه خاصة وأن الإمام مالك رحمه الله روى حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع وبينا أن القول الصحيح هو قول الجمهور بالتحريم وأن الإستدلال بآية ( قل لا أجد فيها أوحي إلي  ..) إما أن نقول أن السنة جاءت بالزيادة ونعتبر عموم الإباحة فيها مخصص بالسنة ولا تعارض بين عام وخاص خاصة وأن آية ( قل لا أجد ...) مكية , و[ حرم كل ذي ناب من السباع ] من التشريع المدني والمتأخر ينسخ المتقدم هذا إذا قلنا أن هناك تعارض لكن نقول عموم وخصوص وهو أشبه ، قوله [ كل ذي ناب من السباع] ذي الناب من السباع ينقسم إلى قسمين : إذا كان الحيوان من ذوات الأنياب التي تفترس إما أن يكون متوحشاً وإما أن يكون مستأنساً فهذا النوع من المحرمات الأكل منه ما هو أهلي يعيش مع الناس وتأنس به الناس ومنه ما هو متوحش بري ، الأهلي مثل الكلب أكرمكم الله والسنور الأهلي وهو القط ، والمتوحش مثل الأسد والنمر والذئب ونحو ذلك فجميعها محرمة وعلى هذا التحريم يشمل المستأنس والمتوحش منه .

قال رحمه الله (غير الضبع) الضبع هي أنثى الضبعان الحيوان المعروف ، هذا النوع من الحيوانات اختلف العلماء رحمهم الله فيه هل هو حرام أو هو حلال ؟ فذهب فقهاء الشافعية والحنابلة رحمهم الله إلى القول بحل أكل لحم الضبع وذهب فقهاء الحنفية والمالكية في المشهور إلى المنع من أكل لحم الضبع ولذلك البعض ينسبه إلى الجمهور والصحيح أن الخلاف على الصورة التي ذكرناها ، أما الذين قالوا بتحريم أكل الضبع فإنهم استدلوا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وقالوا أن الضبع سبع وله ناب ولذلك يعتبر من المحرمات كذلك أيضاً استدلوا بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله ابن خزيمة عن الضبع فقال صلى الله عليه وسلم : أتأكل الضبع ؟ ] أي هل أحد يأكل الضبع وهذا الحديث رواه الترمذي في سننه ولكنه من رواية عبدالكريم ابن أبي المخارق وهو أمية ضعيف عند المحدثين وهذا الحديث وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر أكل الضبع والإستفهام إنكاري فدل على أن الضبع لا يؤكل ولا يجوز أكله ، والذين قالوا بالجواز استدلوا بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على جواز أكل الضبع أولها: حديث عبدالرحمن بن أبي عمارة رحمه الله أنه سأل جابر بن عبدالله رضي الله عنهما الصحابي الجليل عن الضبع أصيد هي ؟ قال : نعم . قال : أآكلها ؟ قال : نعم ، قال : أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم ) قال : إنها صيد وإنها تؤكل فدل على حل أكل لحم الضبع وهذا الحديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعتبر أصلاً في جواز أكل الضبع كذلك أيضاً سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضبع  فقال : هو صيد وفيه كبش ] وهو حديث السنن ، فقوله عليه الصلاة والسلام عن الضبع أنه صيد وفيه كبش يعني يحرم على المحرم قتله إذا كان محرماً وإنما حرم على المحرم  أن يقتل الصيد والصيد هو الذي يحل أكله وهذا يدل على أنه يجوز أكل لحم الضبع وأنه غير محرم وقد جاء عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فعن علي رضي الله عنه أنه لم ير به بأساً كما روى مجاهد عنه وكذلك أيضاً ابن عمر سأله رجل أنه رأى سعد ابن أبي وقاص رضي الله عن الجميع يأكل الضبع فلم ينكر ابن عمر ذلك وكذلك أيضاً قال عطاء أنه رأى الضبع على مائدة ابن عباس رضي الله عنهما وقال الإمام الشافعي رحمه الله : [ مازال الناس يأكلونها (يعني الضبع) ويبيعونها بين الصفا والمروة ولم ينكر عليهم أحد ] ، أي كانت مشهورة وكانت تباع بين الصفا والمروة ولم ينكر ذلك وهذا يدل على أنها مباحة الأكل ولذلك أثر عن بعض الصحابة أنه قال : إنها خير لي من دجاجة سمينة ، وقال بعضهم لما سئل عن الضبع استطاب لحمه فقال : هو كالنعجة . يعني أنه يؤكل كما تؤكل الشاة وقال بعضهم : بل هي خير عندي من كبش ، يعني أن الضبع أفضل عنده من أكل لحم الضأن ، فالشاهد من هذا أن مجموع هذه السنن والآثار تدل دلالة واضحة على أن لحم الضبع حلال وأنه يجوز أكله وهذا هو الراجح إن شاء الله تعالى ويجاب عن استدلال القائلين بأن الضبع سبع لأنه يفترس ويعدو بما ذكره بعض الأئمة عن أهل الخبرة أن الضبع لا يعدو على الإنسان إلا إذا اضطر أو آذاه الإنسان كأن يعتدي على أولادها ونحو ذلك فتعتدي عليه ، هو صحيح أنه قد ينبش ويأكل الجيف يحصل منه هذا ولكن ما دام ثبتت السنة بحل أكله وجواز أكله فلا مجال لأحد أن يتكلم في ذلك خاصة أن الصحابة رضوان الله عليهم والسلف جرى العمل عندهم بأكل لحمه ومن هنا استثناه المصنف رحمه الله والإمام ابن القيم رحمه الله له كلام نفيس في هذا وبين أن الضبع ليس من السباع العادية ولا يفترس بطبعه وقد دل الشرع والطبع على أنه ليس من السباع العادية وله كلام في هذا وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يدخل في حديث [ نهى عن كل ذي ناب من السباع ] فقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله عن بعضهم أن أسنانه متصلة وليست كحال الناب الذي يكون في السبع المفترس وهذه صفة قد تخرجه من الأصل ولذلك بعض العلماء يرى عدم دخوله في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن  أكل كل ذي ناب من السباع ، والخلاصة أن نقول : إن دخل في حديث [ نهى عن كل ذي ناب من السباع ] أخرجناه بالسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصبح النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع عام وحديث حل أكله خاصاً ولا تعارض بين عام وخاص ، وإذا كان لا يدخل فالأمر واضح والحمد لله صار حله ثابت بالأصل ولا  إشكال في ذلك .

قال رحمه الله : (كالأسد) أي السباع العادية مما له ناب يفترس به كالأسد أو كما يسميه بعض الأدباء ملك الغابة ، وهو من أشد الحيوانات كلباً وعدواً وأذية وإضراراً وأسماؤه عديدة منها الأسد والليث والهزبر والضرغام وفيه من صفات العدو والكلب ما ليس في غيره ، حرام أكله لثبوت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وقد أجمع العلماء جماهير العلماء الذين يقولون بتحريم أكل كل ذي ناب من السباع أجمعوا على أن الأسد أقوى السباع عدْواً وأذيةً وإضراراً وأنه داخل في الحديث ، وليس بينهم أعني الجماهير خلافاً للقول الذي عند المالكية ليس بينهم خلاف في دخول الأسد في النهي عن كل ذي ناب من السباع وتحريمه من جهة العدو ومن جهة الخبث في المطعم فإنه يأكل الجيف وقد يأكل الإنسان فهو يعدو على الإنسان ويأكله ، ومن هنا ثبت السنة بتحريمه وخبث من ناحية أكله ومطعمه ، الأسد يقال أنه يطلق على الذكر الأنثى ويشمل الأنثى التي هي اللبوة .

قال رحمه الله : (والنمر) وهو طبعاً الحيوان المعروف ويمتاز بتنقيط جلده دون الأسد وفوق الكلب قليلاً وهو من السباع العادية وقيل : أن القط من فصائله وأجمع أيضاً القائلون بتحريم كل ذي ناب من السباع على دخوله في النهي الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأسد من جهة أذيته وافتراسه بنابه ، وكذلك أيضاً خبث مطعمه من جهة الجيف والنتن وقيل أن القطط فصيلة من فصائل النمور وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها لكنه محرم أكله لما ذكرناه .

قال رحمه الله (والذئب) يحرم أكل الذئب وذلك لأنه من ذوات الأنياب العادية وفيه خبث في المطعم وقد أجمع أيضاً القائلون على تحريم أكل كل ذي ناب من السباع على تحريم أكل الذئب ، والذئب له كلب وعدو وفيه الصفة أنه يعدو ويفترس ويقهر بنابه وهو من أخبث الحيوانات فتكاً وأذيةً وإضراراً بالنعم وربما يغتذي بالجيف أيضاً ، ولذلك أيضاً يعتبر محرم بحديث النهي عن كل ذي ناب ومحرم بخبث المطعم .

قال رحمه الله (والفيل) الفيل هو الحيوان المعروف ضخم الجثة طويل الخرطوم له خرطوم يضرب به إلى أقصى بدنه وقد يعدو بخرطومه وله ناب وهو من أطول الحيوانات ناباً وهذا النوع من الحيوانات طبعاً فيه البري والبحري ، الفيل البحري نابه طويل في قفاه ذيل كذيل السمكة لكنه عريض ويسحب يعني ليس أرجل ولا أيدي لكن له مثل الزعانف يسحب بها على الثلج يرى على الثلج ونابه طويل وله نابان طويلان وأصغر حجماً ، هذا النوع له حكم خاص سيأتينا في حيوان البحر الذي هو فيل البحر، فمن العلماء طبعاً من يرى أن كل حيوان في البحر له نظير ومثيل في البر أخذ حكم نظيره في البر فخنزير الماء وفيل الماء وبقر الماء يلحقونها بشبيهها في البر وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه المسألة لكن الفيل الذي نتكلم عليه هو الفيل البري وكلام المصنف رحمه الله في هذه الحيوانات كلها متعلق بالحيوانات البرية ، الفيل اختلف فيه على قولين : القول الأول وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة يعني الجمهور على أنه حرام أكله حتى أن الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عنه قال : [ ليس هو من أطعمة المسلمين ] واستدلوا على تحريمه بظاهر السنة في تحريم النبي صلى الله عليه سلم بأكل كل ذي ناب من السباع وقالوا أنه خبيث اللحم مستخبث اللحم ، وأثر عن بعض السلف كالحسن البصري رحمه الله أنه لما سئل عنه قال : هو مسخ. يعني الفيل وإذا كان مسخاً فإن هذا يقتضي الحكم بخبثه لأن المسخ لا يكون على الحال الطيب أو الحال الأفضل فلا يكون من الطيبات ، وإنما يمسخ على المستخبث ومن هنا قالوا إن هذين الوصفين يقتضيان حرمة أكل الفيل وهذا مذهب الجمهور كما ذكرنا وذهب المالكية في قول عندهم إلى جواز أكله وهو مذهب الظاهرية وحل أكله واستدلوا بالعمومات ، وقد تقدم معنا مسألة إباحتهم لكل ذي ناب من السباع ، فالفيل له كلب ويعدو بخرطومه ويعدو بنابه وقالوا أنه مستخبث في بعض مأكله ومن هنا يقوى القول بتحريمه وقول الإمام أحمد : ليس هو من أطعمة المسلمين .اهـ خاصة في القرون المفضلة يقوي القول بخبثه وعدم جواز أكله .

قال رحمه الله (والفهد) وهو الحيوان المعروف وهو من السباع العادية طويل القوائم سريع العدو ويعتبر داخلاً تحت عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع والخلاف فيه كالخلاف في كل ذي ناب من السباع الذي تقدم معنا في أول قول المصنف ( حيوانات البر مباحة ) إلا في تحريم كل ذي ناب من السباع بين الجمهور والمالكية وبينا أن الصحيح تحريم هذا النوع من السباع وأنه لا يجوز أكله أولاً : لكونه من ذوات الأنياب من السباع العادية وثانياً : لأنه يغتذي بالجيف كالأسد والنمر ونحوها .

قال رحمه الله (والكلب) الكلب هو الحيوان المعروف فيه البري وفيه المستأنس يعني المتوحش منه والمستأنس ، الكلب : اختلف العلماء رحمهم الله في طهارته ونجاسته وحل أكله وحرمته ، وجمهور العلماء على أنه نجس وأنه محرم الأكل ، واستدلوا على نجاسته بحديث عبدالله بن مغفل رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :[ طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات ] ولمسلم: أولاهن ، وفي رواية : إحداهن بالتراب ، فهذا الحديث قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم [ طهور ] ولا يعبر بالطهور إلا فيما تنجس وإذا ثبت هذا فمعناه أن الكلب نجس لأن نجاسة الإناء جاءت من نجاسة لعابه مادام أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الإناء يتطهر فالصفة بضدها فإنه لا يطهر إلا ما كان نجساً ولما قال : [ طهور إناء أحدكم ] دل على أن الغسل للنجاسة وإذا ثبت أنه تنجس الإناء بولوغ الكلب فيه فإنه حينئذ يقال بأن الكلب نجس العين لأن اللعاب مستحلب من البدن ، فإذا كان لعابه نجساً فإنه يكون نجس العين وهذا يعني هو مذهب الجمهور رحمهم الله وظاهر السنة دالة عليه ، من أهل العلم من قال : إن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب تعبدي وأن الكلب طاهر العين واستدلوا بأن الله أحل أكل صيد الكلب وقالوا أنه مما يدل على تعبدي أن غسل الإناء من الكلب جاء مضاعفاً سبع مرات وأُمر بالتتريب فيه فهذا يدل على أنه تعبدي وليس للنجاسة ، والأصل الطهارة حتى يدل الدليل على النجاسة ، ويجاب عن هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على ما ذكرناه من الصفة ومفهوم الصفة معتبر عند علماء الأصول فدل على نجاسة أو تنجس الإناء بولوغ الكلب ، وكونه سبعاً لا يمنع لشدة الإستقذار والإستخباث في الكلب خاصة وأنه ثبت طبياً الآن أن في لعابه الضرر المعروف من الدودة الشريطية وهذا لا يمكن تطهيره إلا بالتراب والقضاء على ضرره في الإناء إلا بالتراب وحينئذ يضعف ما ذكروه من كونه تعبدياً لأنه ظهر ما يدل على أنه لقوة الاستخباث وقوة ضرره ، وأما كون الشرع أحل لنا أكل ما أمسك الكلب فإن الكلب يمسك بفمه وإمساكه بفمه ينهر الدم وموضع الذكاة نجس ولذلك يكون فيه الدم المسفوح ، والدم الذي ينهر في الصيد وفي الذكاة الشرعية في النحر والذبح بالإجماع نجس وحينئذ كون فمه يمسك في هذا الموضع الذي هو محكوم بنجاسته لا يضر ولا يؤثر وعلى هذا يضعف ما ذكروه من الإستدلال بحل الصيد على طهارته وقد فصلنا هذه المسألة وبينا الأدلة والردود والمناقشات في شرح بلوغ المرام فليرجع إليه لإرادة التوسع .

فالحاصل أن الكلب نجس فإذا ثبت كونه نجساً فإنه لا يجوز أكله :

أولاً : لأنه من ذوات الأنياب من السباع العادية فهو يعدو ويفترس بنابه وهذه الصفة لا إشكال في ثبوتها فيه .

ثانياً : أنه يأكل الجيف فهو مستخبث في اغتذائه .

ثالثاً : أنه نجس العين وعلى هذا يحكم بعدم جواز أكل لحم الكلاب وظاهر السنة تقوي هذا المذهب من جهة غسل النجاسة ومن جهة كونه من السباع العادية مع أنه يمكن أن يقال باستخباثه من جهة أكله للقاذورات وأكله للجيف سواءاً كان المستأنس منه أو كان المتوحش ، فالكلب بنوعيه برياً كان أو أهلياً لا يحل أكله ، ومما يقوي ذلك أن السنة نهت عن بيعه وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ثمن الكلب كما في الحديث أبي مسعود عقبة بن عامر البدري في الصحيحين وكذلك حديث جابر بن عبدالله وحديث أبي هريرة وحديث ابن عباس رضي الله عن الجميع كلها دلت على تحريم أكل ثمنه .

قال رحمه الله (والخنزير) أما الخنزير فهو الحيوان المعروف والخنزير نجس العين ونصوص الكتاب واضحة في تحريمه والإجماع منعقد على أنه لا يجوز للمسلم أن يأكل الخنزير وهو من أخبث الحيوانات قال تعالى ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) وقال تعالى :  ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) وقال تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس ) فنصت هذه الآيات على تحريم أكل لحم الخنزير ونص على لحم الخنزير لأنه هو المقصود في الحيوانات وغيره تبع ولذلك لا مفهوم لقوله لحم خنزير يعني لا يقول قائل أن الله حرم اللحم فيجوز أكل الشحم لأن التحريم متعلق بالخنزير بعينه وقد ذكر الأطباء أن لحم الخنزير فيه داء وضرر وفيه الدودة الشريطية المعروفة وأنه يضر آكله وأنه والعياذ بالله تتكاثر بأكل لحم الخنزير وتخترق جدران المعدة وتسبب أضراراً في البدن ، وثانياً: أن الخنزير مستخبث في أكله للقاذورات حتى ذكروا أنه يأكل قاذوراته ومنها حتى الفئران يأكل الميت منها أكرمكم الله ، وأياً ما كان فإذا حرم الله شيئاً لا شك أن في تحريمه الحكمة البالغة واتباع هذا التحريم ولزومه فيه الخير الكثير للمسلم وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان كسر الصليب وقتل الخنزير ونص جماهير العلماء رحمهم الله على نجاسة عين الخنزير ولذلك قال تعالى : ( فإنه رجس) وقوله رجس : يعني نجس .

الخنزير مجمع على تحريم أكله وتحريم أكل أجزائه الأخرى من غير اللحم كالشحم ونحو ذلك كله محرم .

قال رحمه الله : (وابن آوى) ابن آوى : هو نوع من الحيوانات بعضهم يعتبرها من فصائل الكلاب لكنه من الكلاب البرية ، ووصف بذلك لأنه يأوي عند العواء إلى بني جنسه وهو يصيح بالليل وصياحه أشبه بصياح الصبيان وهو مستخبث ، والحنفية والحنابلة والشافعية أيضاً على تحريم أكل لحمه والمالكية عندهم قول بجواز أكل لحمه بناءاً على الأصل الذي ذكروه في أكل كل ذي ناب من السباع وقد بينا أن هذه المسألة لا حجة لهم فيها والصحيح تحريم كل ذي ناب من السباع ويدخل ابن آوى في ذلك وهو مستخبث وقالوا : أنه نتن الرائحة وبعض علماء يجعله من السباع وهو يؤذي وله كلب بنابه ويفترس به يعني كالكلب أكرمكم الله فيجعلون نهيه دخولاً تحت العموم في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ومن أهل العلم من جعل التحريم لكونه من فصائل الكلاب ومن أهل العلم من جعل أيضاً علة التحريم خبثه فإنه كريه الرائحة ومنتن ويغتذي على بعض الحشرات وبعض الجيف لأنه كالكلب ، وعلى هذا تجتمع فيه هذه العلل كلها على تحريمه وعدم جواز أكل لحمه .

قال رحمه الله (وابن عرس) ابن عرس دونه في الخلقة ومستخبث أيضاً والحنابلة أيضاً والحنفية عندهم قول بتحريمه وذلك لأن له كلباً بنابه وفيه خبث أيضاً خبث لحمه وهو يغتذي بالحشرات والقول بتحريمه أقوى وخاصة وجود الخبث فيه ، بعض مشائخنا رحمة الله عليه يميل إلى أن تحريمه من الخبث أقوى من تحريمه من الكَلَب بافتراسه بنابه وإن كان بالرجوع إلى كلام العلماء المتقدمين أن علة الكَلَب فيه وكونه يفترس بنابه أقوى فيدخل تحت عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع .

قال رحمه الله ( والسنور) السنور هو القط والهر يكون برياً ويكون أهلياً ، البري المتوحش والأهلي المستأنس وهو حيوان لطيف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في المستأنس منه [ أنه من الطوافين على بني آدم والطوافات ] كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في حديث أبي قتادة أنه توضأ عند امرأة ابنه ثم جاءت هرة فأصغى لها الإناء فشربت ثم أتم وضوءه فرآها ـ رحمها الله قد عجبت فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [ إنها من الطوافين عليكم والطوافات ] فجعلها الله عز وجل رحمة بالآدميين أعني القطط ، البري منها المتوحش منها والمستأنس حرام أكله في قول جمهور العلماء رحمهم الله على أن المستأنس لا يجوز أكله ولا يحل أكله  أولاً : لأنه له ناب يفترس به وكونه يغتذي بالحشرات يأكل الفئران ويأكل الأشياء المستخبثة واجتمعت فيه الصفتان وأما المتوحش ففيه رواية عن بعض أصحاب المذاهب الجمهور بجوازه وفيه وجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة بحل أكل المتوحش وقاسوه على الحمر وقالوا : أن الأهلي من الحمر يحرم أكله ، والمتوحش من حمار الوحش كما تقدم معنا يحل أكله ورُدّ بأن الأصل الذي يقتضي المنع والتحريم عام شامل للمتوحش والمستأنس ولا قياس مع عموم النص فإن عموم النص يشمل القط والخبث موجوداً أيضاً وقد قال الله تعالى : (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فلحم القط من المستخبث ومن هنا لا يجوز أكل لحمه وفي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عند أبي داود وابن ماجه وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم [ نهى عن أكل الهر وعن ثمنه ] وهذا يدل على عدم جواز أكل لحمه وهو يقوي قول من قال بالتحريم عموماً حيث لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المستأنس وبين المتوحش ، والقياس ضعيف لأنه في مقابل الحديث والنص فيقدم النص عليه .

قال رحمه الله (والنمس) النمس وهو نوع من الحيوانات البرية العادية وهو يشبه القط وأكبر من القط قليلاً يكتنف بيديه عند الوقوف وهو دابة تغتذي بالفضلات وتغتذي بالحشرات ومستخبثة في مطعمها ومذهب الحنابلة رحمهم الله وأحد الوجهين أيضاً عند الشافعية على تحريم أكله وهناك من أصحاب الإمام أبي حنيفة أيضاً رحمة الله على الجميع من يميل إلى عدم جواز أكل النمس ورخص فيه بعض الفقهاء كالمالكية وغيرهم وهذا راجع إلى مسألة ذي الناب من السباع ، وهو له كَلَب ويفترس بنابه ويدخل تحت العموم من هذا الوجه مع الإستخباث الذي ذكرناه .

قال رحمه الله (والقرد) القرد ذهب جماهير العلماء رحمهم الله إلى تحريم أكله سواءاً كان صغير الناب منه أو كبيره فإنه لا يجوز أكله ولأنه مسخ ولا يكون  المسخ للطيبات وإنما يكون المسخ للمستخبثات ومن هنا قال جمهور العلماء بتحريم أكل القرد فلا يجوز أكله لوجود الصفة التي ذكرناها ودخوله تحت عموم تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لأكل كل ذي ناب من السباع وللإستخباث ، واستخباث لحمه لكونه مسخاً ولكونه يغتذي أيضاً ببعض القاذورات وهذا هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله .

حتى أن بعض العلماء استنكر قول من يقول بجواز أكل لحم القرد ، وقال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله : لا أعلم خلافاً بين المسلمين في حرمة أكل القرد وتحريم أكل ثمنه أو تحريم بيعه ، والخلاف موجود في مذهب المالكية رحمهم الله فعندهم قول بالإباحة والمسألة راجعة إلى مسألة أكل كل ذي ناب من السباع .

 

قال رحمه الله (والدب) كذلك الدب من الحيوانات المعروفة المفترسة وجماهير العلماء والأئمة على تحريم أكل لحمه وذلك لأنه من العاديات ومن ذي الناب من السباع وله كَلَب ودخوله في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع واضح ظاهر ، صفة السبعية موجودة فيه والعدوانية موجودة فيه وكذلك ربما اغتذى بالجيف فهو محرم الأكل ، وعن الإمام أحمد رواية أنه إذا كان يفترس بنابه حرم أكله وإلا فلا ، ولكن جمهور العلماء والأئمة رحمهم الله على تحريم أكل الدب عموماً .

قال رحمه الله : ( وما له مخلب من الطير يصيد به ) هذا النوع الثاني أو الثالث من المحرمات إن اعتبرنا الحمر نوعاً مستقلاً فيصبح النوع الثالث من المحرمات ما له من مخلب من الطير وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم [ حرم أكل ذي ناب من السباع وذي المخلب من الطير ] والطير العادية التي لها كلب هي التي لها مخالب تفترس بها إما أن تفترس الطيور والحمام ونحو ذلك من جنس الطائرات وقد تفترس البهائم كما في بعض العاديات كالنسر ممكن أن يخطف الشاة الصغيرة والحدأة أيضاً ممكن أن تخطف الشاة وهذا النوع من ذي المخلب من الطير قسم منه يكون تحريمه من جهة عدوه وكلبه وحينئذ نعتبره قسماً مستقلاً وهو ذي المخلب من الطير على ما درج عليه المصنف رحمه الله ، وهناك قسم ثان يجمع وصفاً زائداً وهو أكله للجيف وحينئذ يكون تحريمه من جهة الإستخباث للحمه وأفرده المصنف رحمه الله بالذكر وإلا فالحقيقة كثير من العاديات من ذي المخالب أنها تأكل الجيف وتغتذي على الجيف فبين رحمه الله أن ذي المخلب من الطير أنه محرم وقد حرم الله عز وجل هذا النوع :

أولاً : لوجود صفة العدو وقد بينا أن الكَلَب والعدوان في اللحوم مؤثر في الطبائع وأن الإنسان لو أكل هذا النوع تأثر بطبعه وقد تكلم ابن خلدون في مقدمة تاريخه كلاماً نفيساً على تأثر الشعوب والأمم بمأكولاتها ، وللإمام ابن القيم أيضاً كلاماً نفيساً في هذا وبين أن العاديات من السباع تؤثر في طبائع الإنسان لو اغتذى بلحمها وهذا بيناه وأشرنا إليه في تحريم ذي الناب من السباع وعلى كل حال فإنه يحرم أكل ذي المخلب من الطير والخلاف بين الجمهور والمالكية رحمهم الله فالمالكية يبيحون أكله والجمهور على تحريم أكله وأصل المسألة مثل مسألة ذي الناب من السباع والأدلة فيها مثل أدلة ذي الناب من السباع فالجمهور حرموا أكل كل ذي مخلب من الطير :

أولاً : لثبوت السنة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم [ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ] فقالوا : أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا النوع من الطيور محرماً وهذا يدل على أن كل ما فيه هذا الوصف كونه من ذي المخلب عادياً بمخلبه أنه محرم .

الدليل الثاني : وجود الإستخباث فإن الله سبحانه وتعالى حرم أكل الخبائث وقال سبحانه في صفة نبيه عليه الصلاة والسلام ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وهذه العاديات من السباع في كثير من الأحوال تغتذي بالجيف .

ثالثاً : كما دل النص الصحيح دل القياس والنظر الصحيح على التحريم ذلك أن هذه العاديات من السباع إذا أكلت الجيف استخبثت وحينئذ نقول يحرم أكل كل ذي مخلب من الطير كما يحرم أكل الجلالة فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم علينا أكل الجلالة ، والجلالة مثلاً الشاة إذا أكلت من القاذورات أو من المزابل أكرمكم الله فإنها تكون جلالة وهكذا الدجاج لأنه أطلق فصار يأكل من المستخبثات والمزابل أصبح حكمه حكم الجلالة فنهى عن أكلها حتى تحبس فيطيب لحمها فدل على تحريم أكل ما خبث أكله وهذه العاديات من الطير مستخبثة من هذا الوجه فتحرم كالجلالة بل هي أولى بالتحريم لأن الجلالة أكلها مؤقت ولذلك كان تحريمها مؤقتاً حتى تحبس ولما كانت هذه مستصحبة دائماً تغتذي وكلما وجدت الجيف عدت عليها فإن هذا يقتضي المنع والتحريم كذلك أيضاً القياس من جهة قياسها على ذي الناب من السباع فيحرم أكل ذي مخلب من الطير كما يحرم أكل كل ذي ناب من السباع بجامع وجود الكلب وصفة العدو في كلٍ فذي السباع من الدواب عاد بطبعه وكذلك ذي المخلب من الطير وتكون العلة بينهما واحدة فيقتضي هذا التحريم ، القياس الأول أقوى من القياس الثاني لأن القياس الثاني من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه وبهذا تجتمع الأدلة النقلية والعقلية على تحريم أكل كل ذي مخلب من الطير وذهب المالكية إلى الجواز لقوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس...) الآية قالوا لم يذكر الله ذي المخلب من الطير فدل على حل أكله ، وجوابنا أن هذه الآية إذا قلتم بأنها أباحت على سبيل العموم نقول أن هذا العموم خصص بما ثبتت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة تخصص عموم القرآن وتقيد مطلقه كما هو معلوم وبهذا يحرم أكل كل ذي مخلب من الطير .

 قال رحمه الله : (يصيد به) لأنه قد يكون له مخلب ولا يصيد به حتى الحمامة لها مخلب لكن لا تصيد به فإذاً لما قال يصيد به صارت فيه صفة العدو كالكَلَب في السبع ، والكَلَب والعدوان في السبع يكون بالناب يفترس به فيأكل فريسته سواءً كان آدمياً أو غير آدمي كالأسود تأكل الآدميين وتفترسها بأنيابها وكذلك بالنسبة للنمر يفترس بنابه ويفترس فريسته وقد يفترس غير ذلك كما قيل في الثعلب على القول بتحريمه بأنه يفترس بنابه إذا أكل الدجاج أو عدا على الدجاج افترس بالناب فهذا الناب يحصل به الإفتراس وهذا المخلب يحصل به الإفتراس ولذلك تجد هذا النوع من الطيور ينقض على فريسته ويغرز مخالبه في الفريسة ويعدو بها ، والصيد يكون بهذا غالباً لقوة كَلَبه بالمخلب فقال (مخلب يصيد به كالعقاب) وهو نوع من الطيور ، المشكلة توضيح الواضح يزيده إشكالاً ، فيه طيور معروفة وفيه طيور غير معروفة ، من باب المناسبة هنا تنبيه : طالب العلم يمكن أن يعرف هذه الأشياء مثلاً برؤيتها في الأماكن التي يتيسر فيها رؤيتها إما في البر إذا تيسر له الخروج أو في حديقة الحيوانات إذا أمكنه أن يأتي في وقت يرى فيه هذه الأشياء من باب العلم ، كان بعض العلماء رحمهم الله كفيف البصر ، والعمى عمى البصيرة كان رحمه الله يخرج وكان إماماً في زمانه علماً وعملاً وصلاحاً رحمه الله برحمته الواسعة فيذهب ويخرج إلى المزارع ويطلب الإبل أن يراها فيضع يده عليها ويتلمس خلقتها ثم يقرأ قول الله تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) يعني إذا فقدت البصر فأحب أن أرى خلقة الله ولو باللمس فإذا كان هذا يبحث عن الاستجابة لأمر الله عز وجل في النظر في ملكوته ودوابه بهذا فكيف بمن رزقه الله البصر فيمكن أن يذهب الإنسان إلى حديقة الحيوان ، هناك كتب من الموسوعات يستفيد منها طالب العلم في أشياء مثلاً تمر به في دراسته ، كان العلماء رحمهم الله والفقهاء يعتنون بهذه الأشياء حتى لا يحصل خلط ولا خطأ في الأحكام ، بعض الكتب الموسوعة فيها صور للحيوانات يمكن أن ينظر الإنسان صفاتها ويعرف أوصافها بحيث إذا سئل عنها أو كذا يعرف شخصها هذه موجودة في الموسوعات في المعاجم العامة التي تعتني بتصوير هذه الأشياء ويمكن الرجوع إلى أهل الخبرة وأهل المعرفة يسألهم الإنسان وهذا من بركات علم الفقه فإن العلم الشرعي له بركات لأنه مستمد من الكتاب والكتاب مبارك ، ولذلك لا تجد هذه الأمة تحتاج إلى أحد يعلمها ، علمت أشياء حتى علوم الحيوان يعني تعلمها العلماء وتكلموا عليها لأنها تتعلق بالأطعمة ودخلوا إلى البحار كما سيأتينا فتعلموا على أصناف الحيوانات والمخلوقات الموجودة في البحر ما يحل منها وما يحرم ، علم المسلمون ذلك قبل أن يعلمه غيرهم ولذلك هذه الأمة فيها معرفة والعناية بالمعرفة فطالب العلم يمكن أن يرجع إلى هذه الموسوعات ويرى فيها بعض صور هذه الحيوانات إذا كانت هذه الطيور توجد في أماكن تحفظ بالرؤية يمكن أن يزورها الإنسان وينظر إليها ويتعرف عليها .

قال رحمه الله (كالعقاب) وهو من ذي المخلب من الطير ويعدو وهو أكبر من الصقر وفيه عدو حتى على الحيوانات ولذلك يصاد به ، ومن الطيور العادية التي تعلم الصيد العقاب والصقر والباز والباشق والشواهين والنسر ونحوها كلها تعلم الصيد وتصيد يعني ممكن أن يصاد بها لوجود الكَلَب فيها بالمخلب .

قال رحمه الله (والباز) وهو نوع من الصقر .

قال رحمه الله (والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة) هذه أنواع الطيور التي لها مخالب وتعدو بها وهي محرمة من جهة السنة في وصفها بذي المخلب من الطير ومن جهة اغتذاءها بالجيف والميتات ولذلك تعدو عليها وتنحط وتنقض حتى على ميتة الآدمي في بعض الأحيان ولذلك يقول أبو حمزة الشاري الخارجي يصف أصحابه الذين قتلوا في المعركة في خطبته المشهورة لما ذكر عبادتهم قال : [ أتعيرونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً . شباب والله مكتهلون في شبابهم ، غضيضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة عن الباطل أرجلهم ، أنضاء عبادة وأطلاح سهر .. إلى أن قال : فكم من كف في منقار طائر طالما اعتمد عليها صاحبها بالسجود في جوف الليل بين يدي الله وكم من عين في فم طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله ). فالشاهد أن هذه تعدو حتى على الآدميين إذا حصلت المعارك ، كان في القديم إذا حصلت المعارك وترك القتلى تعدو عليهم هذه الأنواع من الطيور وتنحط على جيفة الآدمي والميتات من الدواب فهي مستخبثة من جهة اللحم وأيضاً من جهة الكَلَب كذي الناب من السباع ، الحدأة وهي معروفة وأيضاً ورد فيها الحديث بالأمر بقتلها ، والحدأة تؤذي الناس ولذلك قد يذبح الإنسان ذبيحته في بر ولا يشعر إلا وقد خطفتها وخاصة إذا كانت يعني ليست بكبيرة يتأتى حملها وكذلك أيضاً ربما عدت على صغار الغنم ، فالحدأة معروفة تخطف وتأكل الجيف وتنحط على الجيف فهي عادية من وجه وأيضاً مستخبثة من وجه آخر ، ويزاد فيها عن غيرها من العقاب والباز والصقر والباشق والشواهين التي ذكرها المصنف رحمه الله يزاد في الحدأة صفة الأمر بقتلها لأن الأمر بقتلها يقتضي أنه لا يجوز أكلها لأنه إذا أمر بالقتل فمعناه أنه لا ذكاة لها وحينئذ لا يحل أكلها ومن هنا أخذ العلماء في الخمس الفواسق التي ورد فيها الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بقتلها أن هذا يقتضي تحريم أكلها .

قال رحمه الله ( وما يأكل الجيف ) وهذا نوع مستقل زاده المصنف وإلا فبعض العلماء يشرك بين ذي المخلب من الطير وما يأكل الجيف ، وفَصْلُ المصنف رحمه الله لهذا النوع له وجْهُهُ خاصةً في قضية الغراب والكلام في مسألة ذي المخالب ، فبين المصنف رحمه الله أن ما يأكل الجيف أنه لا يجوز أكله وذلك لوجود الإستخباث وقد قال الله تعالى : ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) وما اغتذى بجيفة فإنه خبيث ومن هنا يحرم أكله ولا يشكل على هذه قضية الضبع قد تقدم معنا لأن الضبع أصلاً فيه إشكال يعني إلى الآن لم أصل إلى حل فيه وهي قضية اغتذاؤه بالجيف وعدوه على الآدمي ، فالمجيزون يقولون إنه لا يعدو على الآدمي طبيعة وإنما يعدو على الآدمي إذا آذاه وتعرض له وقال أن نبشه للقبور لأنه يأكل التراب وهذا موجود خاصة في ضبع الحجاز يذكرون عنه أنه يأكل التراب ولذلك يكون نبشه للقبور متعلق بهذا المعنى خاصة إذا وجدت فيها الجيف ، والشاهد من هذا أن هذه الطيور تأكل الجيف ففصلها المصنف رحمه الله عن سابقتها وإلا ففيها أشياء لها مخالب وتعدو بمخالبها كما سيذكره .

قال رحمه الله (كالنسر) النسر له مخلب فهو فيه صفة التحريم بالسنة وفيه صفة التحريم بالقرآن من جهة الإستخباث إن نظرنا إلى اغتذائه بالجيف وانحطاطه عليها فهو محرم لخبث لحمه وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم الجلالة فمن باب أولى أن يحرم النسر لاغتذائه بالجيف ، وثانياً : وجود المخلب فيه وهذا داخل تحت عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي مخلب من الطير .

قال رحمه الله (والرخم) الرخم في الحقيقة هو من أنتن وأخبث أنواع الطيور لحماً حتى كانوا يضربون المثل به في فساد لحمه وخبثه وحتى ذكروا عن بعض الحكماء أن مريضاً أصابته بلية في رجله وهي ما يسمونها الآكلة نوع من الديدان دخلت إلى رجله فقرر الأطباء قطعها وجاءوا إلى حكيم فقال عندي دواء لها فأخذ لحم الرخم ووضعه على فم الجرح فخرجت الدابة من رجله إلى الرخم لأنها وجدت أخبث من لحم الآدمي وهذا يدل على شدة خبث الرخم وهذا معروف وأهل الخبرة يعرفون هذا الرخم من أخبث أنواع الطيور لحماً ولذلك استخباثه يقتضي تحريمه ، قال رحمه الله (واللقلق والعقعق) هذا قيل نوع من الغراب والغراب له أكثر من نوع هناك الأبقع وهو الذي يغتذي بالجيف وأيضاً يفسد الزرع وهو الذي وردت السنة بالأمر بقتله كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها ، وهناك غراب البين وهو مثله أيضاً وقيل غراب البين يجمع بين الحب وبين الجيف ، ولذلك بعض العلماء يتردد في القول بتحريمه والخلاف موجود في مذهب الحنفية رحمهم الله وعند بعض أصحاب الإمام الشافعي رحمة الله على الجميع وهناك أنواع من الغراب كالعقعق كما ذكر المصنف رحمه الله وهناك الأبهق وهناك الأعصم وهناك غراب الليل هذه كلها أنواع للغربان ، غراب الليل قالوا أنه يشبه البومة ولا يظهر إلا في الليل ولذلك قيل له غراب الليل والغراب الأعصم وهذا أعز من أن تجده يقولون أنه عزيز الوجود ، أصلاً من يبحث عن الغراب حتى يقول عزيز الوجود ، كانوا (الله المستعان) يقولون في المثل : [ أعز من الأعصم ] أي أنه لا يوجد ولا يرى ، أما بالنسبة لغراب البين والغراب الأبقع فالأبقع طبعاً يغتذي بالجيف وأما العقعق فقالوا إنه طويل الرجلين طويل الذيل وأيضاً يعدو على الجيف ربما يأكل بعض الجيف وهذا النوع كله مستخبث لوجود أكل الجيف والمستخبثات وأيضاً من العلماء من قال أن الغراب بجميع أنواعه محرم حتى قالوا أن شأن الغراب أكل الجيفة حتى إنه يأكل جيفة الغراب ولذلك قالوا :

                      ما للغراب والشذا الحسان .. شأن الغراب جيفة الغربان

 فهذا معروف في الغراب ومن هنا رجح بعض العلماء هذا القول لإطلاق الرواية في الصحيح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الغراب دون تفريق بين غراب أبقع وغيره ، والذين يقولون بالتفريق هم الذين يرد عندهم أيضاً الخلاف في مسألة الأطعمة وظاهر السنة وارد فيها الأمر بقتل الغراب عموماً سواءاً كان أبقع أو غيره والذين يقولون بالعموم يجيبون عن رواية الأبقع بأنه من باب ذكر الفرد من أفراد العام والقاعدة في الأصول [ أن ذكر الفرد من أفراد العام لا يقتضي تخصيص الحكم به ] فأنت لو قلت للناس : ـ أدخلوا المسجد ثم قلت يا محمد أدخل ـ فمحمد فرد من الناس فقولك يا محمد أدخل لا يقتضي تخصيص  الدخول به وإنما هو فرد من أفراد العام ولذلك قالوا ذكر الفرد من أفراد العام قد يكون لوصف مستبشع به وكثرة أذيته اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بالنص عليه دون غيره وهذا لا يقتضي التقييد .

قال رحمه الله (والغداف وهو أسود صغير أغبر) نوع من الغربان .

قال رحمه الله (والغراب الأسود الكبير) كل أنواع الغراب الحقيقة ظاهر السنة العموم وعند بعض العلماء وهو موجود في مذهب الحنفية وبعض أصحاب الشافعي وبعض الحنابلة أشار إليه رحمة الله عليهم أن الغراب إذا عرف منه أكل الحبوب قالوا يجوز أكل لحمه وهذا محل إشكال .

قال رحمه الله (وما يستخبث) هذا نوع آخر من المحرمات وهو الحيوان المستخبث سواءاً كان من الطيور أو غيرها والأصل في ذلك أن الله تعالى قال عن نبيه : ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) وإذا كان لحم المأكول خبيثاً أضر بآكله ومن هنا قالوا قد يكون خبثه من جهة كونه نجساً كما في تحريم الخنزير وقد يكون خبثه لأكله القاذورات ونحو ذلك بل قد يكون طاهراً وهو شيء مستخبث حتى ولو كان من غير الحيوانات كأكرمكم الله البصاق ونحو ذلك فهو طاهر ولكنه مستخبث ، ولذلك لا يجوز أكل هذه الأشياء وهذه الحيوانات والدواب التي سيذكرها المصنف رحمه الله مستخبثة والإستخباث فيه كلام للعلماء رحمهم الله ، فإن الله تعالى قال عن نبيه ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) هذه الآية عند العلماء أصل في تحريم أكل الأطعمة المستخبثة سواءاً كانت من الجمادات أو كانت من النباتات أو كانت من الحيوانات وسواءاً كانت مستخلصة أو كانت غير مستخلصة فجميع هذه الأشياء تعتبر محرمة ، لكن السؤال يرد كيف نعرف الخبيث من الطيب ؟ وكيف نقول إن هذا خبيث ؟ طبعاً الطيب تقدم معنا أن [ كل شيء طاهر غير مضر أنه طيب ] والسبب في جعل العلماء لهذا الأصل أو الضابط طاهر غير مضر أن الله تعالى قال : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) فلما وصف الطعام بكونه طيباً وجدنا النص في الشرع يصف الطيب للطاهر فقال تعالى : ( فتيمموا صعيداً طيباً) أي طاهراً ففهم من هذا أن الحيوانات الطاهرة مباحة الأكل لكن بالنسبة لآية ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وآية ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) وردت في السؤال قالوا فلا يعاد فيقال : أحل لكم الحلال إنما يكون الطيب هنا شيء آخر ومعنىً زائد ولذلك قالوا أن الخبث هنا له ضابط آخر فإن الله خاطب بهذا الكتاب وبهذه الآيات أمة وهي التي نزل عليها القرآن وبين أن هناك شيء طيب وأن هناك شيئاً خبيثاً فما كان طيباً في غالب هذه الأمة وفي العرف الذي لا يتأثر فإنه يحل فقلنا في الغالب ليخرج النادر فإن من الناس من يأكل كل شيء حتى قيل لرجل كان مع رجل : قال ماذا تأكلون ؟ قالوا نأكل كل شيء إلا أم الحبين ، قال : لتهنأ أم الحبين العافية ، لأنها سلمت من أكلك ، يعني المقصود من هذا أن من الناس من يأكل كل شيء فلو جئنا نقول أن كل آدمي يعني يستخبث ويطيب على حسب استخباثه وطيبه ما انضبطت الشريعة ومن الناس من يأكل كل شيء ولا يراه خبيثاً ولا يستعيب بهذا ، ولو قلنا كل الأمم لكان أبشع لأن الكفار لا يتقيدون بملة ولا يتقيدون بدين في بعض أحوالهم فلو قيل أن الخبائث المراد بها ما يستخبثه الآدميون عموماً هذا باطل كما قرره أئمة التفسير رحمهم الله وأئمة الفقه وذكر هذا وأشار إليه الإمام المارودي وغيره في الحاوي فتعذر حمله على الكل فوجب حمله على الأمة التي نزل القرآن بلسانها ولذلك نظر إلى بيئة العرب ، في جزيرة العرب وسط بين طبائع الناس المفْرطة والمفَرّطة وطبائعهم وسط حتى اختار الله هذه الأرض حتى في مناخها ففيه الوسطية بين الحر والبر ولو كان حرها من أشد ما يكون وبردها نوعاً ما فيه شدة لكنها وسط ، ومن هنا قالوا العبرة بما تستطيبه العرب وتستخبثه لأن القرآن إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم وزمان النزول يخاطبهم وبلسانهم نزلت الشريعة فهم المخاطبون فما استطابوه فطيب وما استخبثوه فخبيث ثم هؤلاء العرب تأتي أزمنة من الشدة والجدب وتأتي أزمنة من الرخاء فلو قلنا أن العبرة بما يستطيبوه فالسؤال : هل العبرة بما يستطيبوه في زمن الرخاء والسعة فالغالب أنه يكون عندهم شبع ولا يأكلون كل شيء ولذلك يتركون حتى بعض الأشياء لوجود الرخاء والنعمة أم العبرة بزمان الشدة وفي زمان الشدة يأكلون كل شيء لأن الضرورة تحرجهم وتلجئهم إلى كل شيء ؟ فقالوا العبرة باليسار ولكنه اليسار المنضبط وليس المراد به الذي يترك المباحات لأنه لا يمكن اعتبار زمان الجدب ، وأيضاً قالوا هل نعتبر أهل الغنى منهم أو أهل الفقر؟ فإن الفقير تحوجه الحاجة أن يأكل كل شيء ولكن الغني له ذوق فيختار ، قالوا لما وجد الغنى فيه لا يبحث إلا عما يستطاب وهنا اعتبر زمان الرخاء والسعة واعتبر الغنى فهذان وصفان معتبران حتى لا يستطاب كل شيء وحتى لا يقبل كل شيء ولا تقبل طبائع كل أحد والعبرة بالغالب والنادر لا عبرة به والعبرة بأكثر العرب ، واختلفوا إذا حصل الخلاف بينهم حتى رده بعضهم إلى قريش التي هي أصل نزول القرآن أنه نزل فيها وقد ثبت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اختارها واصطفى منها واصطفى من صفوته منها وهذا دلت عليه النصوص وهذا نوع من التمييز من الشرع لا يقتضي الإحتقار للغير كما يظن بعض أعداء الإسلام أبداً ! هذه أمور نظر فيها إلى صفات الآدمي ثم نظر فيها إلى الطبائع واحتمكت إلى أصول والله عزوجل يحكم ولا يعقب حكمه هذا حاصل ما ذكر في الخبيث أنه محرم لنص القرآن عليه ، ثانياً : أن هذا الخبيث العبرة في ضبطه بمن نزل بلسانهم القرآن والمراد بهم الأغلب والمراد بهم ذوي اليسار في حال الرخاء لا في حال الجدب هذا بالنسبة لما يستخبث ثم هذا المستخبث حرم لمعنىً آخر كما نص دليل النقل على تحريمه دل دليل العقل على التحريم والنقل عندنا الكتاب والسنة ، الكتاب في قوله تعالى : ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) والسنة في أمرها بقتل الحدأة وقيل إنها من أسباب ذلك خبث لحمها فلذلك لا تؤكل والغراب على استخباث لحمه فحينئذ يجتمع دليل الكتاب والسنة على تحريم هذا النوع وأما بالنسبة للعقل فإنه إذا كان خبيثاً ويغتذي بالخبيث فإنه يضر بصاحبه ولذلك تحريمه اجتمعت فيه دلالة النقل ودلالة العقل فيكون محرماً قياساً على سائر المحرمات التي نص الشرع على تحريمها مثل ذي الناب من السباع لوجود فيه وصف الخبث وقالوا كونه يفترس غالباً أنه يغتدي الجيف فهذا يؤكد هذا الأصل من جهة النظر .

قال رحمه لله (كالقنفذ) القنفذ هو الدابة المعروفة وهو له شوك ويغتذي بالحيات وإذا عدت عليه حية انكمش فضربت شوكه فتموت فالقنفذ مستخبث ونص حتى طائفة من أئمة السلف على تحريم أكل لحمه وهناك من رخص فيه لكن الخبث فيه بيّن .

قال رحمه الله : (والنيص) النيص : قالوا شيخ القنافذ هو أكبر منها .

قال رحمه الله : (والفأرة) الفأرة طبعاً قيل أنها من أخبث أنواع الدواب خاصة أن بعض الأطباء ذكر أنها تسبب الطاعون والعياذ بالله ولذلك أمر بقتلها في الحل والحرم وهذا لخبثها وهي تؤذي الآدمي وتفسد عليه الطعام ، وتحريمها من جهة الخبث ومن جهة الأمر بقتلها فإنه لما أمر بقتل الفارة دل على أنه ليس لها ذكاة وإذا كان ليس لها ذكاة إذاً ليست من جنس ما يؤكل ولذلك جماهير العلماء والأئمة على تحريم أكلها ، الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإلقاء السمن إذا وقعت فيه الفأرة أن يلقى وما حولها وهذا يدل على تحريم الفأرة .

قال رحمه الله : (والحية) الحية طبعاً خبثها ووجود السم فيها هذان أمران يقتضيان تحريم أكلها ، وأجاز بعض العلماء أكل الحيات إذا نزعت السموم منها ولكن الإستخباث فيها ظاهر ومن الأدلة على تحريم أكلها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحية في الحل والحرم إلا أن الحية في الحرم حرم المدينة تستأذن ثلاثاً قيل ثلاث مرات وقيل ثلاثة أيام فإذا رأى الحية يقول لها أحرج عليك بالله أن تخرجي أو ألا أراك بعد اليوم أو ألا أراك بعد هذه المرة فإذا قلنا ثلاث مرات فإنه قد تظهر ثلاث مرات في اليوم الواحد فيقتلها في المرة الرابعة وإذا قلنا ثلاثة أيام فإنه ينتظر إلى رابع يوم فإن رآها قتلها ، والإستئذان ثلاث مرات أقوى في الحقيقة وثلاثة أيام أحوط ، والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة الخندق وقصة أبي سعيد الخدري أنه كان يصلي ذات يوم في بيته يتنفل فجاءه ضيف وكان يصلي النافلة في الضحى فدخل عليه ضيف فلما دخل عليه الضيف أشار إليه أبو سعيد فدخل فسمع خشخشة في الدار فقام هذا الضيف حس أنها حية أو دابة فقام من أجل أن يقتل فأشار إليه أبو سعيد أن يلزم مكانه في الصلاة فلزم مكانه حتى صلى قال : فلما صلى كما في الصحيح أشار إلى بيت أو خباء وقال له : أترى ذاك الخباء قال : نعم ، قال كان فيه غلام حديث عرس من الأنصار ولما كان يوم الخندق استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى زوجه لأنه كان حديث عرس بالزواج فلما رجع إلى بيته وجد زوجته على فم الباب ، وهذا أمر تستبشعه العرب غالباً لا تقف المرأة على باب الدار إلا لأمر وربما قتلها الرجل إذا رآها على ذلك فنزع سهمه يريد أن يقتلها فقالت له : لا تفعل حتى تدخل وترى ما بداخل الدار فلما دخل وجد حية عظيمة فنزع سهمه من كنانته فرماها فلم يدر أيهما مات أولاً ، فمات من ساعته فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبره فقال صلى الله عليه وسلم : [ إن بالمدينة سكاناً أو جيراناً لكم _ يعني من الجن _ فإذا رأيتم شيئاً من هذا فآذنوه ثلاثاً ] ، والحديث قال :[ آذنوه ثلاثاً ] واختلف العلماء كما قدمنا هل هي ثلاثة أيام أو ثلاث مرات [ فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان ] ، فقال : [ إن المدينة سكاناً ] وفي بعض الروايات في الصحيح [ إخواناً لكم ] يعني من الجن وهذا يقتضي أنه لا تقتل الحية في الحرم إلا بعد استئذانها ثلاثاً كما صحت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول لها : أحرج عليك بالله أن تخرجي أحرج عليك بالله ألا أراك بعد اليوم ، أحرج عليك بالله أن تظهري ونحو ذلك يحرج عليها ثلاث مرات .

قال رحمه الله: (والحشرات كلها) أي ولا يجوز أكل الحشرات كبنات وردان والخنفساء والصراصير فهذه مستخبثة وأكلها ضار بالجسم حتى الأطباء الآن يثبتون وجود الضرر في هذه الأنواع فلا تؤكل مما له نفس سائلة أما بالنسبة للدود الذي ليس له نفس سائلة فقد تقدم معنا أنه يجوز أكله وهو الدود الذي ليس فيه دم مثل سوس التمر هذا طاهر ويجوز أكله وسوس الحب طاهر يجوز أكله وقد بينا ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أحل لنا ميتة الجراد والجراد مما لا نفس له سائلة ، ولذلك يفرق بين الجراد والدود الذي لا نفس له سائلة وبين الحشرات التي لها نفس سائلة فإنه لا يجوز أكلها .

قال رحمه الله : (والواطواط) كذلك الطائر المعروف لا يجوز أكله للإستخباث لأنه يغتذي بالحشرات فحرم أكله من هذا الوجه .

قال رحمه الله : ( وما تولد من مأكول وغيره) بعد أن بين رحمه الله ما تمحض من الحيوانات بالصفة من الحيوانات البرية وبين المحرم منه شرع في المركب ، وعند العلماء : الكلام على المركب يتبع الكلام على المفرد [المركبات تابعة للمفردات] فالإشكال الآن إذا كنا قد عرفنا المحرم من الحيوانات فإنه لو كان الحيوان منها لا إشكال لكن الإشكال والسؤال لو تولد حيوان من حلال وحرام فهل نقول بحرمته أو نقول بحله أو نقول مشتبه يتقى ؟ هذا هو محل الكلام ، الذي يتولد من حيوانين له ثلاث حالات :

الحالة الأولى : أن يتولد من حلالين .

والحالة الثانية : أن يتولد من حرامين .

والحالة الثالثة : أن يتولد من حلال وحرام .

الحالة الأولى : أن يتولد من حلالين كحمار الوحش مع بقر الوحش فيما ذكروا ويقع في الثيتل والوعل الوحشية كلاهما حلال فلو نزا الذكر من هذا الحلال على الأنثى من هذا الحلال جاز الأكل بلا إشكال لأن الفرع تابع لأصله وما تولد من حلال فحلال .

والحالة الثانية : أن يتولد من حرامين كالكلب مع الذئب أو الكلبة مع الذئب ، فالسمع والسيعار متولد من حرامين فالكلبة محرم أكلها والذئب محرم أكله ، فإذا تولد من الحرامين فلا إشكال أيضاً في حرمته كما ذكرنا فيما تولد من حلالين .

والحالة الثالثة : ما تولد من  حلال وحرام مثل الفرس والأتان أو الحمار والمهرة من الخيل حلال وحرام وهذا يأتي على صورتين :

إما أن تتمحض الخلقة بأن تخرج بعدم النزع لأحدهما كالبغل يكون من الحمار والخيل وفيه صفة خاصة في خلقته أو يكون الإختلاف في بعض الخلقة فتجد فيه شبهاً من الحلال وشبهاً من الحرام مثل ما يقع في الكلاب أكرمكم الله إذا نزت على الغنم فقد تأتي الشاة على صورة كلب يعني الوجه وجه كلب والجسم جسم شاة وهو الإختلاف في بعض الخلقة لا في كل الخلقة ، هذا الذي تولد من حلال وحرام إذا تمحض بالصفة يعني مثل البغل أكرمكم الله ، طبعاً بعض العلماء يرى أنه إذا تولد من حلال وحرام له صورتان :

الصورة الأولى : أن تكون الأنثى حلالاً والذكر حراماً .

والصورة الثانية : العكس: أن تكون الأنثى حراماً والذكر حلالاً كما يقع بين المهرة من الفرس من الخيل على القول بحل أكل الخيل والسنة ثابتة بذلك مع الحمار أكرمكم الله الأهلي . والأنثى الفرس المهرة حلال والفحل حرام ، فبعض العلماء يقول : أنه ينظر إلى الشبه فإذا كان نزع إلى الحرام فحرام وإذا نزع إلى الحلال فحلال .

طيب كيف الشبه ؟

يكون في الصورة ويكون في الصفات فمثلاً إذا كان الصورة مثل ما ذكرنا في الجسد نزع إلى الحرام غلب بالشبه وهذا يلحق بأقواهما شبهاً وهذا أخذوه من أصل السنة ولذلك لما حصل الإختلاف في عبد بن زمعة لما صارت قضية وليدته بين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وعبد بن زمعة نظر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد في الغلام شبهاً بيّناً فألحقه بالشبه كما في الصحيحين وقال : [ احتجبي منه يا سودة ] فوجد فيه شبهاً بيّناً بعتبة بن أبي وقاص الذي هو الزاني الرجل الذي زنى وهذا في الجاهلية طبعاً وطء الجاهلية يقولون زنا الجاهلية ، فالشاهد من هذا أن هذا الإستيلاد ألحق فيه النبي صلى الله عليه وسلم الشبه قال الراوي : فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد فيه شبهاً بيّناً بعتبة ولذلك قال : [ هو لك يا عبد بن زمعة واحتجبي منه يا سودة ] فقوله : [ احتجبي منه يا سودة ] مراعاة للشبه بعتبة فهذا يقولون يدل على اعتبار الشبه وهذا فيه إشكال لكن نقرره ، نقرر كيف يكون الشبه ؟

قالوا إذا جاءت الصورة والشكل أكثر شبهاً بالكلب أكرمكم الله إذا نزا على الشاة غلبنا صورة الكلب فحكمنا بالتحريم وقد يكون في الصفات قالوا : مثل أن تصيح الشاة صياح الكلاب أكرمكم الله فحينئذ هذه من الشبهيات الموجبة لإلحاقه بالمحرم أو تلعق إذا جاءت تشرب تشرب كالكلب فتلغ ولوغ الكلب وتلعق بلسانها فتلحق بالكلاب هذا بالنسبة إذا قيل ينظر إلى الشبه ، مشكلة هذا الشبه أن الإستدلال بالسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله بين الحلال والحرام ولم يمحضه بالشبه إنما يستقيم الإستدلال باعتبار الشبهيات أنه محضه النبي صلى الله عليه وسلم بتبعيته لمن شابهه وهذا يُضعف طبعاً مسألة الشبهية .

ثانياً : من العلماء من قال : ينظر إلى أمه العبرة بالأم إن كانت حلالاً حُكم بالحل ، وإن كانت حراماً حُكم بالتحريم قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [ الولد للفراش وللعاهر الحجر ] ، فالفراش هي المرأة قالوا : فاعتبر الأنثى وألغى الذكر .

ولذلك كان في العرب شيء من هذا حتى إن المرأة إذا جاءت بالأنثى نسبتها إليها وإذا جاءت بالذكر نسبته إلى الرجل ليس من باب النسب في الأسماء وإنما من باب الفخر ولذلك هند لما تزوجها الحجاج قالت :

          ومـا هـند إلا مـهرة عربيـة     حليلـة أتـراب تجـللهــا بغـل

          فإن جـاءت به مهرة فلله درها      وإن جاءت به فحلاً فقد جاء به الفحل

 فهذا معروف ، بالنسبة للإلحاق في السنة اعتبر الأنثى قالوا : فننظر إلى الأنثى إن كانت حلالاً حكمنا بالحل وإن كانت حراماً حكمنا بالتحريم ، الحقيقة هذا فيه إشكال لكن أياً ما كان هذه المسألة الإشتباه فيها بيّن ولذلك مسألة البعد والإتقاء والحكم بالإجتناب من أقوى ما يكون لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ إن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات ] والشبه هنا قوي جداً يعني ما تستطيع أن تقول : أعتبر كذا وألغي كذا لأن مسألة الولد للفراش وللعاهر الحجر جاءت في النسب ولم تأت في قضية التبعية في الإستحقاق ، ومن هنا نقول أن إقحام هذه الدلائل فيه إشكال لكن الإمتناع من هذا النوع لا شك من القوة بمكان وهو أسلم وأرجو أن يكون أولى ولذلك يقولون : [ إذا  اجتمع الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح ] لا يشكل على هذا قولنا أن الأصل في الأطعمة الحل ، الأصل في الأطعمة الحل هذا صحيح ولكن عندنا شبه قوية شبهة قوية ومؤثرة لا يمكن إسقاطها وإلغاؤها ولذلك بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه لما نهى عن وطء المسبية ـ تعرفون كان الجهاد إذا جاهد المسلمون الكفار وأخذوا الأسرى لا يضرب الرق إلا بأمر الإمام فإذا أمر بضرب الرق استرقت النساء ، فالمرأة التي تسترق من غير المسلمين قد تكون حديثة عهد بزوجها وقد تكون حاملاً من زوجها الأول الكافر فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات إلا بعد الاستبراء ، فأخذ رجل مسبية وهم أن يطأها ورآه النبي صلى الله عليه وسلم على خبائه وكأنه يهم أن يلم بها والمرأة حامل فقال صلى الله عليه وسلم : [ أيغذوه في سمعه وبصره ] ـ يعني لو وطئها وجامعها اغتذى الولد في السمع والبصر يعني أخذ بعض الصفات واختلط الماءان ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : [ أيغذوه في سمعه وبصره ] فاعتبر الوطأين ثم قال :  [ لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره ] ، فهذا يدل على تأثير الوطء وإذا كان الواطيء يؤثر في المتخلق سمعاً وبصراً بالسنة وخلقة فهذا يدل على أنه إذا حصل الوطء من الذكر فهو مؤثر فقولهم أن الولد للفراش ضعيف من هذا الوجه ، ولذلك نقول : ثبتت السنة بتأثير الحمل بالوطء وعلى هذا إذا كان الذكر الذي وطأ حراماً حرمنا وإذا كان حلالاً لم نقتض بالحل لأن الأم أيضاً لها تأثير ، ومن هنا تنازعت الأدلة فنبقى على التوقف والإمتناع من هذا النوع لوجود الشبهة فيه وهذا هو الأشبه إن شاء الله والأولى .

قال رحمه الله: (كالبغل) البغل طبعاً يكون بين الحمار والفرس ولكن ممكن أن يكون البغل من حلالين مثلاً لو كان حمار وحش وحصل نزوٌ بينه وبين المهرة واستولدت حُكم بكونه من حلالين .

قال رحمه الله تعالى : (فصل: وما عدا ذلك فحلال) من عادة العلماء رحمهم الله في المتون الفقهية أن يقسموا الأبواب إلى فصول وهذه الفصول تكون مرتبة على الأبواب بمعنى أنه أو لا يرد الفصل إلا إذا كان مرتباً على ما قبله ، ومن هنا في بعض الأحيان تكون الأبواب الرئيسية أصولاً والفصول أنواعاً لهذه الأصول أو تكون الأبواب الرئيسية أصولاً والفصول استثناءات أو تكون الإستثناءات متقدمة بالتحريم ثم يأتي الوصف العام بالحل عكس ما تقدم ، فالمقصود أن الفصول مبنية على ما قبلها ، ولذلك قال المصنف : (وماعدا ذلك فحلال) هذا يقتضي أن نمهد لما تقدم فالمصنف رحمه الله لكي يفهم قوله   (وماعدا ذلك فحلال) ينبغي أن يعلم ما الذي سبق فالذي قدمه المصنف إجمالاً أولاً : تنبيهه على أن الأصل في هذا الباب وهو باب الأطعمة أنها حلال حتى يدل الدليل على تحريم الطعام وبينّا دليل ذلك ثم هذا الأصل وهو كون الأشياء أو كون الأطعمة أنها مباحة وحلال يقتضي التنبيه على الوصف الذي ذكره الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم للأطعمة الحلال وهو وصف الطيب فنبه المصنف رحمه الله على أن طيب الطعام لا بد فيه من أمرين : الطهارة وانتفاء الضرر فكل طعام طاهر لا ضرر فيه الأصل حله ، إذاً عندنا أصل وعندنا ضابط للأصل ، فالأصل أن الأطعمة حلال حتى يدل الدليل على تحريمها ، وأن الضابط في الحلال في طيبه وإباحته للمسلم أن يكون طاهراً لا مضرة فيه ، إذا أثبتنا هذا الأصل أخرج المصنف رحمه الله ما دلت الأدلة على تحريمه فبيّن عدم جواز أكل النجاسات وهذا مفهوم الطاهر أن النجس لا يجوز وذكر مثاله كالميتة والدم ثم ذكر الذي فيه مضرة ومثّل له بالسموم مثل أكل السموم وبينّا ذلك وفصّلنا فيه ثم شرع في بيان المحرمات من الحيوانات البرية ، أولاً بدأ بالأصل ثم بدأ بالمحرمات من الحيوانات البرية لأن المكلف يواجهها أكثر من غيرها ولذلك هو ذكر الحل العام ثم بدأ يستثني من هذا الحل العام ، فاستثنى كما ذكرنا النجاسة واستثنى السم الذي فيه ضرر ثم استثنى من الحيوانات البرية ، ولما جاء يستثني في الحيوانات البرية ذكر أولاً أكرمكم الله الحمار الأهلي وبينّا وجه تحريمه وسبب تحريمه ، ثم ذكر المحرم من كل ذي ناب من السباع واستثنى الضبع وبينّا أمثلته كالأسد والنمر والذئب ونحو ذلك ، ثم كل ذي مخلب من الطير ذكر حرمته وأنه لا يجوز أكله وبينّا أمثلة ذلك وذكر المصنف الصقر والبازي والباشق والشواهين والعقاب ونحو ذلك ثم تكلم على ما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق والعقعق والغربان ونحو ذلك مما ذكرناه وفصلنا فيه ، ثم ذكر ما يستخبث مثل الحشرات ونحو ذلك ، ثم ذكر ما تولد من حلال وحرام ، جميع هذا الذي تقدم من المحرمات وهو يشتمل على المحرمات البرية سواءاً كانت من الدواب أو كانت من الطير وسواءاً كان مستأنسة كالحمر الأهلية في الدواب أو كانت متوحشة كذي الناب من السباع في الدواب وكذلك في الطير المتوحش مما ذكرناه ، هذا هو الذي تقدم معنا .

نريد من هذا أن نخلص إلى أن المصنف رحمه الله ركز في بيانه على المحرمات ، وسبب ذلك أن الحلال لا ينحصر ولذلك لكي نعرف ما أحل الله ينبغي أن نخرج ما حرم الله لكي نقول ماعدا ذلك فحلال فهذا وجهه أنه ابتدأ بالمستثنيات المحرمة لأنها منحصرة وترك المباحات التي أحلها عزوجل والمحللة لأنها غير منحصرة فقال رحمه الله : (وماعدا ذلك) فالضمير يشير به إلى ما تقدم هذا كله في الحيوان البري .

والحيوان البري ينقسم كما ذكرنا إما أن يكون من الدواب وإما أن يكون من الطير ، والطير قلنا تعتبر برية لأن أوكارها ومنامها تأوي فيه إلى البر إلى الأشجار إلى الكهوف وكذلك تكون الحيوانات برية من الدواب .

والطيور إما أن تكون مستأنسة وإما أن تكون متوحشة فهذا تقسيم لا تتركه في باب الأطعمة في باب الحيوانات إما أن تكون برية وإما أن تكون بحرية .

وإن كانت برية إما إن تكون من الدواب وإما أن تكون من الطيور .

وفي كل من الدواب والطيور إما أن يكون مستأنساً وإما أن يكون متوحشاً ، فالمستأنس من الدواب كالإبل والبقر والغنم يعيش مع الناس ويأنس من الإنسان ولا ينفر منه هذا من الدواب والمتوحش من الدواب كالظباء والغزال والريم والوعل والثيتل ونحو ذلك وبقر الوحش وحمار الوحش هذه وحشية تنفر من الإنسان وتنحاش ، وأما بالنسبة للطيور منها المستأنس كالدجاج والبط والوز فيما ذكروا وبعض العصافير وبعض أنواع الحمام المستأنس ومنها المتوحش كأنواع العصافير وكذلك أيضاً الحباري والقماري وغير ذلك من الطيور إما أن تكون من العاديات وإما أن تكون من غيرها ، إذاً كلامنا كله في الحيوان البري أما الحيوان البحري فسيتكلم عليه إن شاء الله يقول رحمه الله (وما عدا ذلك فحلال) لأن الله سبحانه وتعالى أباح الطيبات وماعدا هذه المنصوص عليها فهو طيب ومباح ويجوز للمسلم أكله ، قال (ماعدا ذلك فحلال) هذا العموم يحتاج بياناً لأفراده فشرع بعد ذلك في بيان ماعدا ذلك فقال رحمه الله (كالخيل) والخيل من الجمْع الذي لا مفرد له كالقوم والرهط وسميت بذلك لإختيالها في مشيتها وهي من الزينة التي زينت للناس ومن الشهوات التي حببت للناس وهي من أجلّ نعم الله على العبد ولو لم يكن في فضلها إلا أن الله أقسم بها لشرفها كما قال تعالى : ( والعاديات ضبحاً * فالموريات قدحاً * فالمغيرات صبحاً ) قيل : هي خيل الجهاد ، عاديات من العدو ، والخيل فيها العدْو والإسراع في العدو ، والضبح من الصوت لأنها إذا عدت واشتد عدوها صهلت كذلك أيضاً في قوله : (فالموريات قدحاً) لأنها إذا أسرعت خاصة على الأرض الصلبة انقدحت حوافرها بالأرض وكانت أشبه بالزناد الذي يوري النار فالشاهد من هذا أن لها شرفاً وأجمع العلماء رحمهم الله على فضلها وقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال [ الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ] وهذا يدل على فضلها وشرفها ، يباح أكلها وجمهور العلماء رحمهم الله من حيث الجملة يبيحون أكل الخيل وخالف في ذلك المالكية والحنفية على تفصيل عندهم في المذهب: منهم من نص على التحريم كما نص على ذلك من متأخري المالكية (خليل) على حرمة أكل لحم الخيل ومنهم من قال بالكراهة ورواية التحريم عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله وهي رواية الحسن بن زياد عنه أنه حرمها واختلف العلماء على هذين القولين: منهم من أحل أكل لحم الخيل وهو مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث أنها حلال ومنهم من قال : أنها حرام كما ذكرنا وهو مذهب الحنفية والمالكية من حيث الجملة وإن كان عندهم خلاف فبعضهم يرى أنها مكروهة كراهة التنزيه لا كراهة التحريم .

استدل الذين قالوا بتحريم أكلها بقوله تعالى : ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ) دلت هذه الآية الكريمة على أنه لا يجوز أكل لحم الخيل من وجهين:

الوجه الأول : أن الله قال (والخيل والبغال والحمير لتركبوها ) فجعلها للركوب وللزينة ولو كانت تؤكل لذكر أكلها لأن المنة بالأكل أفضل من المنة بالركوب فقالوا : إن الله عزوجل خصها بالركوب والزينة فدل على أنها لا تؤكل .

أما الوجه الثاني: فقالوا إن الله تعالى قرن الخيل بالبغال والحمير وكل من البغل والحمار محرم الأكل فقالوا : لا يجوز أكل لحم الخيل لأن الله قرنه بالمحرمات ، وهذا ما يسمى عند العلماء بدلالة الاقتران ، فقالوا لما قرن الله الخيل بالحمير والبغال وهي محرمة الأكل دل على حرمة أكل لحم الخيل وهي دلالة ضعيفة لأن الله قد يقرن بين الشيئين المختلفين في الحكم كما في قوله تعالى : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) فلما ذكر الله ثمرات النخيل والزورع والثمار بيّن الحكم فقال : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه ) فجمع بين الأكل ووجوب الزكاة والأكل من الثمر ليس بفرض ووجوب الزكاة ركن من أركان الإسلام وفريضة ، فدل على أن العطف يكون بين شيئين مستويين في الحكم ويكون بين شيئين مختلفين في الحكم ومن هنا هذه الدلالة ضعيفة عند علماء الأصول وتعرف بدلالة الإقتران ، كذلك أيضاً استدلوا بحديث خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه الذي ذكره الطحاوي في معاني الآثار وأشار جمع من العلماء إلى ضعف سنده وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخيل قال : [ وأما الخيل والبغال والحمير فلا تأكلوها ] قالوا فنص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم أكل الخيل والبغال والحمير فدل على أن الخيل ليست للأكل وهذا الحديث ضعيف الإسناد وفيه حتى متنه من ناحية أن خالد شهد يوم خيبر لأنه متعلق بالمعاهدين وخالد أسلم بعد فتح خيبر كما هو معلوم ولذلك رد العلماء هذا الحديث سنداً ومتناً ، أما الذين قالوا بجواز أكل لحم الخيل فاستدلوا بالسنة الصحيحة عن رسول صلى الله عليه وسلم منها حديث أسماء رضي الله عنها وعن أبيها أنها قالت : [ نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً وأكلناه ] وهذا الحديث في الصحيح ، ووجه الدلالة : أنه لو كان محرماً لما أكلوه ولو كان الحكم منسوخاً أيضاً لبينته ولكن بينت أن أكل لحم الخيل كان معهوداً معروفاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أيضاً ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في إباحة لحم الخيل كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقالوا : إن هذا يدل على جواز ومشروعية أكل لحم الخيل ، والذي يظهر أن السنة في دلالتها على الحل أقوى .

وأما استدلال من استدل بالآية الكريمة فيجاب عنه:

الوجه الأول في قولهم : أن الله خصها بالركوب .

نقول : ذكر منفعة الركوب والزينة لا يقتضي انحصار منافع هذه الدواب فيها ولا يقتضي تحريم بقية المنافع بدليل لو سألناهم وقلنا لهم ما رأيكم في بيع الخيل وبيع الحمير والبغال ؟ لقالوا : يجوز ، قلنا هذه منفعة زائدة على الركوب ومع ذلك تقولون بجوازها فدل على أن حصر الآية للركوب والزينة ليس على ظاهره ، وعلى هذا كما أجاب الإمام الماوردي وغيره أن إباحة البيع والشراء تقتضي بطلان ما ذكروه من دلالة الحصر .

وأما دلالة الإقتران فقد تقدم الجواب عليها .

وأما حديث خالد فضعيف .

فيقوى القول القائل بالحل والإباحة وبناءاً على ذلك يجوز أكل الخيل .

الخيل طبعاً على ثلاثة أقسام :

الخيل العربية العراب .

والخيل الهجين الذي يكون أبوه عربي وأمه غير عربية .

والخيل غير العربي المحض وهذا كله يعرف في أيامنا بالمستورد .

فهذه الثلاثة الأنواع من الخيول كلها مباحة وجائزة وذلك لعموم الأصل فيحل أكلها . قال رحمه الله: (وبهيمة الأنعام ) وبهيمة الأنعام كالخيل ، أي: يحل أكل الخيل ويحل أكل بهيمة من الأنعام ، البهيمة من الإبهام لأنها عجماء لا يستطيع أن يعلم الإنسان ما تريد والمراد ببهيمة الأنعام : الإبل والبقر والغنم .

أحل الله لنا أكل بهيمة الأنعام كما قال تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) وأجمع العلماء على حل أكلها وجواز ذلك .

وبهيمة الأنعام تشمل الإبل بنوعيها العراب والبختية ، والعراب هي التي لها سنام واحد ، والبختية التي لها سنامان فيجوز أكل الجميع ، والبقر أيضاً بنوعيه البقر المعروف والجواميس فيؤكل بنوعيه ، والغنم بنوعيه المعز والضأن الذي يعرف في عرف العامة بالطلي فهذا كله مباح بنص الله عزوجل في آية المائدة على حله والإجماع منعقد على جواز أكل بهيمة الأنعام .

اختلف في قوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام) هل هي على العموم أو المراد به الإبل على الخصوص ؟ والذي رجحه غير واحد أنها عامة في هذه الستة الأزواج التي هي من الإبل والبقر والغنم ، بل رجح الإمام القرطبي في تفسيره أنها في قوله تعالى: ( بهيمة الأنعام ) أنه يشمل جميع المباحات من المأكولات من الحيوانات وهذا القول فيه إشكال معروف عند أئمة التفسير لكن يعني نريد أن نشير إلى استدلال العلماء بهذه الآية على العموم .

والأعدل في الأقوال الوسط:  أن المراد ببهيمة الأنعام في قوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) أن المراد بها الإبل والبقر والغنم على التفصيل الذي ذكرناه .

قال رحمه الله: (والدجاج) الدجاج هو الحيوان المعروف وهو من الطير المستأنس يصنفه بعض العلماء من جنس الطيور لكنه لا يطير على كل حال الطيران المعهود ، ليس هو مما صف ولا مما دف من الطير الذي يطير في العلو لكنه يقفز ويحصل منه طيران بالقفز والدجاج ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحمه كما في حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه وقالوا : إن هذا أصل في حل أكل الدجاج يعني شبه إجماع على جواز أكل الدجاج لكن أثر عن بعض السلف كعبد الله بن عمر والسند عنه صحيح أنه كان لا يأكل الدجاج إلا إذا حبسه ثلاثة أيام ، وهذا له سبب فإن الدجاج فيه نوع من الإفراط في الأكل بحيث إذا أطلق يهيم ولربما يأكل من المزابل ولذلك تكون الجلالة فيه كثيرة ، ومن هنا كان من ورع عبدالله بن عمر أنه يحبسه ثلاثاً .

ومن هنا يفصل في طعام الدجاج : إذا كان الدجاج يعلف بالحب ويطعم الحب ويطعم الطعام الطيب فلا إشكال في حل أكله خاصة إذا كان محبوساً ، أما إذا كان يطعم من المحرمات أو النجاسات أو يكون علفه من الدماء المجمدة أو المعدلة ونحو ذلك فإنه لا يجوز أكله والأطباء المعاصرون بعضهم يشير إلى وجود الضرر في النوع من الدجاج الذي يغتذي على بعض الأطعمة المركبة من الدم ونحو ذلك من المستخبثات بل قالوا أنه سبب من أسباب الفشل الكلوي وهذا ذكره غير واحد من الأطباء ، فالمقصود من هذا أنه إذا خبث طعامه وخبث اغتذاؤه فحكمه حكم الجلالة ، ولذلك لا يجوز أكله حتى يحبس أما من حيث الأصل العام فإنه حلال وطيب وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل دجاجاً كما في الصحيح فإذاً ليس عندنا إشكال في حله ولكنه لما كانت فيه هذه الصفة وهي أكله واغتذاؤه من بعض المستقذرات وعدم انضباطه في الأكل وإسرافه في ذلك كالحشرات ونحوها المستخبثة خاصة إذا أعطى من المركبات المستخبثة فإنه يمنع منه من هذا الوجه حتى يحبس ويطيب .

اختلف العلماء رحمهم الله في ضابط الجلالة منهم من يقول: الجلالة هي التي يوجد فيها الخبث يعني أثر النجاسة شراباً أو طعاماً في عرقها ورائحتها ولا تشترط الأيام وعلى هذا القول لو أنه مثلاً دابة أكلت من النجاسة فجاء مثلاً يشرب حليبها فاشتم رائحة نتنة في الحليب امتنع من شرب لبنها ومن أكل لحمها حتى يحبسها ثم تطيب.

والقول الثاني أنها لا تكون جلالة إلا إذا عرفت بالمعاودة والإستمرار .

والقول الأول أظهر في الصفة .

والقول الثاني أبلغ في الحكم لأنه انتزاع واستثناء من أصل عام فلا بد وأن يكون على صفة ثابتة وبناءاً على ذلك اختلفوا قدر الحبس منهم من يرى الأسبوع ومنهم من يرى الثلاث الأيام ومنهم من يرى زوال الصفة والترجيح في هذه الخلاف يرجع إلى الترجيح في ضابط الجلالة فإن قيل إن الصفة العارضة فيها مؤثرة اعتبر زوال الرائحة وإن قيل إنها تغتذي ولابد أن تمر عليها المدة بالمعاودة فلا بد وأن تحبس الثلاثة أيام والسبع حتى يغلب على الظن طيب لحمها ، هذا بالنسبة للدجاج التفصيل فيه على هذا الوجه هذا إذا كان دجاجاً عند الإنسان وذبحه ذبح شرعي ، أما إذا كان الدجاج يأتي من غير بلاد المسلمين فهذا له ضوابط شرعية ومحل الكلام عليها في باب الذكاة وسنبين إن شاء الله تعالى عند كلامنا على أحكام الذكاة أنه لا يحل لنا من الدجاج المستورد إلا ما كان من أهل الكتاب ويشترط ألا يقتل بالصعق الكهربائي وألا يدوخ ويزهق فإذا كان مستوفياً للشروط المعتبرة حل أكله أما إذا كان يصعق بالكهرباء ويقتل بالتدويخ وبالضرب على الرأس ونحو ذلك سواءاً كان دجاجاً أو بقراً أو غنماً وسنبين هذا ونذكر بعض النماذج الموجودة الآن من المستورد له طرق معروفة ينبه على أحكامها الشرعية هذا محله باب الذكاة ، أما من حيث الأصل نتكلم على دجاج عندك أو دجاج تشتريه ثم تذبحه ، أما حكم الدجاج إذا جاءك مذبوحاً هذا حكمه ينظر في تذكيته حتى ولو كان من بلاد المسلمين هذا له حكم آخر ، أما الدجاج يباح أكله إذا كان مذكىً ذكاة شرعية وهو من الطيبات وأكله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إشكال في جوازه .

قال رحمه الله: (والوحشي من الحمر) يلاحظ أن المصنف قال الخيل ، بهيمة الأنعام ، الدجاج ، ينبغي لطالب العلم عند قراءة المتون الفقهية أن يدرك مغزى العلماء من التمثيل الذي يعتبرونه أصل لغيره ومن التمثيل الذي يقصدون به حصر العام الذي يصعب حصره بذكر الأفراد فهو يقول الخيل وبهيمة الأنعام وهذا يشمل المستأنس من الدواب يعني نبه بالإبل والبقر والغنم والخيل على المستأنس الذي عندك من الدواب ونبه بالدجاج على المستأنس من الطيور ، وقلنا إن الحيوان البري الذي أحله الله إما أن يكون من الدواب وإما أن يكون من الطيور فهو بهذا التمثيل جمع بين الأصليين فإذا جئت إلى الإبل والبقر والغنم تعتبرها أصولاً لكل الدواب المستأنسة فيحكم بجواز أكلها ولا إشكال ، الدجاج تعتبره أصلاً تلحق به جميع الطيور الداجنة المستأنسة ، مثلاً الحمام الذي يكون في البيوت مستأنس عندك يجوز أكله كما يجوز أكل الدجاج فقوله (والدجاج) لأنه قال كالخيل تمثيل لا يقتضي الحصر كالخيل وبهيمة الأنعام والدجاج فهذه كله في المستأنس وشمل المستأنس بنوعيه دواباً وطيوراً .

الآن في المتوحش فالوحشي أصله من انحياش الشيء والمنحاش هو الذي يفر ينحاش عن الشيء إذا فر عنه ووصفت هذه الدواب بكونها وحوشاً ووحشية لأنها إذا رأت الآدمي تفر منه ولا يستطيع أن يأخذها إلا بالمغالبة يصيدها يمسكها يحتال عليها يرسل عليها الكلب المعلم كما سيأتي في باب الصيد فالمقصود أن الوحشي ضد المستأنس فالوصفان : مستأنس ووحشي ، هذان الوصفان ربما ينقلبان فيصبح المستأنس وحشياً ويصبح الوحشي مستأنساً فلو كان عندك غنمة أو شاة هي مستأنسة فأخذتها معك في السيارة ثم سافرت بها وفي الطريق فرت عنك ، إذا انحاشت وفرت أخذت حكم المتوحش ولذلك يجوز لك أن ترميها بالسلاح في أي موضع وتأكلها إذا ما قدرت تمسكها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السفر فند بعير ( انحاش بعير يعني توحش ) فأهوى رجل بسهم فعقره يعني أصاب البعير فقتله فقال صلى الله عليه وسلم [ إن لهذه الحيوانات ( يعني المستأنسة ) أوابد كأوابد الوحش ( يعني أنها تنتقل من الإستئناس إلى التوحش ) فما ند منها ( يعني توحش ) فاصنعوا به هكذا ] وهذه سماحة من الشريعة ويسر فقولنا مستأنس قد يصبح المستأنس متوحشاً وقد يصبح المتوحش مستأنساً فإذا أخذ الحمام ورباه عنده وألفه لم ينحش منه وإذا انحاش يعود إليه فهذا متوحش في أصله مستأنس بفعل المكلف بحكم أنه ضري عليه وقد حتى يستأنس السبع قد يأخذ عليه كما في الكلاب المعلمة والسباع المعلمة كما سيأتي في الصيد ، فالمقصود أن المصنف رحمه الله ذكر المستأنس بنوعيه من الدواب والطير ثم شرع في غير المستأنس وهو الوحشي فقال رحمه الله : ( والوحشي من الحمر) الوحشي من الحمر هو كما ذكرنا الحمار المخطط المقلم المعروف وأما بالنسبة أكرمكم الله للحمار الأغبر والأبيض والأسود هذا أهلي ولو خرج إلى البر وتوحش ، والمراد هنا الأتن والحمر الوحشية وهذا النوع من الحمر كان موجوداً في جزيرة العرب وكان يأتي من أفريقيا ، معروف ولحمه طيب ويختلف عن لحم الحمر الأهلية ، أما جواز أكله فقد ثبتت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى له الصعب بن جثَّامة رضي الله عنه وأرضاه كما في الصحيح حمار وحش فرده فتغير وجه الصعب لأنه أهدى الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها فظن الصعب أن النبي صلى الله عليه وسلم متغير عليه أو أنه في نفسه شيء عليه ففطن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك قال مطيباً لخاطره [ إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم ] يعني محرمون فكان النبي صلى الله عليه وسلم محرماً والصعب لما صاد حمار الوحش قصد أن يهديه للنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك يحرم على المحرم أن يصيد وأن يأكل ما صاده ويحرم عليه أن يأكل ما صيد من أجله ولكن قوله [ إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم ] فدل على أنه مباح في الأصل لكن الرد جاء لسبب عارض وهذا يقتضي الحل ، وقد ثبت أيضاً في الحديث الصحيح عن أبي قتادة رضي الله عنه في الصحيحين وتقدم معنا وهو من أحاديث العمدة أنهم كانوا بوَدَّان بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة وقال له ولأصحابه في مجموعة سرية قال لهم : [ خذوا ساحل البحر ] وكانوا مثل حراس للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذاهباً إلى مكة وخشي من تحرك بعض القبائل ضده فأرسل أبا قتادة رضي الله عنه على جهة الساحل لكي يكون ردفاً وحمية للمسلمين في ذهابهم إلى مكة في نسكهم ، فمن فوائد هذه الحديث طبعاً أبو قتادة أخر إحرامه إلى رابغ إلى الجحفة وهذا يدل على أن أهل المدينة إذا نزلوا إلى الساحل وأخذوا طريق الساحل أنهم لا يلزمهم الإحرام من آبار علي وإحرامهم من الغرب فلما أخذوا إلى جهة الساحل قال : مروا وكان مع أصحابه فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة ، أبو قتادة لم يحرم ـ هكذا الرواية [إلا أبو قتادة] بالرفع ـ فلما لم يحرم مروا على أُتُن من الوحش فلم ينتبه أبو قتادة وانتبه أصحابه فنظر بعضهم إلى بعض وضحكوا لأنهم ما يستطيعون يؤشرون له ولا يستطيعون أن ينبوه فرأوا الأتن فضحكوا فانتبه أبو قتادة ولم يقصدوا تنبيهه فانتبه فحمل على أتان منها فعقرها فلما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام : [ هل أحد منكم أعانه ] ، ولذلك سقط قوسه رضي الله عنه وأرضاه فلم يناوله أحد فنزل وأخذه قال : [ هل أحد منكم أعانه قالوا : لا ، قال : هل أحد منكم أشار إليه قالوا : لا ، قال : كلوا وأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ] فهذا يدل على أن أتان الحمر الوحشية والحمار الوحش عموماً أنثى وذكر يجوز أكله وأنه مباح وهذا قول جماهير أهل العلم رحمهم الله سلفاً وخلفاً لثبوت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهذا فرقت فيه الشريعة في الشيء الواحد بين نوعيه والشريعة تجمع بين المتفرقات وتفرق بين المجتمعات والله يحكم ولا معقب لحكمه ، ومن هنا أحل الله الوحش وحرم المستأنس من الحمر .

قال رحمه الله : (والبقر) البقر بقر الوحش لأن البقر المستأنس تقدم معنا والوحشي من الحمر والبقر فبقر الوحش معروف أيضاً ويجوز أكله ويدخل في ذلك الثيتل والوعل والأيِّل كل هذه يجوز أكلها وهي من الصيد الذي حرمه الله عز وجل على المحرم والإجماع منعقد على حلها وجواز أكلها .

قال رحمه الله: (والظباء) الظباء وهي المعروفة ، الظباء والغزال والريم كل هذه جائزة وتيس الجبل كل هذا جائز يعني الحيوانات المتوحشة في البراري من هذه الأنواع كلها جائزة ومباحة .

قال رحمه الله: (والنعامة) وهي الحيوان المعروف يجوز أكلها ويكاد يكون كالإجماع أنه لا بأس بأكل النعامة وأنها جائزة .

قال رحمه الله: (والأرنب) الأرنب يجوز أكله وهذا هو قول جماهير السلف والخلف يحكى عن بعض السلف كراهية أكل الأرنب ، والصحيح أنه جائز ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: [ أنْفَجْنا أرنباً بمر الظهرن ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ الحديث في الصحيح ـ قال فعدوا أي جروا وراء الأرنب فلَغبُوا ـ يعني الصحابة ـ فأدركته فأخذته ـ وكان أنس صغير السن فعدا حتى أمسك الأرنب ـ فجئت به إلى أبي طلحة رضي الله عنه وأرضاه ـ وهو زوج أمه ـ فقام أبو طلحة رضي الله عنه وطبخه وشواه وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم إليه فَخذَيْ الأرنب ] وهذا يدل على جواز أكل الأرانب وأنه لا بأس بها خلافاً لمن كرهها ، ولكن الصحيح أنها جائزة ومباحة .

قال رحمه الله: (وسائر الوحش) وسائر الوحش أي يجوز أكله سواءاً كان من الطير كالحباري والقماري وجميع أصناف الطيور العصافير بأنواعها وكذلك أيضاً المتوحش من الدواب مما لم يذكره المصنف رحمه الله ، الأصل يقتضي حلها وجوازها لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم هذه الأشياء فتبقى على الإذن بأكلها وأنها مباحة فهي طاهرة ولا ضرر في أكلها وقد قلنا إن الطاهر الذي لا ضرر فيه يعتبر طيباً وقد قال الله تعالى : ( أحل لكم الطيبات) وهذا من الطيبات فجميع هذه الأشياء البرية يجوز أكلها من المتوحشات ، يدخل في المتوحشات الضب فالضب يعتبر مباحاً وكرهه بعض السلف بل بعضهم جعل الكراهة تحريمية وهو مذهب بعض العلماء عند الحنفية رحمهم الله قول بتحريمه قالوا : لأن الضب مسخ وقد جاء في حديث عبدالرحمن بن حسنة أنهم نزلوا بأرض كثيرة الضب وأصابهم جوع فأخذوا من الضب وطبخوه حتى غلت بها القدور فمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : [ إن أمة من بني إسرائيل مسخت فلا أدري لعله أن يكونها ـ يعني أن تكون هذه الأمة الضب ] وهذا الحديث فيه ضعف ودلت السنة الصحيحة على إذن النبي صلى الله عليه وسلم بأكله وجاء حتى في بعض الأحاديث في نفس القصة التي احتجوا بها مع الضعف ما يدل على إذن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصحابي قال: [ فلم ينهنا ولم يأكل منه ] فكونه لم ينه يدل على أنه مباح لأنه لا يمكن أن يسكت على محرم صلوات الله وسلامه عليه ولذلك أمر بإكفاء القدور من الحمر الأهلية فلو كان الضب محرماً لأمرهم بإكفاء القدور ، فالشاهد أن هذا الحديث لا يقوى على معارضة ما هو أصح منه فقد ثبت في الصحيح من حديث عمر رضي الله عنه في قصة خالد بن الوليد وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرب إليه ضب وأراد أن يأكله قالت بعض النساء من أمهات المؤمنين : إنه ضب فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده فقالوا يا رسول الله : أحرام هو ؟ قال : [ إنه ليس بأرض قومي وأجدني أعافه ] فأخذه خالد رضي الله عنه وأكل منه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على الأكل منه فلو كان حراماً لم يقره على ذلك .

والأحاديث التي يستدل بها الحنفية على التحريم ضعيفة ولذلك استدلوا بحديث ذكره الطحاوي في كتابه فيه أنه [ أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضب فامتنع من أكله وكرهه فقام سائل بالباب فقامت عائشة تريد أن تعطيه إياه فقال صلى الله عليه وسلم : أتعطيها ما لا تأكلين ] وهذا حديث ضعيف الإسناد أيضاً .

والأحاديث الدالة على الجواز أصح وأقوى ، ولذلك الأشبه جواز الضب وحل أكله وهو من الدواب المتوحشة ، ويقولون هو لا يشرب الماء ولا يبول إلا كل أربعين يوماً قطرة فيما ذكرت بعض كتب الأدب في صفته  ، وبالمناسبة في كتب الأدب كحياة الحيوان ونهاية الأرب وصبح الأعشى للقلقشندي ونحوها من الكتب المعروفة في الأدب ذكرت بعض الطبائع وبعض الخصائص في هذه الحيوانات والعجائب مما لو تفكر فيه الإنسان ونظر يزداد إيماناً بالله عز وجل وقد أمر الله بالنظر في خلقته خاصة في الحيوانات فقال :  ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) فخلق الدواب وأشكالها وطبائعها والإخبار عن صفاتها فيه آية عظيمة فحبذا لو يستفيد طالب العلم إنْ وَسع وقته بالإطلاع على هذه الكتب وذكروا في الضب خصائص عجيبة ، وعلى كل حال هو من المتوحش والصحيح جوازه وهو مذهب الجمهور .

قال رحمه الله: (ويباح حيوان البحر كله) أي ويجوز للمسلم أن يأكل حيوان البحر وحيوان البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء سواءاً كان في البحر أو كان في النهر أو كان في البئر أو كان في العين أو كان في المستنقع فحيوان البحر يشمل جميع ما يعيش في هذه المياه بغض النظر عن كونها مالحة أو حلوة وبغض النظر عن كونها بحاراً أو أنهاراً أو آباراً أو عيوناً أو مستنقعات ، فيجوز أكل هذا الحيوان إلا إذا دل الدليل على التحريم والأصل يقتضي حله وجوازه .

لما بيّن لنا رحمه الله أحكام حيوان البر شرع في بيان أحكام حيوان البحر والأصل في حله قول الحق تبارك وتعالى : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ) وقال تعالى: ( وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها ) فامتن الله عزوجل على عباده بالأكل من حيوان البحر ولم يفرق بين المالح والحلو لأن هناك حيوانات في الأنهار العذبة وهناك حيوانات مائية في الأنهار المالحة والأجاج فجعل الحكم كونه حيوان ماء .

والضابط عند العلماء في حيوان الماء هذا الذي هو الأصل هو الذي لا يعيش إلا في الماء بحيث لو خرج عن الماء مات ، يغتفر بعض العلماء الخروج اليسير والعود إذا لم يؤثر عليه لكن حياته وتكاثره ووجوده في الماء ، ومن الأمور العجيبة أنهم ذكروا أن ما في البحر من الحيوانات أضعاف أضعاف ما في البر وما أحل الله عزوجل على هذا من حيوان البحر أضعاف ما أحل من حيوان البر وهذا ذكره غير واحد من أهل العلم ومن أهل الخبرة وذكروا أن في البحر عجائب من المخلوقات وحتى قالوا : لا يوجد شيء في البر إلا وله نظير في البحر حتى قالوا : إنسان الماء المعروف بـ (سيرين) باللغة الغير العربية والبعض يشكك في هذا وعلى كل حال ذكر الفقهاء هذا وأسندوا حكمهم إلى ما نقل إليهم من أهل الخبرة وتسميته إنسان ليس المراد به أنه مكلف إنما المراد به الشبهية وأعلاه يكون شبه بالإنسان وأسفله كالسمك في آخره وذيله وأياً ما كان سواء كان موجوداً أو غير موجود لكن هذا مما ذكروه أنه يوجد كل شيء حتى شبيه الإنسان مما ذكروه ، فالمقصود من هذا أن حيوانات البحر أكثر والأصل في جوازها دليل الكتاب كما ذكرنا ودليل السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجة والترمذي وصححه البخاري وغيره رحمة الله على الجميع أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله السائل فقال : [ يا رسول الله إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء إنْ توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال صلى الله عليه وسلم : [ هو الطهور ماؤه الحل ميتته ]  فقال صلى الله عليه وسلم [ الحل ميتته ] فأحل لنا ميتة البحر وقد ذهب جماهير السلف والخلف رحمهم الله والأئمة إلى حل وإباحة أكل حيوان البحر من حيث الجملة فيشمل هذا السمك وغير السمك فإنه يجوز أكله إلا إذا وجد الدليل الذي يدل على الحرمة كما في التمساح فإنه من العاديات والضفدع لأنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكلها ونحو ذلك مما يستثنى مما فيه ضرر كالسمك السام وحية الماء للإستخباث ونحو ذلك ، أما من حيث الأصل حل أكل حيوان البحر الذي لا يعيش إلا في الماء حتى يدل الدليل على التحريم ، وذهب فقهاء الحنفية رحمهم الله أو في مذهب الإمام أبي حنيفة أنه لا يحل لنا إلا السمك وأما ما عداه ليس بحلال واختلفوا في نوعين أحدهما يسمى بالجريث والثاني يسمى المارماهي أما الجريث فهو السمك المدور كالترس معروف والمارماهي أشبه بالحية نوع من الأسماك فيه طول ، واختلف في هذين النوعين عند الحنفية فعن الإمام محمد من أصحاب أبي حنيفة التحريم وشهر بعضهم في المذهب القول بالجواز والسمك عندهم يستوي أن يكون له قشر ما يسمى بسمك الفلوس أو لا قشر له فكله جائز في المذهب وحرموا أكل ماعدا ذلك .

وظاهر الكتاب والسنة يقتضي قوة القول الذي يقول بحل حيوان البحر حتى يدل الدليل على التحريم وهو مذهب الجمهور وذلك لأن الله عزوجل قال: ( أحل لكم صيد البحر ) ولم يفرق بين السمك وغيره وإلا كان خصص فقال تعالى (أحل لكم سمك البحر ) ولكنه قال: ( أحل لكم صيد البحر ) وهذا فيه عموم يشمل ما كان من السمك والحوت وسرطان الماء وغير ذلك من الموجودات في البحر ، وكذلك السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ الحل ميتته] ما قال : الحل سمكه أو ميتة سمكه ونحو ذلك ، وأيضاً ظاهر الأدلة يدل على رجحان مذهب الجمهور بجواز أكل ما في البحر إلا إذا وجدت صفة تقتضي التحريم أو وجد نص يدل على عدم الجواز ، وعند الحنفية رحمهم الله لا يحلون أكل السمك إلا إذا صيد أو مات بسبب أما إذا مات حتف نفسه وطفى على الماء فلا يباح عندهم وهذه المسألة تعرف بمسألة السمك الطافي فقالوا بعدم جوازه واختلفوا إذا مات بشدة برد الماء أو بشدة حره هل يلحق بالطافي أو لا يلحق ؟ فمنهم من قال: أنه يلحق بالطافي لأن موت السمك بشدة البرد والحر ليس بسبب غالب ، ولذلك يكون كالميت حتف نفسه ، ومنهم من يقول: أنه يأخذ حكم السبب لأنه لم يمت حتف نفسه فالشاهد أنهم منعوا من أكل السمك إذا طفى لكن عندهم لو جزر البحر عن السمك جئت على الساحل فوجدت السمك ميتاً جزر عنه البحر لأن البحر يمد ويجزر فإذا مد قذف بالسمك ثم يجزر فيبقى السمك على الشاطئ ويموت ، فهذا الذي جزر عنه البحر جائز عند الجميع بشرط ألا يتفسخ وألا ينتن فإذا تفسخ وأنتن فإنه لا يجوز أكله ، أما بالنسبة للجمهور فإنهم يجيزون أكل السمك والحوت سواءاً كان مات حتف نفسه أو مات بفعل الآدمي مثلاً صاده بشبكة أو صنارة أو بالضرب تحت الماء حتى قتله أو أخذه وأخرجه من الماء ثم قتله أو أخذه وأخرجه من الماء فمات بعدم وجود الماء كل هذا جائز.

واستدل الحنفية على التحريم بحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ وأما ما طفى فلا تأكلوه ] أي: ما كان من السمك طافياً فلا تأكلوه وهذا الحديث ضعيف حتى قال بعض أئمة الحديث باتفاق المحدثين على أنه ضعيف السند مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويروى عن بعض الصحابة آثار في هذا كابن عباس وجابر رضي الله عنهما .

واستدل الجمهور بعموم قوله عليه الصلاة والسلام [ هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين الميتة بالطفو ميتة بنفسها ثم طفت وبين كون السمك يموت بالصيد أو بفعل الآدمي وهذا هو الراجح:

أولاً : لصحة دلالة السنة .

وثانياً : أن الحديث الذي استدل به على التحريم لا يقوى لضعفه وعدم صحة إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن هنا نقول : يجوز أكل السمك الطافي بشرط ألا يكون فيه ضرر فإذا كان متفسخاً أو قال الأطباء إن فيه ضرراً فلا يجوز كما يحدث في بعض الأحيان توجد بعض السمومات والمواد الكيماوية أو المواد البترولية في البحر فتقتل السمك فيه فيطفو .

وفي حيوان الماء عموم في السنة في الجواز فنقول بحله سواءاً كان من السمك بأنواعه المختلفة والحوت بأنواعه المختلفة وسواءاً كان من صغاره أو كباره ولو أكلت السمكة الكبيرة الصغير من السمك فوجد في بطنها ميتاً كما لو صاد حوتاً فوجد في بطنه عدد من الأسماك جاز له أكل الحوت وأكل السمك الذي بباطنه حتى عند الحنفية وجه أنه لو أكل السمك الكبير السمك الصغير جاز أكل الإثنين وهذا مما يختلف وفيه تفصيل وخلاف يذكره بعض العلماء في الفروق بين حيوان البر والبحر ، ولذلك اختلف في الجنين هل ذكاة الجنين ذكاة أمه هذا سيأتينا إن شاء الله في باب الذكاة وأياً ما كان فإنه يجوز أكل السمك في جميع أنواعه بهذه الأحوال والصور ما لم يكن فيه ضرر وهناك نوع من السمك وهو النوع السام السمك السام فحرمته من جهة وجود الضرر والعبرة في الحكم بضرر السمك وبضرر الطعام بالرجوع إلى أهل الخبرة إذا قرر أهل الخبرة أنه ضار فهو ضار ويحرم أكله فإذا قرروا أنه غير ضار جاز أكله .

قال رحمه الله: ( إلا الضفدع) فإنه لا يجوز أكله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله ، والنهي ثابت عنه عليه الصلاة والسلام قيل لأنه يسبح ونقيقه تسبيح والله أعلم بالعلة لكن أياً ما كان السنة دالة على عدم جواز قتل الضفدع فإذا حرم قتله دل على عدم جواز أكله لأنه إذا نهي عن قتله لفسقه أو نهي عن قتله لسبب خاص دل هذا على عدم جوازه كالنمل والنحل والصرد والهدهد ، هذه الأربع ثبت عن النبي صلى الله عليه سلم أنه نهى عنها وقد يكون السبب في النهي الخبث كما في أمره بقتل الدابة كما في الفواسق ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : عجبت ممن يأكل الغراب وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وسماه فاسقاً ، يعني كيف يقتل وهذا من فقهها رضي عنها كانت فقيهة عالمة رضي الله عنها وأرضاها فجعلت خبثه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ووصفه بالفسق موجباً لعدم جواز أكله وعلى كل حال فإنه لا يجوز أكل الضفدع والنهي مبني على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله فنركب من النهي عن القتل أو نأخذ منه دليلاً على التحريم لأنه لا يمكن أن يأكله حتى يقتله فلما نهي عن قتله دل على حرمة أكله لأنه لا يمكن أن يأكله حتى يقتله ، وعلى هذا أخذ العلماء الجمهور رحمهم الله أخذوا منه دليلاً على عدم جواز قتل الضفادع وأكلها.

قال رحمه الله: (والتمساح) التمساح لأنه من العاديات قد بينا أن العاديات فيها ضرر وهو في الحقيقة تمساح برمائي وإن كان كثير وجوده في الماء وله كلب وله عدو ويأكل الآدمي أيضاً ويعدو عليه ، وعلى كل حال لا يجوز أكله في قول جمهور العلماء رحمهم الله .

قال رحمه الله: (والحية) الحية: حية الماء ، أما حية البر فقد تقدمت ، وهناك أنواع عديدة من حيات الماء وفيها استخباث وفيها ضرر أيضاً فلا يجوز أكل الحية سواءاً كانت برية أو بحرية وأخذوا هذا وانتزعوه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها وقالوا لأن فيها الخبث يعني حية الماء فيها خبث المطعم ، ومن أهل العلم من أجاز أكلها لعموم قوله عليه الصلاة والسلام [ الحل ميتته ] وهذا يشملها جميعاً.

قال رحمه الله تعالى: ( ومن اضطر إلى محرم غير السم حل له منه ما يسد رمقه) فقد شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان أحكام المستثنيات من الأصول وقد تقدم معنا أن الفقهاء رحمهم الله اعتنوا في المادة الفقهية ببيان أصول الأبواب ومستثنياتها وبينّا أن الأصول تحتاج إلى أحكام وأدلة وأنه إذا قرر طالب العلم الأصل في الباب وضبطه انتقل إلى المستثنيات وهي الأمور التي استثناها الشرع لأسباب خاصة أو عامة فيضبط هذه المستثنيات مع أدلتها وأمثلتها وأحكامها المتعلقة بها وبهذا يكمل طالب العلم ما يتعلق بأبواب الفقه فهو رحمه الله ذكر لنا الأصول في الأطعمة على اختلاف أنواعها برية كانت أو بحرية وفصّل رحمه الله في هذه الأصول وذكرنا أحكامها ومسائلها وأدلتها بما يسره الله ، بعد هذا يرد السؤال إذا حصلت الضرورة للإنسان وأصبح مضطراً إلى أكل هذا الشيء المحرم فهل يباح هذا المحرم أو لا يباح ؟

ومسائل الاضطرار مسائل عظيمة ولذلك تعتبر من أهم المسائل الفقهية لأن النازلة بها عظيمة وحاجة الناس فيها شديدة وهي ضرورات عامة وضرورات خاصة .

فالضرورات العامة تتعلق بالجماعات والضرورات الخاصة تتعلق بالأفراد ، ومن هنا شرع المصنف رحمه الله في أحكام المضطر فقال رحمه الله ( ومن اضطر ) فالضرورة اسم من الإضطرار ، وأصل الاضطرار: الإلجاء يقال: اضطره إلى كذا إذا ألجاه إليه وأحوجه إليه ،

وأما في اصطلاح العلماء رحمهم الله فحالة الضرورة عند أهل العلم لا تكون إلا في أحد موضعين :

الموضع الأول: أن يخاف الإنسان على نفسه الهلاك .

والموضع الثاني: أن يخاف على عضو من أعضائه التلف .

فإذا خشي الإنسان على نفسه أو على عضو من أعضائه أو على أعضاء من جسده فإنه مضطر وحينئذ تكون الضرورة في أقصى وأعلى مراتب الشدة ويكون الإنسان فيها في ضنك وحرج حتى إنه يخاف الموت ، وهذا الخوف من الموت والخوف من تلف العضو أو الأعضاء إنما هو على احدى صورتين:

إما أن يخاف خوفاً قطعياً لاشك فيه ولا مرية بحيث يجزم مائة في المائة أنه لو لم يأكل هذا الطعام المحرم أنه سيموت وحينئذ عنده يقين أنه مشرف على الهلاك وأنه سيموت لا محالة ، وإما أن يكون الخوف خوفاً بغالب الظن فيحسب ويقدر ويحسن النظر فيجد أن غالب الظن وغالب الحساب في فكره ونظره أنه سيموت سواءاً جزم و أصبح ليس لديه شك أو غلب على ظنه بوجود الأمارات والدلائل فإن حكمه واحد فالمقرر عند أهل الخبرة أن الإنسان يصبر عن الطعام ما بين اليومين إلى الثلاث وهذا في غالب الناس وأنه إذا بلغ الثلاث قد يموت في اليوم الثالث وبالكثير إذا جاوزه هلك ، هذا في غالب الناس وإلا قد يصبر بعض الناس أكثر من ثلاثة أيام وقد يموت بعض الناس من اليوم الواحد أو اليومين لكنه هو بحكمه بوضعه فحاله في الحر ليس كحاله في البر وحاله حينما يكون في السفر ليس كحاله في الحضر وجوعه في كل هذه الأحوال مختلف والتقادير والعلامات والدلائل والظنون تختلف قوة وضعفاً بحسب اختلاف هذه الأحوال ، فالشريعة من يسر الله على عباده لا تطالب المكلف أن يجزم مائة بالمائة بل إنها تسامحت إلى درجة غلبه الظن فهو بينه وبين الله إذا حدثته نفسه وصدق نفسه بالأمارات والدلائل أن غالب ظنه أنه سيموت وهو أعرف بنفسه أباح لنفسه المحرم على التفصيل الذي سنذكره .

إذاً حالة الضرورة هي الخوف على النفس أو الخوف على الأعضاء ، ومن هنا يكون الإنسان في مشقة .

والمشقة في الأصل تنقسم إلى قسمين:

إما أن تكون مشقةً مقدوراً عليها وإما أن تكون مشقةً غير مقدور عليها .

فإن كانت مشقة غير مقدور عليها ومستحيلة على الإنسان فإنه لا يكلف بها إجماعاً وهذه هي مشقة المضطر فإنه لا يمكنه أن يبقى بدون أكل بعد أن وصل إلى غالب ظنه بالهلاك فلو قلنا له اصبر فإننا نحمله ما لا يطيق وحينئذ يكون لها حكم بإسقاط التكليف فهذه المرتبة وهي المشقة غير المقدور عليها لا يكلف بها ، وقد تكون مستحيلة في حق العبد مثل أن نطالب الشخص بالقيام وهو مشلول لا يستطيع أن يقوم فنقول أن القيام قد سقط عنه وسقط عنه التكليف فيصلي على كرسيه أو يصلي وهو جالس لأنه لا يمكنه أن يقوم بما أمره الله عزوجل به من القيام فهي مشقة غير مقدور عليها .

وتكون المشقة وهو النوع الثاني: مقدوراً عليها يعني يقدر الإنسان عليها ولكنها تنقسم إلى ضربين أيضاً:

الضرب الأول: أن يجد الإنسان الحرج والضيق فهو يقدر على فعل الشيء ولكنه يصل به الأمر إلى الحرج والضيق والتعب ولكنه لا يموت ولا يهلك هذا نوع .

والضرب الثاني: مشقة مقدور عليها دون أن تصل إلى درجة الحرج فإذاً إذا كانت المشقة المقدور عليها تصل بالإنسان إلى الحرج والضيق مثلاً في حال الصوم في السفر فإن المسافر إذا خرج وأسفر عن بلده وأمرناه بالصوم يمكنه أن يصوم ولكن عناء السفر ومشقة السفر وهذا في غالب الأسفار وغالب الدهور والعصور فالشريعة لا تنظر إلى زماننا أو زمان دون زمان ،ولذلك لا يأتي أحد ويقول: والله الآن أصبحت السيارات والطائرات نلغي هذا الحكم نقول : لا ، لأنها تنظر إلى الغالب كما أن لمس المرأة حرام ولو كانت عجوزاً لا تشتهى نقول إنها نظرت إلى غالب النساء نظرت إلى غالب الإنسان في طبيعته وفطرته وشهوته ، والخلوة بالأجنبية محرمة فلو كان يجزم أو يغلب على ظنه أنه لن يقع معها في الحرام نقول: حرام عليك ، لأن النظر للغالب فالسفر في غالبه عناء ومشقة وإذا أمرنا الإنسان في سفره أن يصوم سيصوم ولكنه سيجد نوعاً من الثقل والعناء والمشقة هذا في غالب السفر هذا النوع من المشقة الذي يصل إلى الحرج وإلى العناء والمشقة يسميه العلماء مقام الحاجة هذا النوع يسمى بالحاجيات والحاجيات يخير فيها المكلف بين أن يفعل وبين أن لا يفعل .

فالنوع الأول الذي يصل به إلى خوف على نفسه وعلى أعضائه هذا ضرورة ويسقط فيها التكليف ، والنوع الثاني الذي يصل به إلى الحرج مريض مثلاً أردنا أن نبتر عضواً من أعضائه أو أردنا أن نقلع منه ضرساً والألم شديد وهو يمكنه أن يصبر على الألم ولكنه لا يمكنه أن تقوم هذه العملية إلا بمعاناة هذا الألم فيصل إلى حرج وضيق والله يقول: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) يعني ليس في تشريعات الدين الحرج فلو قلنا له : يجب عليك أن تصبر ولا نعطيك مخدر ولا نعطيك المخدر المحرم فإننا نحرجه ونوقعه في الحرج وهذا الحكم أفضى إلى حرج وقد بين الله أن أحكام الشريعة لا تفض إلى الحرج فحينئذ نخيره نقول له : إن شئت أخذت بالرخصة وأخذت ما يخفف عنك الألم وقلع منك الضرس وإن شئت صبرت فهو مخير ، كما أن المسافر في السفر مخير بين أن يفطر وبين أن يصوم ، هذه في حالة وجود الحرج والضيق ومن أمثلتها المرأة إذا كانت مريضة وعندها ألم شديد والمرض الذي معها ليس بمرض يخشى منه الموت ولكنه مرض مزعج مقلع ولا يوجد إلا رجل طبيب فهذا أعني الرجل محرم عليه أن يلمس المرأة الأجنبية محرم عليه أن ينظر إلى بدنها فإذا كانت مريضة ولا يوجد إلا هذا الطبيب إن قلنا يحرم للرجل أن يلمس المرأة وأن ينظر إلى المرأة فإننا سنوقع هذه المرأة في الحرج ولا توجد إمرأة فحينئذ ستقع المرأة في الحرج والضيق بصبرها على هذا الألم فنقول لها: إن شئت تداويت وإن شئت صبرت فتخير أو يخير المكلف في الحاجة بين أن يفعل وبين أن لا يفعل ، ولا نلزمه بأصل الشرع يعني لا نلزمه نقول له: إنه يجب عليك أن تصبر وإنما يخير بين الفعل والترك ، وهذا المقام يسميه العلماء مقام الحاجة ، وفي مقام الحاجة تستباح الرخص كالضرورة ولذلك القاعدة عند العلماء تقول[ الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة ] إذاً عندنا نوعان:

النوع الأول : ضرورة .

النوع الثاني : حاجة .

أما الضرورة فقد دلت أدلة الكتاب والسنة على اعتبارها وسنبينها والحاجة دلت أيضاً أدلة الكتاب على اعتبارها وجوازها وكذلك أدلة السنة والإجماع على اعتبار أحكام الضرورة والحاجة .

بقي النوع الثالث من المشقات وهو المشقة المقدور عليها التي لا تصل بالإنسان إلى الحرج ولا إلى العنت ولا إلى الضيق فإنه يكلف بها إجماعاً مثلاً الإنسان يخرج من بيته يؤذن عليه أذان الفجر فيجب عليه أن يقوم من فراشه وأن يغتسل إذا كانت عليه جنابة وأن يتوضأ إذا لم يكن جنباً وأن يخرج إلى الجماعة وأن يصلي مع الجماعة فهذا فيه مشقة ، ولكن هذه المشقة مقدور عليها وحينئذ يكلف بها .

ما دليلنا على أن هذه المشقات يكلف بها ؟

قوله عليه الصلاة والسلام ( حفت الجنة بالمكاره ) فلما قال: حفت الجنة بالمكاره دل على أنه لا يمكن أن يعرف المطيع من العاصي ولا البر من الفاجر إلا بهذه المكاره يبتلى بها الناس ومن هنا قال تعالى : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) فقال: لا يكلف والتكليف من الكلفة لكنه قال: ( إلا وسعها ) معناها كلفة في الوسع والقدرة، إذاً عندنا ثلاثة أنواع : النوع الأول: الضرورة ، ودليلها قوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) وقال في الآية الثانية (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ربك غفور رحيم ) وقال تعالى : ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) فهذه النصوص واضحة في الدلالة على استثناء حالة الضرورة وأيضاً صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل لما أتاه عليه الصلاة والسلام وهذا الرجل جاءه رجل وقال له : قد ضاعت ناقتي فإن وجدتها فأمسكها فوجد الناقة فأمسكها وكان الرجل يسكن بظاهر المدينة وليس عنده شيء فقير فلما أمسك الناقة ما عنده شيء يطعمها وليس هناك أكل هزلت الناقة ومرضت وأشفت على الهلاك فأشارت عليه زوجته وقالت له : انحرها فاستحيا فماتت الناقة ، فلما ماتت قالت له : اسلخها ولنأخذ من شحمها ونقدده فامتنع قال: حتى أسال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: هل عندك من غنىً قال : لا، قال : فشأنك بها ] فأحلّها النبي صلى الله  عليه وسلم له متى ؟ حينما أخبر أنه ليس عنده من شيء وقد كانت الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تمر عليهم أياماً من الشدة حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ربط الحجر والحجرين على بطنه صلوات الله عليه وسلامه من الشدة ، فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر حالته حالة ضرورة وأحل له أكل الميتة لأن الناقة ميتة ، كذلك أيضاً  أجمع العلماء رحمهم الله على اعتبار الضرورة ولذلك من قواعد الشريعة الإسلامية التي أُجمع عليها [ الضرورات تبيح المحظورات ] فهذه القاعدة مفرعة على قاعدة [الضررُ يُزال] فمن السنن والأحكام في الشريعة أن الله أزال الضرر عن عباده وتفرع من ذلك القاعدة  المجمع عليها [ الضرورات تبيح المحظورات ] هذا مقام الضرورة .

مقام الحاجة الذي قلنا يصل الإنسان فيه إلى الحرج وإلى الضيق وإلى العنت دلت عليه الأدلة أيضاً فإن الله تعالى يقول : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقال سبحانه وتعالى: ( يريد أن يخفف عنكم ) وقال سبحانه: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقال سبحانه وتعالى: ( وما جعل عليكم في الدين حرج ) فهذه الآيات تدل على أنه ليس من شرع الله ولا من دين الله أن يصل المكلف إلى الحرج والعنت بالحكم في الشريعة ، ومن هنا قالوا أنه إذا وصل إلى الحرج رخص له وخير بين الترك والفعل ولا يلزم وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشتكى إليه عمران رضي الله عنه وأرضاه واشتكى إليه البواسير أنها تؤلمه وتؤذيه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم [ صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ] وفي بعض الروايات : [ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ] والأصول دالة على اعتبار الحاجيات ، ومن هنا كانت القاعدة     [ الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة ] .

أما مسألة المشقات المقدور عليها والتي لا تصل إلى الضرورة ولا تصل إلى الحاجة فهذه لا إشكال فيها ومن هنا المشقة من حيث هي : هي التي تظهر المطيع من العاصي وتظهر تسليم العبد ولذلك وصفت تكاليف الشريعة بكونها بلاءاً ، ومن هنا قال تعالى :          ( ليبلوكم ) أي : ليختبركم ( ليبلوكم أحسن عملاً ) وهذا يدل على أن هناك ابتلاء واختبار ولا ابتلاء إلا بالمشقة وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام [حفت الجنة بالمكاره] والمكاره تكون في النفس وتكون في المال وتكون في الأهل وتكون في الولد وفي أوامر الشريعة ونواهيها فيؤمر العبد بشيء وفيه مشقة عليه ولكنه قادر لا حرج ولا ضرورة عليه وكذلك ينهى عن الشيء وهو قادر على تركه دون حرج ودون ضرورة ، إذا ثبت هذا فالمصنف رحمه الله بيّن أن (من اضطر إلى محرم) جاء بصيغة عامة لأن مسألة الضرورة في الأصل لا تتقيد بالأطعمة فقد تكون الضرورة في المأكولات وقد تكون الحاجة في المأكولات وقد تكون الضرورة في الملبوسات وقد تكون الحاجة في الملبوسات وقد تكون الضرورة في الأموال وقد تكون الحاجة في الأموال إذاً الضرورة والحاجة لا تتقيد بالأكل ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الحاجة حتى في اللباس فقد رخص لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه رخص له أن يلبس ثوب الحرير لماذا ؟ لأن عنده الحكة وهذه حاجة فرخص له في المحرم وهو ثوب الحرير وهو محرم على الرجل ، ولكنه لما حصل عنده الحكة والإزعاج والقلق الذي لا يصل به إلى الخوف على النفس ولا يخاف على أعضائه ولكنه يصل إلى درجة الحرج فرخص له في المحرم فهذا يدل على أن الضرورات والحاجة من حيث الأصل يرخص فيها على حسب الأحوال وقد تكون في التداوي فقال رحمه الله (ومن اضطر إلى محرم غير السم حل له) .

قال رحمه الله : (من اضطر إلى محرم) ، الضرورة تكون عامة مستصحبة للإنسان في الزمان والوقت بحيث يطول وقتها ولا يقصر وقد تكون نادرة مؤقتة محددة .

أما الضرورة التي تكون عامة فمن أمثلتها أن يصيب الناس قحط أو تصيبهم مجاعة أو تصيبهم حروب ولا يجدون الطعام فالضرر هنا عام والضرورة عامة ليست متعلقة بشخص واحد .

ثانياً: أن هذه الضرورة ليست ضرورة يوم أو يومين بل قد تستمر أياماً وقد تجلس أسابيع وقد تجلس شهوراً فهذه لها حكم وقد تكون الضرورة خاصة ، ضرورة خاصة تكون للشخص نفسه مثلاً يسقط في بئر وليس عنده أحد ولا يسمعه أحد ولا يجد من ينقذه وعنده ميتة أو عنده شيء محرم يريد أن ينقذ نفسه به هذا خاص ثم هذا الخصوص الطاريء عليه ليس بباق أيام ربما أنه بعد ساعة يحضر أحد وينقذه بإذن الله عز وجل وربما يجلس اليوم واليومين فهي ليست كالمصائب العامة ولذلك المصائب العامة تكون لها أحكام الضرورة ، ومن هنا لم يقطع عمر رضي الله عنه يد السارق في عام الرمادة وهذا العام أصاب الناس فيه قحط شديد في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأصابتهم مجاعة شديدة فكان إذا أتي بالسارق لم يقطع يده لأن الناس اضطروا إلى هذا الأمر وأصبح ضرراً عاماً فمن هنا أسقط التكليف ، وقد تقدم هذا في باب السرقة ، وهذا من سماحة الشريعة فتكون الضرورات عامة وأيضاً من فوائد هذا التقسيم أن الضرورات العامة والخاصة سيأتينا في مسألة سد الرمق فالمصنف يقول حل له ما يسد به رمقه هذا محله في الضرورة الخاصة .

أما الضرورة العامة لو أصابت الناس مجاعة أو أصابهم قحط شديد ولم يجدوا إلا الميتات فإنهم يأكلون يعني إلى الشبع ولا يتقيدون بسد الرمق وهذا حرره الإمام ابن قدامة وكذلك القرطبي في التفسير وغيرهم من المحققين قالوا: لو قلنا للناس في هذه الأزمنة أن يأكلوا على قدر سد الرمق خارت قواهم وتلف الجسد لأنه إذا أكل الإنسان على سد الرمق هذه ضرورة قد تجلس شهوراً فإذا جلس يأكل على سد الرمق انهارت قواه وحصل له من العنت و المشقة ما لا يخفى .

فمن هنا تختلف عن الضرورة الخاصة ففي الضرورة الخاصة يأكل بقدر سد رمقه لكن في الضرورة العامة له أن يأكل إلى حد الشبع ومباح له ذلك هذا بالنسبة لمسألة أحوال الضرورة .

ثم إن الله عز وجل لما أباح للمضطر أن يأكل المحرم كالميتة فإن هذه الإباحة اختلف العلماء رحمهم الله فيها على وجهين:

فكلهم متفقون على أن الميتات خبيثة وأنها من الخبائث وأن الله ما حرم الميتة إلا لعظيم ما فيها من البلاء والضرر والمفاسد على أبدان الناس وصحتهم المفاسد الروحية والحسية فالإشكال إذا كانت الشريعة جاءت بالخير والمصلحة للناس فكيف تبيح لهم الميتة وتبيح لهم عند الضرورة أكل الميتات والميتات فيها مفاسد وفيها أضرار فاختلف العلماء على قولين:

قال بعض العلماء : حل الميتة للمضطر لا يزيل وصف الخبث عن الميتة فهي خبيثة.

وقال بعض العلماء : إن وصف الخبث إنما هو وصف يعني لعارض ولا يبقى على تفصيل سنذكره أو لأسباب سنذكرها في الميتة إذا أكلها الإنسان في حال الإضطرار ففرّق بين الميتة خبيثة حال الإختيار وبين حالها حال الإضطرار .

أما الذين يقولون: إنها خبيثة وأبيحت وإذا أكلها في حال الضرورة لا تزال خبيثة قالوا الحكمة في ذلك : أنه من باب ارتكاب أخف الضررين فالإنسان ستتلف نفسه وسيهلك وهذه مفسدة أعظم من مفسدة خبث الميتة ، ومن هنا راعت الشريعة ارتكاب أخف الضررين هذا الوجه الأول .

والوجه الثاني: يقول إن الميتة إذا أكلها الإنسان حال الضرورة والمخمصة والشدة والجوع يزول عنها وصف الخبث حتى قرر هذا الإمام ابن القيم رحمه الله وانتصر له وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح كلاماً عجيباً عن بعض الأطباء فالإمام ابن القيم يقول: إن وصف الخبث قد يزول وأنه مصاحب للميتة في الإختيار ولكن إذا أكل منها حال الإضطرار لا يمكن أن تكون خبيثة والإمام ابن حجر ينقل عن بعض الأطباء والحكماء أنهم قالوا: في الميتة سم وخبث وهذه المادة السمية قوية جداً ولذلك تضر بالإنسان ولكن الجسم إذا وصل إلى مقام المخمصة والجوع الشديد توجد في البدن إفرازات وسميات هي أقوى من سم الميتة وحينئذ تغالبها ومن هنا لا يمكن أن يكون هناك الضرر الذي يمكن أن يكون في حال الإختيار وهذا كما قال الحافظ ابن حجر إن صح وثبت فإنه حسن ويحسم الأمر يعني يجلي الأمر ويحسمه ، وعلى هذا فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن عباده وقد ذكر العلماء والأئمة من أمثلة السماحة في الشريعة إباحة الميتة للمضطر .

ويقول المصنف رحمه الله ( ومن اضطر إلى محرم ) يكون الإضطرار إلى المحرمات في الأكل على صور:

الصورة الأولى: أن يكون في الميتات مثل الإبل والبقر والغنم تكون ميتة بغير ذكاة فحينئذ يكون الوصف من جهة كونها ميتة ولكن الإباحة جاءت لعارض وهو وجود المشقة ، قد تكون الميتة من السباع العادية كما تقدم معنا في ذي الناب من السباع ويستوي في حكم الشريعة من اضطر إلى المحرم من الميتات أو غيرها أن يكون الذي يريد أن يأكله ميتة كالإبل والبقر ماتت حتف نفسها أو يكون من المحرم أكله أصلاً كالسباع والجوارح إذا لم يجد غيرها فإنها ميتة لأن الذكاة لا تعمل فيها فإذا اضطر الإنسان إلى الميتة حل له أن يأكل منها ، وهناك ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: أن يأكل بقدر ما يسد رمقه .

الحالة الثانية: أن يأكل بقدر الشبع فيزيد عن سد الرمق إلى قدر شبعه .

الحالة الثالثة: أن يشبع ويزيد فيترفه بحمل الزائد معه .

هذه ثلاثة أحوال :

أما الحالة الأولى : وهي أن يأكل بقدر ما يسد رمقه فبالإجماع على أنها جائزة فكلهم متفقون على أنه لو أكل بقدر حاجته التي يسد بها رمقه أنه جائز ولا حرج عليه ولا إثم ، أما لو أكل بقدر الشبع يعني سد رمقه ثم ترفه وشبع فهذا له صورتان :

أن يكون في الضرورة العامة كما ذكرنا في القحط وأزمنة الشدة فهذا الأمر فيه أوسع ونقلنا تحرير الإمام ابن قدامة والقرطبي على أنه جائز ولا يضيق فيه ولا بأس به وأصول الشريعة تقتضيه .

أما لو كانت الضرورة خاصة وأكل بقدر الشبع فللعلماء وجهان:

من أهل العلم من قال: إنه آثم .

ومنهم من قال: إنه غير آثم يعني أنه يباح له بأن يأكل إلى قدر الشبع .

والذين يقولون بسد الرمق فإنهم يحتجون بالقاعدة [ أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها] وهذا مضطر لبقاء نفسه وبقاء النفس يكون بسد الرمق ولذلك لا يزيد إلى حد الشبع . والذين قالوا بحد الشبع قالوا : إنه قد سقط عنه التكليف بالحرمة فجاز له أن يأكل ويشبع واحتجوا بقصة الرجل الذي أحل له النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل من الناقة وقال هل عندك غنىً ؟ قال: لا : قال: شأنك بها ] ما قال: كل بقدر الحاجة أو: كل بقدر سد الرمق إنما أباحها له ولكن هذا الحديث أجيب عنه بأنه من الحالات العامة لأن الجوع الذي أصاب الرجل إنما هو في أيام النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا كانت أيام شدة وضرورة .

في هذه الحالة قد يقوى القول الذي يقول : إنه يأكل بسد الرمق وأنه لا يزيد عن القدر الذي تندفع به الضرورة وأصول الشريعة وقواعد الشريعة ترجح هذا القول وتقويه .

لكن السؤال : لو كان في سفر وأصابته المجاعة ووجد الميتة وأكل منها ثم أراد أن يمشي فالميتة موجودة في هذا المكان فلو سافر أو مشى قد تصيبه المجاعة ولا يجد فهل له أن يتزود؟  

في هذه المسألة وجهان للعلماء رحمهم الله :

منهم من قال: يشرع له التزود وهذا تطمئن إليه النفس إن خشي أو غلب على ظنه أنه لا يجد فيحمل معه ما يحتاج فإن وجد ما يدفع الضرورة عنه بعد ذلك رماه ، وإن لم يجده فإنه لازال الموجب للرخصة مصاحباً له وحينئذ يرخص له .

ومنهم من منع .

 والصحيح أنه يشرع له التزود إذا غلب على ظنه أنه لا يجد ، هذا بالنسبة لمسألة قوله (أبيح له) أي حل له أن يأكل ، وعلى هذا التفصيل الذي ذكرناه يبقى السؤال التي هي القضايا المركبة أو قضايا التعارض لو وجد ميتة في المخمصة وطعاماً للغير ، طعام الغير مباح ، مثلاً لو وجد لحماً مع رجل ووجد ميتة وهذا اللحم زائد عن حاجة الرجل ، طبعاً الواجب على الرجل إذا زاد عن حاجته وأخوه معه أن يعطيه إياه هذا إذا زاد عن حاجته وكان يمكنه أن يصل إلى مكانه دون حاجة ، مثلاً هو يحتاج إلى كيلوين من أجل أن يبلغ الموضع الذي يريده ومعه أربعة كيلو أو ثلاثة كيلو فالكيلوان أو الكيلو الزائد يجب عليه بذله لهذا المضطر فإذا لم يبذله أثم ، وشرع في قول طائفة من العلماء للغير الذي هو المضطر أن يأخذه منه ولو بالقوة ، طبعاً ذكرها العلماء رحمهم الله في مال الغير في غير المصاحبة إذا وجد مال الغير ووجد ميتة ، أما في المصاحبة فيصعب تصويرها قد توجد صور غريبة لكن إذا كان المال مع الغير وهو معي في السفر إما أن يكون زائداً عن حاجته فقد ذكرنا التفصيل أنه يجب بذله ويجوز للغير أن يأخذه ، وإذا كان على قدر حاجته فإنه لا يعطيه له لأنه إذا كان هناك شخصان في السفر ومعهما طعام يكفي لأحدهما هو المالك له لم يجب على هذا المالك أن يبذله للغير وحينئذ يقولون: أن الإيثار هنا محرم .

الإيثار مشروع و ممنوع فمن صور الإيثار الممنوع : أن يكون فيه سبب لهلاك الإنسان لأن الله يقول: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وقال سبحانه : ( ولا تقتلوا أنفسكم)  فهذا لا شك أنه سيلقي بنفسه إلى التهلكة وسيقتل نفسه إذا أعطاه الطعام لأنه سيجوع ويموت ، ومن هنا قالوا : أنه لا يبذله لغيره وقد أكدت هذا السنة قال يا رسول الله:      [ عندي دينار قال : أنفقه على نفسك ، قال: عندي غيره ، قال: أنفقه على أهلك وولدك ، قال: عندي غيره ، قال : شأنك به ] ما أباح له الإعطاء إلا بعد أداء حق النفس ولذلك يجب عليه أن يبدأ بنفسه قال: [ ابدأ بنفسك وبمن تعول ] فأصول الشريعة تقتضي أنه لو كان معه طعام للغير والغير مصاحب له فلا إشكال .

لكن صورة المسألة لو مر على الطعام في الطريق موجوداً في أرض الشخص أو في مزرعته وهذا الطعام ينقذ به نفسه وهناك ميتة فهل يقدم الميتة أو يقدم طعام الغير ؟

 قال بعض العلماء: يقدم الميتة لأن الله أحل الميتة عند الضرورة وطعام الغير لازال حراماً لأنه ليس بمضطر إلى طعام الغير مع وجود الإذن بالضرورة لأن شرط الضرورة عدم وجود البديل فإذا وجد البديل الذي تحصل به الحاجة والنجاة سقطت الضرورة فمن هنا قالوا: أنه لا يعتدي على مال الغير هذا الوجه الأول .

الوجه الثاني: أنه إذا أكل الميتة انتهك حراماً لله وإذا اعتدى على مال الغير جمع بين انتهاك المحرم وحرمة مال الآدمي وما فيه وصفان بالحرمة أعظم مما فيه وصف واحد ومن هنا قالوا: حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المقاصة والمشاحة فإذا تعارض الحقان قدم حق الله على حق المخلوق فاغتفر في مقام ما هو أضيق منه فقدموا الميتة من هذا الوجه .

الذين قالوا: إنه يأكل من مال الغير قالوا: لأن الميتة فيها خبث وفيها ضرر وفيها مفسدة ولا يكون مضطراً للميتة مع وجود مال الغير .

وفي الحقيقة في الأصول والأدلة من حيث النظر قول من قال بتقديم الميتة قوله أقوى ومراعاته أولى من حيث الأصول أنه يقدم .

بيّن المصنف رحمه الله أن المضطر يحل له الحرام إذا بلغ إلى مقام الضرورة ، لا نحكم بكون الإنسان مضطراً إلا إذا لم يوجد البديل فإذا وجد البديل لم يحكم بالضرورة وهذا له مسائل كثيرة ومهم جداً حتى في الفتوى ويهم طالب العلم أن ينتبه إلى أنه لا ضرورة مع وجود البديل وعلى هذا إذا وجد البديل إما أن يكون البديل لا ضرر فيه فلا إشكال ، وإما أن يكون فيه ضرر فإن كان ضرره أخف من الميتة وجب المصير إليه لأن القاعدة     [ أنه ترتكب في المفاسد أخفها ويراعى في المصالح أعظمها ] ومن هنا كسر موسى عليه السلام السفينة كسر منها لوح الخشب وكانت لمساكين من أجل ألا تؤخذ السفينة بكاملها كما قال تعالى : ( وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ) فالسفينة كلها ستتلف فقدم المفسدة اليسيرة على المفسدة العظيمة ، ومن هنا إذا وجد ما هو أخف ضرراً من الميتة قدم عليها .

 البديل يقدم مثلاً الآن هذا القول تركبت منه كثير من المسائل منها المسائل المعاصرة فمثلاً  إذا قيل بالنقل: نقل الأعضاء أنه إذا وجد بديل من كافر لم يستبح المسلم لأن الأصل أن الضرورات لا تستباح مع وجود البديل وإن وجد البديل من الميت لم يقم بلزومه من الحي ، هذه أصول لا بد من مراعاتها في الإضطرار فمسألة الضرورة لا بد وأن تقيد بضوابطها فأولاً: لا يحكم بالضرورة إلا بعد وجود الوصف من الخوف على النفس أو على الأعضاء.

وثانياً: ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضرراً .

وثالثا:ً أنه إذا استباح المحرم يستبيح بقدر الحاجة ولا يزيد على ذلك .

ومن هنا نقول حتى في الإستباحة نقول : إنه لو أكل بسد الرمق فهذا صحيح حتى من أصول الشريعة فلو قال قائل: بل يأكل ويشبع نقول أبداً ما نبيح له الشبع ، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في حديث الترمذي وحسنه وحسنه غيره أيضاً: [ ما ملأ ابن آدم وعاءاً شراً له من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه ] فدل على أنه إذا اجتزأ بقدر ما يسد به رمقه كفاه وعليه فإنه يفتى بحل المحرم في الإضطرار بهذه الضوابط .

هذا كله في المأكولات ، أما في المشروبات فقد شرحنا مسألة الضرورة إلى الخمر إساغة الغصة بالخمر والعطش الشديد بالخمر وبينّا خلاف العلماء رحمهم الله وتفصيلهم فيها في شرح الزاد ومراد المصنف هنا الأكل ، وهو عموماً قال (ومن اضطر إلى محرم غير السم) السم أعاذنا الله وإياكم قاتل ولذلك لو أكل السم مضطراً عجل بهلاك نفسه فإذاً لا يباح له السم لأنه لو أكل السم قتل نفسه ، ومن هنا قال العلماء: من اضطر كما ذكر المصنف إلى محرم غير السم فاستثنوا السم هذا من حيث الوصف العام للسم ولكن لو كانت السمومات هذه يضطر إليها أو يحتاج إليها في العلاج أو يحتاج إليها في الإستدراج كما في السموم الموجودة في المخدرات في بعض الأحيان في علاج الإدمان قد يعطى جرعات من المخدر حتى يألف ترك المخدر فهذه المسألة تكلم عليها المتأخرون من الفقهاء ولم يتكلم عليها المتقدمون ولذلك يعتبرونها من النوازل رخص فيها بعض الفقهاء رحمهم الله وحكي في مذهب مالك رحمه الله من متأخري المالكية من أجاز مثل هذا أنه يعطى الجرعات تدريجياً حتى تقوى نفسه على الترك ، وأصول الشريعة تقتضي المخاطبة بالترك كلياً ، ولو حصل ما حصل فما حصل له قد يكون له سبباً في كفارة الذنب والإثم عليه ، ولكن هذا وجه ذكره العلماء رحمهم الله وهو مبني على مسألة الإنتفاع بالسم .

طيب السؤال كيف يتداوى بالسم وكيف يعطى الجرعات وفي بعض الأدوية المسكنة للأمراض العقلية تكون فيها مواد مخدرة كيف يكون ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم قال: [ إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها] ؟

هذه المسألة تحتاج إلى نظر حاصله أن السم ليس تحريمه لذاته وإنما هو لعارض وهو وجود الضرر ، وحينئذ إذا أصبح السم نافعاً انقلب إلى أصله من الحل ليس كالميتة المحرمة بعينها ولا كالخنزير المحرم بعينه ، هو حرم لعلة وزال التحريم بزوالها ، ومن هنا إذا كان في السم نفع أو أعطي جرعات كما ذكر بعض العلماء وهذا موجود في الأطباء أنهم كانوا يجعلون ترياق السموم جرعات خوف أن يسم الإنسان يوضع له السم فيعطى جرعات لكي تصبح عنده مناعة من السم فهذا رخص فيه طائفة من العلماء رحمهم الله ، وهذا مبني على الأصل الذي ذكرناه فلا يعارض الحديث [ إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها] لأن السم ليس هو محرم لذاته إنما هو محرم لسبب فإذا زال السبب زال التحريم ، ومن هنا هذه الجرعات إذا أعطيت تخفيفاً للضرر هي ليست دواءاً وعلاجاً ولكن هو نوع من دفع الضرر الأعظم وحينئذ لا تحكي علاجاً للداء ولا إزالة له إضافة إلى أن المخدر لو وضع في العمليات الجراحية ليس علاجاً ولا دواءاً وإنما هو مسكن للألم ، والعلاج سيكون بقطع البواسير ويكون بإصلاح الشرايين ونحو ذلك فالعلاج ليس في التخدير ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ] فنحن لا نقول إن المخدر علاج إذا وضع في العمليات الجراحية ، ومن هنا تكون الخلاصة أن الإضطرار مباح لغير السم الذي فيه المهلكة ، أما لو كان تعاطي السم على وجه لا مهلكة فيه أو فيه منفعة فهذا رخص فيه بعض العلماء رحمهم الله للأصل الذي ذكرناه ، [حل له ما يسد به رمقه] وهذا يدل على أن المصنف يرجح ألا يأكل إلى قدر الشبع ولا يأكل إلى حد الزيادة على الشبع وهذا له أصله:

أولاً: أصول الشريعة تقتضيه كما هي القاعدة [ ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها ] .

وثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ] فدل على أن سد الرمق يقيم الصلب فيكتفى به وبهذا لا يجوز له أن يزيد .

قال رحمه الله: (ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه) إذا اضطررت إلى شيء عند غيرك أو هو مال لغيرك إما أن تضطر إلى ذاته وإما أن تضطر إلى منفعته ، فهناك شيء يسمى الذات وإذا قلت الذات فالمنافع تبع ، وهناك شيء يسمى المنفعة وإذا قلت المنفعة فهي مجردة عن الذات ، فكل شيء له ذات وله منفعة إذا كان من الأشياء النافعة ، البيت ذاته البناء والمنفعة السكنى فيه ، الدابة ذاتها تذبحها تنحرها تأكلها والمنفعة الركوب عليها ، وكذلك أيضاً بالنسبة للأشياء عموماً فإذا اضطررت إلى منفعة المال مثلاً لو أصابك برد شديد ووجدت ثوب صوف أو ثوب قطن لأخيك والبرد سيضرك لا محالة وهذا الثوب زائد عن حاجة أخيك لك أن تلبسه لتدفع ضرر البرد عنك فمن اضطر إلى نفع مال الغير فأنت مضطر إلى النفع وهو اللبس ولست مضطراً إلى ذات الثوب ، كذلك أيضاً لو كنت عطشاناً وأصابك العطش وهناك بئر لكن ما عندك الدلو الذي تستسقي به فوجدت دلواً لأخيك المسلم فإنه في هذه الحالة أنت مضطر إلى منفعة المال لأن المال يا إخوان في إصطلاح العلماء: المال هو [كل شيء له قيمة] ليس خاصاً بالذهب والفضة ، البيت مال الدلو مال الثوب مال كل شيء له قيمة فهو مال فأنت تريد منفعة الدلو فتأخذ هذا السطل والحبل وتغترف من البئر وتشرب وترد السطل مكانه فانتفعت بالمال ولم تأخذ عين المال كذلك السيارة لو حصل عند إنسان ظرف عنده إمرأة تريد أن تضع ويريد أن يسعفها يذهب بها إلى المستشفى أو مريض يريد أن يسعفه وسيارة أخيه موجودة ومفتاحها موجود ما يستطيع أن يستأذنه غير موجود يأخذ المفتاح ويركبها ويذهب بها يسعفها في حالات اضطر فيها ، ولذلك ركب النبي صلى الله عليه وسلم على فرس أبي طلحة لما سمع الصوت وحصلت جلبة وصوت في المدينة في الليل فخرج الصحابة فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبلهم وقد أتى من عند الصوت وهو يقول: [ لا تراعوا ] وبين لهم أنه ليس هناك من شيء وهو راكب على فرس أبي طلحة ، وفي هذا الحديث ما لا يقل عن ثلاثين مسألة استنبطت من هذا الحديث منها: شجاعته بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه ذهب إلى مكان الصوت ورجع قبل أن يخرج الصحابة ، ومنها إستعمال مال الغير ، ومنها ركوب الخيل دون سرج ، ومنها أن عرق الخيل طاهر وخذ من المسائل الكثيرة ، الشاهد أنه ركب على فرس أبي طلحة فانتفع ومن هنا أنت مضطر ومحتاج إلى منفعة المال مع بقاء العين لكن قد تضطر إلى عين المال .

طيب لماذا قال المصنف ( ومن اضطر إلى منفعة مال مع بقاء عينه)؟ لأنه تقدم ( ومن اضطر إلى محرم) فالإضطرار إلى عين المال تقدم معنا ، الاضطرار إلى عين المال مثل أن تجد طعاماً لأخيك وأنت مضطر وليس عندك لا ميتة ولا غيرها ولا يوجد إلا هذا الطعام الذي لأخيك وأنت في مخمصة حل لك أن تأكل هذا الطعام ، إذاً هناك اضطرار لعين المال واضطرار لمنفعة المال ، ثم هذا الإضطرار للمنفعة بعض الأحيان تضطر إلى قلم تكتب به هذا إضطرار إلى المنفعة لكن اضطررت إلى الدفتر وإلى الصفحة أن تكتب فيها فهذا اضطرار إلى العين لأنك إذا كتبت في الصفحة لا يمكنه أن ينتفع بعد ذلك بها ، وطبعاً كتب العلم تختلف قيل: يجوز لك أن تقرأ في كتاب الغير ولا تستأذنه لأن العلم ليس ملكاً لأحد ولكن الكتاب ملك له لكن يجوز لك أن تتصفح فتنتفع بالكتاب حتى قالوا لا يشترط الإذن ، الشاهد من هذا الإضطرار إلى المنفعة ، والمنفعة تكون منفعة دينية ومنفعة دنيوية ، فإذا اضطر إلى منفعة دينية مثلاً تريد أن تصلي ومعك أخوك في الغرفة ليس موجوداً وثيابك كلها مثلاً مبلولة أو نجسة ولا يمكن غسلها تطهيرها وما بقي إلا الوقت وأنت محتاج إلى ما يستر عورتك لكي تصلي فأنت مضطر إلى منفعة المال لمصلحة دينية  ، وتضطر لمصلحة دنيوية كما ذكرنا في الشرب والأكل ، الشرب مثل البئر تأخذ الدلو دلو أخيك وتغترف منه جاز لك أن تأخذ هذا المال ووجب عليه أن يبذله لك مجاناً ففي هذه الحالة يعطيك إياه بدون مقابل لأنك مضطر إلى هذا ولأنه يجب عليه دون أن يحصل له ضرر ، وهذا مسألة راجعة إلى مسألة العارية هل العارية واجبة ؟

العارية في قول جماهير العلماء رحمهم الله من حيث الأصل مندوب إليها لأن الله تعالى قال: ( وافعلوا الخير ) وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل المنيحة للجار لكن يكون منع الشيء المستعار في بعض الأحيان محرماً على الإنسان وهذا هو الذي عناه الله بقوله ( فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون ) يمنعون الماعون وهنا ذكر الماعون ، واختلفت تفسيرات العلماء لكن قول طائفة أن في لغة العرب يطلق الماعون عن كل ما يحتاجه الغير ، فلو كان محتاجاً إلى سيارتك وأنت في الوقت الذي هو يحتاج إلى السيارة مستغن عنها يجب عليك أن تعين أخاك وتبذلها له ويتحمل هو نفقة البنزين ونحو ذلك من الأشياء التي يكون بها المشي ، كذلك إذا احتاج إلى لباسك احتاج إلى أن يجلس في بيتك جاء برد شديد وهو في الشارع تدخله إلى بيتك ولا يمكن بإنقاذه إلا بهذا الإدخال ، هذه مسائل ذكر العلماء فيها أنها تتعين خاصة إذا توقف عليها إنقاذ الروح ، يتخرج على هذا لو أنك خرجت في سفر ورأيت رجلاً واقفاً في الطريق ويمكنك أن تركبه معك وهذا الرجل إذا لم تركبه قد يتعرض لضرر مثلاً كصغار السن أو يكون شخصاً معه عائلة وعرض فيخشى أن يعتدى على عرضه وقد يكون في جوع وشدة يحتاج إلى أن توصله إلى محطة أو إلى مكان ، في هذه الأحوال في الأصل لا يجوز لك إذا غلب على ظنك أن غيرك لا ينقله ، أما لو كان عندك عذر أو مثلاً وجدت أمارات تقتضي اشتباهك فيه أو خفت الضرر من حمله فحينئذ يرخص لك ، لكن في الأصل لا يجوز للمسلم أن يرى حاجة لأخيه يمكنه أن يبذلها له دون ضرر عليه ويتقاعس عن ذلك فإن هذا لا يجوز لأنه من حقوق الأخوة وحق الأخوة يستوجب عليه رعاية ذلك فبيّن رحمه الله أنه يجب من حيث الأصل بذل هذا الشيء للأخ ولو استعار قلماً أو استعار كتاباً فإنه في الأصل تعطى العواري ولا ينبغي للمسلم أن يمنع العارية لأخيه المسلم متى ما كان في غناء عنها ولا ضرر في إعارتها ، أما لو كان هناك حاجة أو كان هناك ضرر فالحاجة مثلاً جاءك يريدك أن تعيره الثوب الذي عليك لا يمكن هذا ، الثوب الذي لي لا يمكن أن أعطيه إياه فأنا محتاج إليه ، جاء يريد أن يستعير ماعون وليس عندي غيره وأنا الآن أطبخ طعامي فحينئذ لا يتعين عليك بذله فأنت محتاج إليه وحاجتك أوجب ومقدمة ، هذا إذاً يشترط ألا تكون بحاجة ، أو كان فيه ضرر مثلاً يأخذ سيارتك ولا يحسن السياقة وقد يأخذها بحال ويردها بحال أسوأ حينئذ إذا كان هناك ضرر من استعماله أو إذا أركبته حصل الضرر أو إذا أدخلته إلى بيتك سيء يسيء إليك كلامه بذيء قد يسيء إليك في عرضك قد يسيء إليك بشبهة هذا أمر مستثنى لكن من حيث الأصل يجب على المسلم أن يبذل ما زاد عن حاجته إنقاذاً للنفس المحرمة ، وأما ما كان وراء ذلك فهو يكون في مقام الندب إن كان من المندوبات وقد تكون العارية من المحرمات ولذلك بعض العلماء يقولون العواري والعارية تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة: تكون واجبة في الواجبات ومندوبة في المندوبات ومحرمة في المحرمات ومكروهة في المكروهات ومباحة في المباحات ، محرمة في المحرمات كأن يستعير شيء لأجل أن يفعل الحرام مثلاً يأخذ السيارة من أجل أن يسافر بها لفعل حرام أو يأخذ بها امرأة للزنا والعياذ بالله أو يستغل البيت لفعل الحرام أو يأخذ مثلاً ماعوناً من أجل أن يعصر فيه خمراً هذا كله مجمع على أنه لا يجوز ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) فأصول الشريعة تقتضي تحريم هذا النوع ، وإن كان في المكروه فمكروه فالمقصود من هذا أنها تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة لكن مراد المصنف عند حالات الضرورة وحالات وجود الحاجة بالتفصيل الذي ذكرناه ألا يكون الإنسان محتاجاً لعين المال ومنفعته وألا يكون هناك ضرر يترتب على الإعارة .

قال رحمه الله: ( لدفع برد ) مثلاً يريد بطانية منك جاء البرد الشديد ورأى بطانيتك فأخذها وأنت لست محتاجاً للبطانية هذا لدفع برد ، عندك كوت مثلاً فأخذه لدفع برد مضطراً أو أصابته الرعدة وشدة البرد فأخذ بطانيتك أو أخذ لباسك وأنت لست محتاجاً إليه .

قال رحمه الله: ( أو استسقاء ماء ونحوه ) استسقاء ماء مثل ما ذكرنا في الدلو يأخذ الدلو من أجل أن يغرف من البئر ، يأخذ مثلاً الزجاجة والكأس من عندك من أجل أن يغرف بها الماء ليشرب لا يأتيه يقول له لماذا تأخذ مالي ؟ ما أعطيك هذا المال ، يجب عليه بذله إذا كان أخوه مضطراً ولا ضرر في استعماله وهو غير محتاج إليه .

قال رحمه الله: (وجب بذله له مجاناً ) وجب بذله : أي بذل المنفعة مجاناً ، بذل عين المال من أجل أن ينتفع به لكن لو أنه أتلف عين المال كمن اضطر إلى الطعام لإنقاذ نفس فإنه سيستهلك الطعام فيكون كالإتلاف فبعض العلماء يقول يجب عليه البذل لإنقاذ النفس ولكن يجب عليه ضمان قيمة ذلك المال .

قال رحمه الله: ( ومن مر بثمر بستان في شجرة..) اشترط المصنف ألا يكون مسور على هذا الشجر ، والحقيقة : في ظاهر السنة طبعاً هناك فرق بين الشجر الذي لا حائط عليه والشجر الذي له حائط ، الشجر الذي لا حائط عليه مثل ما ذكر المصنف لو تساقط منه شيء وأكل المتساقط تحت فلا إشكال أنه جائز ، لكن كونه يطلع للشجرة ويأخذ منها يفرق بين الذي بالحائط يجب عليه أن يستأذن ، ومن هنا جاءت السنة عن رسول الله صلى الله  عليه وسلم في حديث السنن أن من مر بحائط ينادي ثلاث مرات يستأذن ينادي صاحب الحائط فإن وجد صاحب الحائط استأذنه وإن لم يجده فإنه يجوز له أن يأكل غير متأفل يعني لا يأخذ معه متمولاً ويأخذ بقدر حاجته لا بأس بذلك ولا حرج .

قال رحمه الله: ( أو متساقط عنه ) كان في القديم ولا يزال هذا موجوداً في المدينة وأذكر في جهة مسجد قباء من فضل الناس أن الناس كان عندهم رحمة وكان فيهم خير ولا يزال والحمد لله الخير موجوداً نسأل الله أن يباركه وأن يبقي أهل الخير في كل زمان ومكان كان بعض أصحاب البساتين يخرج الشجر عن بستانه يعني يجعل عدداً من الشجرات خارج سور البستان ويسقيها من ماء البستان من أجل إذا مر ابن السبيل أو المجتاز يأخذ من هذه الثمرة ويطعم منها وإلى الآن في جهة مسجد قباء إلى عهد قريب في بعض البساتين موجود فيها بجوار مسجد قباء من الجهة الشرقية موجودة بعض البساتين تلاحظ فيها شجرات خارج البستان تسقى من البستان يراد بها الصدقة ويراد بها الإحسان.

قال المصنف رحمه الله: ( ومن مر بثمر بستان في شجرة أو متساقط عنه) تقدم للمصنف رحمه الله بيان مسائل الاضطرار أن يضطر المسلم إلى شيء عند أخيه المسلم وكانت آخر المسائل المسألة التي تتعلق بالاضطرار إلى المنافع وبينّا أن من اضطر إلى منفعة في مال أخيه وجب على الأخ أن يبذلها له مجاناً وفي تعبير المصنف رحمه الله بالوجوب مما يدل على أن الإضطرار يبيح أخذ هذا الشيء ، والشرط في هذا أن يكون مضطراً وقد تقدم معنا الإضطرار إلى المحرمات ، والواقع أن الإضطرار في المسألة الأخيرة ليس كالإضطرار للمحرمات ، فإن الإضطرار إلى المحرمات يخاف الإنسان فيه على نفسه أو على عضو من أعضائه التلف وهذا حد الضرورة كما ذكرنا ولكن هنا من اضطر إلى منفعة مال بمعنى احتاج ، والضرورة عند العلماء يعبر بها عن الحاجة والسبب في ذلك أن القاعدة الشرعية أن [ الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة ] فإذا وجدت عندك حاجة أصبحت مضطراً وملجأً إلى هذا الشيء وقد ذكرنا أمثلة على ذلك أن يضطر إلى منفعة مع بقاء العين فالسيارة مثلاً فيها منفعة الركوب ومنفعة الحمل عليها فالشخص نفسه يركب من أجل أن يصل إلى مكان وأيضاً ربما يحتاج إلى حمل غرض فإذا وصلت الحاجة إلى مقام الضرورة في المنافع فلا إشكال ، فمثلاً لو أنه وجد مريضاً قد أشرف على الموت وهذا المريض يحتاج إلى إسعاف ونقل فإنه يجب عليه أن يسعفه وينقذه فقد أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز للمسلم إذا رأى أخاه المسلم في مهلكة أو ضرر وتوقفت نجاته بإذن الله عز وجل على أن يسعفه لا يجوز له أن يمتنع من ذلك وأنه إذا امتنع أثم شرعاً بل شدد بعض العلماء كما هو قول ابن حزم الظاهري أنه لو رأى غريقاً يستنجد وهو يجيد السباحة ويمكنه أن ينقذه ولم ينقذه أنه يعتبر قاتلاً للنفس وهذا لأنه كان بإمكانه الإنقاذ ، ولكن هذه المسألة في الحقيقة عند جمهور العلماء فيها تفصيل وهناك فرق بين القتل بالسببية والقتل بالمباشرة محله في باب الحدود والقصاص ، لكن المهم عندنا التنبيه على عناية العلماء بهذه المسائل وأن المكروب والمنكوب والمفجوع والمفزوع ينبغي للمسلم أن يعينه وأن يفرج كربته وأن يقف معه مادام بوسعه ذلك فتكون حالات الإضطرار ضرورة حقيقية إذا كانت لإنقاذ نفس فلو كان في السفر ورأى إنساناً يحتاج إلى إسعاف وتوقف إسعافه على إنقاذه يجب عليه شرعاً أن ينقذه ولا يجوز له أن يتخلف عن ذلك مهما كانت الأسباب ومهما كانت الموانع ما دام أنها أقل من هذه النفس المحرمة ، وعلى هذا هذا حكم الله وهذا شرع الله عز وجل ، ومن هنا لا يجوز تعاطي أسباب الإهمال في الإضرار بالمسلم فإذا اضطر أخوك المسلم إلى منفعة مال بيدك أو إلى منفعة بيدك أن تبذلها كإنقاذ الغريق وإسعاف المرأة مثلاً في طلقها وولادتها بحيث غلب على الظن أنها قد يصيبها النزيف وتموت وإسعاف المصاب الذي ينزف بحيث لو تركه ينزف مات فإنه يحمله بسيارته ويحمله بدابته ويسعفه شرعاً مهما كانت الموانع ومهما كانت الظروف لأنه يجب عليه شرعاً أن يبرئ ذمته أمام الله عز وجل هذا الأصل الشرعي ، مسألة أن البعض يعتذر لأنه قد يكون مريضاً مكسورة يده ولا يحسن هذا حمله وقد تنكسر يده فهذه أحوال مستثناة ويعلم الناس كيفية الإسعاف وهي الأمور الضرورية في الإسعاف هذه يمكن علاجها ، أما شرع الله يجب على المسلم أن ينقذ أخاه المسلم إذا رآه في مهلكة هذه حالة الضرورة .

حالة الحاجة : هي الحالة التي لا تصل إلى الخوف على النفس كما ذكرنا وإنما توقع الإنسان في حرج وضيق مثل أن يكون المكان بعيداً جداً ولو مشى بقدميه انتهى عليه الدوام أو لم يدرك حاجته فيحتاج إلى شيء يوصله فحينئذ يكون محتاجاً ، فإذا أراد أن يشتري طعاماً والطعام بينه وبين السوق مسافة لا يمكن أن يدرك محل السوق إلا إذا ركب وأخوه يعلم بذلك يمكنه ويوصله لكن كل هذا في الإضطرار ، وشرط الإضطرار يعني الأصل عند العلماء أن المضطر لا يكون مضطراً إذا وجد البديل فمثلاً إذا كان إسعاف المصابين في الحوداث والطرقات يمكن ولهم مثلاً من يسعفهم فحينئذ سقط عنك الإثم وسقط عنك الوجوب بشرط أن يغلب على الظن قيامهم بهذا كذلك أيضاً بالنسبة لجارك لو عنده سيارة وعندك سيارة وجاء إلى سيارتك لا نقول إنه مضطر ما دام أن عنده سيارة تقله إذن الشرط ألا يكون هناك بديل بالنسبة له يمكنه أن يقوم به وهكذا لو أنه أراد أن يذهب إلى السوق وعنده أجرة السيارة التي يستأجرها للذهاب إلى السوق وهناك سيارات تنقل بالأجرة فإنه لا يتعين عليك إعطاءه سيارتك ولا يتعين عليك حمله إلى السوق ما دام أنه يمكنه أن يجد البديل إذاً الشرط الأول : الحاجة .

والثاني : ألا يجد بديل يسد هذه الحاجة أو يمكنه من خلاله أن يحقق ما يريد .

قال (وجب عليه بذله له مجاناً) يعني بدون مقابل قالوا لأنه يجب عليه الإنقاذ وإذا كان واجباً عليه فإنه لا تلزمه أجرته ولا أجرة مثله ، بعد أن بيّن رحمه الله هذه المسألة شرع في مسألة المرور على الحوائط ، وفي حكمها لو مر على قطيع غنم أو على قطيع من الإبل أو على قطيع من البقر وأراد أن يحتلب ويشرب من حليبها فإذا مر بالحائط وأراد أن يأكل من ثمره أو مر بالقطيع من الغنم وأراد أن يشرب من حليبه أو من قطيع البقر أو الإبل فإن هذا ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان الطريقة التي ينبغي للمسلم أن يسلكها فهناك أحكام تختص بالحوائط والبساتين وهناك أحكام تختص بالغنم والبهائم ، فأما بالنسبة للجميع يعني سواءاً في الحوائط وفي البساتين فالأصل يقتضي أنه إذا كان هناك شخص يقوم على الغنم حارسٌ لها أو مالكٌ لها قائمٌ عليها أو راعي لها أو كان هناك شخص يقوم على الحائط موجود : مزارع أو مالك المزرعة ، فالواجب أن يستأذن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبتت السنة عنه في حديث سمرة بن جندب وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عن الجميع أنه أمر بالإستئذان فإن كان في الحائط ربه وصاحبه أو كان فيه الفلاح الذي هو العامل الذي وكله صاحب المزرعة على القيام عليه يستأذنه أن يأكل من ثمر الحائط ويقول له : أريد أن آكل من هذه النخلة أريد من هذا العنب أريد من هذا التفاح سواءاً كان من الفواكه أو كان من الأعناب أو كان من النخيل ، فمذهب طائفة من العلماء دون تفريق ، أريد أن آكل فيأكل بالمعروف إذا أذن له رب المال فلا إشكال هذا الأصل ، هكذا في الغنم يعني لو مر على الغنم ووجد الراعي يستأذنه كما أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن راعي الغنم واحتلب له عليه الصلاة والسلام فهذا أصل أن مال المسلم ينبغي الإستئذان فيه أما إذا كان غير موجود مع الغنم أو مع البهائم والبستان ليس له أحد يرعاه فالأصل يقتضي أن ينادي ثلاثاً فيقول يا صاحب الإبل كما جاءت السنة في حديث سمرة مرفوعاً يقول يا راعي الإبل أو يا صاحب الإبل ، وأيضاً يستأذن صاحب البستان ينادي ثلاث مرات فإذا نادى ثلاث مرات على قطيع الغنم فإنه إذا لم يجبه أحد جاز له أن يحتلب من الشاة ، ولكن هذا محله إذا كان بموضع فقد فيه الراعي يعني مثل البر ونحو ذلك ، أما إذا كان بموضع قريب من العمران وأهل القطيع قريبون وتركوا قطعيهم يسرح فالواجب عليه أن يذهب إليهم ويستأذنهم لأنه معلوم هذا ومعروف بالعادة والطبع والناس من طبائعهم ومن عادتهم أنهم يتركون الإبل والغنم والبقر تسرح بفنائهم ، فالمقصود من هذا أنه ينادي على صاحب الإبل والبقر والغنم ثلاثاً فإذا لم يجده احتلب من الشاة احتلب بقدر ما يشرب ، إذاً أول شيء أن يستأذن إذا كان صاحب المال موجوداً أو من يقوم مقامه ، وإذا لم يكن موجوداً ينادي ثلاثاً عليه سواء كان في البهائم أو كان في الحوائط والبساتين .

الأمر الثالث: أنه يشرب من الحليب على قدر حاجته ولا يحتمل يعني لا يأخذ زائداً وكذلك أيضاً في حائط البستان من غير خبنة يعني ما يأخذ زيادة يأكل من ثمر النخل بقدر ما يريد ، ثم بعد ذلك يمضي لوجهه دون أن يتأفل أو يحمل معه شيئاً هذا بالنسبة للحوائط التي يعني لا يوجد أصحابها ، وكذلك أيضاً البهائم التي نادى عليها فلا يوجد معها أحد ، هذه السنة فيها تيسير واختلف العلماء رحمهم الله فيها على وجهين:

منهم من يقول: عند الحاجة يعني أن يكون محتاجاً للأكل محتاجاً للشرب .

وظاهر السنة الإطلاق وهذا من باب الرفق بالناس .

واختلف العلماء شراح الأحاديث رحمهم الله في هذه الأحاديث وذكروا فيها وجهان : الوجه الأول: قيل إن هذا الحكم محكم باق إلى قيام الساعة .

والوجه الثاني: إنه منسوخ كان في أول الإسلام حينما كان الناس فيهم ضائقة وفيهم شدة وقد ثبتت السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في الضائقة والشدة أن يتوسع الناس ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عنه أنه نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال من أجل الدّافّة وهم قوم من الأعراب قدموا إلى المدينة فأصابتهم الشدة فنهى النبي صلى الله عليه سلم أهل اليسار أن يحبسوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال حتى يطعموا إخوانهم من باب المواساة قالوا هذه ظروف خاصة ، ففي الظروف الخاصة يعمل بهذه الأحاديث وفي غير الظروف الخاصة يبقى الأصل الشرعي وهو حرمة مال المسلم .

والذي يظهر من السنة العموم أن هذا الحكم عام ويقوى هذا أن مثل شربة الإنسان من لبن الناقة أو من حليب البقرة أو الغنم ليس بذاك الذي يضر صاحب المال .

ولذلك الأشبه أنه حكم المحكم والأصل عدم النسخ ولا يعرف المتقدم والمتأخر حتى يثبت النسخ فإذاً لا يثبت النسخ بالإحتمال ، إذاً هي سنة محكمة لكن الإشكال أن المصنف رحمه الله قال: ( من غير حائط ولا ناظر ) اشترط في البساتين عدم وجود الحائط وعدم وجود الناظر ، أما وجود الناظر وهو مالك البستان أو العامل الذي فيه فالسنة شاهدة بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ فليستأذن صاحبه ] يعني صاحب الحائط ولا إشكال أنه إذا كان موجوداً يستأذن .

لكن بالنسبة لمسألة اشتراط الحائط في المزارع ، المزارع لها صورتان :

الصورة الأولى : أن تكون محوطة وهي التي لها سور يحوطها ومحفوظة .

والصورة الثانية: أن تكون غير مسورة وليس لها حائط .

بعض شراح الأحاديث من المتأخرين ضعف اشتراط الحنابلة للحائط ومنهم من قال أن هذا ترده السنة ، والواقع أن فقهاء الحنابلة خاصة المتأخرين منهم في نصهم على هذا الشرط لا شك أنه من أدق ما يكون حينما نبهوا على مسألة الحوائط وهذا مبني على الفقه والفهم لأصول الشريعة ، توضيح ذلك : أن البساتين إذا كانت لها حوائط فإنها ذات حرمة وحينئذ لا يمكن للغريب أن يدخلها إلا إذا تسور حوائطها واقتحم هذا السياج والحد الذي لا يجوز له اقتحامه ، ومن هنا كأن الفقهاء فقهاء الحنابلة احتاطوا في نوع خاص من البساتين اقتضت الأصول الشرعية استثناؤه من عموم السنة ، وذلك أن البساتين التي لها حوائط : الإنسان يكشف فيها عورته ويترفق فيها فيأمن أن أحداً يدخل عليه بدون استئذان فهذا النوع مستثنى لما فيه من انكشاف العورة وترويع المسلم فلا يجوز إلا باستئذان إعمالاً للأصل ، ولذلك أخبر الله عزوجل أن نبياً من أنبيائه فزع وخاف حينما دُخل عليه فجأة ( وهل أتاك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف ) فجاء الله بوصفين:

الوصف الأول: ( إذ دخلوا على داود ففزع ) فهذا يدل على وجود الفزع والروع من الإنسان لما يفاجأ ، والوصف الثاني قوله ( لا تخف ) فدل على وجود الخوف والفزع عند دخول الغرباء على الإنسان فجأة وهو داخل بستانه مسيج محاط فإذا برجل غريب يقفز ويدخل عليه فجأة فهذا فيه ترويع للمسلم ( قالوا لا تخف ) وهذا إثبات أنه خاف وفزع وهذا ذكره العلماء ذكروا سببه ، الشاهد من هذا أن ترويع المسلم محرم وتخويفه محرم فاقتحام هذه الأسورة بإجماع العلماء محرم ففقهاء الحنابلة رحمهم الله لما قالوا من غير حائط كأنهم يمنعون من استباحة المحرم أي : ليس مراد السنة أنه إذا كان هناك بستان له حائط أن كلَّ من شاء يدخل حتى لو أدى الأمر إلى انكشاف العورة وترويع المسلم ومن هنا نقول إن هناك سببين:

السبب الأول: الأصول الشرعية التي تمنع من الدخول والاقتحام ، الأِشياء التي لها أسورة ولها أسياج ولها حفظ ولها حرز وقد يترك الإنسان أهله وحريمه ونساءه في المزرعة يرتفقون وربما تترفق المرأة في كشف ما تكشفه لذي المحرم منها داخل البستان وقد تعمل في داخل بستانها لأنها تأمن فله حائط وله سياج ، فإذاً ستستباح المحرمات وأيضاً سيدخل على المسلم الروع والفزع المنهي عنه شرعاً ، فإذا ثبت أن تسور الحوائط محرم فإنه لا تستباح به المحرمات وعلى هذا قال [ أن الرخص لا تستباح بها المحرمات ] على أصح قولي العلماء رحمهم الله ، إذا ثبت هذا فإن هذا القيد له ما يبرره وهو صحيح ويكون تعبير الحائط في حديث النبي صلى الله عليه وسلم من باب الإطلاق اللغوي لأن العرب تطلق الحائط على البستان بغض النظر عن كون له سياج أو لا سياج له وأنا أميل إلى هذا القيد و أعتبر فقهاء الحنابلة من الدقة بمكان حينما نبهوا على هذا الشرط أنه لا بد وأن يكون غير مسور .

والسبب الثاني : وجود الترويع والفزع عند الإقتحام وقد لا يأمن أن يضره صاحب المال كأن يظنه معتدياً فيؤذيه .

لكن يرد السؤال لو أنه اضطر وخاف الموت وجاع جوع المخمصة وتوقف الأمر على أن يتسور فهذه مسألة مستثناة وهناك لها أصول شرعية والعلماء لا يبحثون في هذه النوادر ، إنما الكلام على أصل المسألة عموماً ، ولذلك قلنا السنة ثبتت سواء احتاج أو لم يحتج ، ومن هنا نقول أنه يشترط ألا يكون له سياج فإن كان له سياج فنقول له أدخل من باب الحائط ولا تأت إلا من بابه فإذا جئت إلى الباب تستأذن ولا تدخل إلا بإذن ، فلها حرمة إذا كان لها سياج ولها حرز .

قال رحمه الله: ( ولا حائط عليه ولا ناظر فله الأكل منه مجاناً من غير حمل) فله الأكل منه هذا محل الرخصة أن يأكل من غير حمل أي لا يأخذ معه ، لذلك يقدر بقدر ما يأكل فلا يحمل معه ولا يزيد على أكله إلا إذا أذن له صاحب الحائط هذا أمر آخر .

قال رحمه الله: ( وتجب ضيافة المسلم المجتاز به في القرى يوماً وليلة ) الضيافة من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وشيم الكرام ولذلك جاءت نصوص الإسلام في الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على فضلها وعلى الندب إليها وقد قص الله عزوجل علينا قصص الأنبياء فوصفهم بهذه الصفة الشريفة وهي إكرام الضيف وبين سبحانه وتعالى أن الخليل عليه السلام كان يكرم ضيفه حتى إن بعض العلماء رحمهم الله قال في قوله تعالى: ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) قالوا: لأنه كان كريماً يكرم الأضياف ويتحمل في ذلك المشقة وأجمع العلماء رحمهم الله على سنيتها وفضلها لثبوت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر والندب إلى ضيافة المسلم ، قال صلى الله عليه وسلم [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ] فمن تأمل هذا الحديث من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلُّ كلامه بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه حكمٌ وعبرٌ صلوات الله وسلامه وبركاته عليه إلى يوم الدين [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ] شحذٌ للهمة وقوة للعزيمة على الخير فكل مؤمن يسمع هذا الأسلوب النبوي تتحرك نفسه وتتلهف وتشتاق إلى أن يكون من أهل الإيمان بإكرام الضيف [ فليكرم ضيفه ] وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الضيافة واجبة وهو قول الليث بن سعد من أئمة السلف وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد هي المذهب عند أصحابه واختار هذا القول بعض فقهاء المالكية وفي مذهب المالكية أيضاً أن المسلم المجتاز الذي ليس في القرى الذي لا يوجد من يضيفه ضيافته لازمة لمن يجده يجب عليه أن يضيفه وهذه مسألة خاصة ، لكن الحنابلة رحمهم الله حينما قالوا بوجوب الضيافة قيدوه بأن يكون مجتازاً في القرى ، وعلى هذا المفهوم معتبر فداخل المدن عندهم لا تجب الضيافة لأن داخل المدن توجد الفنادق للنزل وتوجد المطاعم للأكل ولكن في القرى والهجر والبر لا يوجد شيء من ذلك إلا في القرى الكبيرة ولذلك ألحق بعض الفقهاء رحمهم الله القرى الكبيرة بالمدن فقالوا بعدم وجوب الضيافة فيها ، أما بالنسبة للجمهور فإنهم قالوا إن الضيافة سنة .

والذين قالوا بالوجوب احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ] ، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإكرام الضيف .

وقالوا: إن أصول الشريعة في حق الأخوة أخوة المسلم على المسلم تؤكد هذا المعنى .

وقالوا: أنه إذا كان في القرى ولا يوجد السكن ولا يوجد الأكل فالغالب الضرر بالمسلم وهذا صحيح فإنه في القرى لا توجد فنادق ولا توجد مساكن فلو قلنا بعدم وجوبها تخلى الناس عن ذلك وحينئذ يؤدي إلى باطل وهو الإضرار بالمسلم وإلى ممنوع شرعاً وهو الإضرار بالمسلم .

وهذا القول أقرب إلى السنة أنه إذا كان في القرى والهجر والأماكن البعيدة التي لا يوجد فيها نزل ولا يوجد فيها مطاعم يقوى القول بالوجوب وهذا الوجوب يسقط في حال وجود من يقوم به أشبه بالفرض الكفائي فإذا قام أحد بضيافة هذا الغريب سقط عنك هذا الوجوب والمنبغي للمسلم أن يتنافس في ذلك وأن ينافس غيره وأن يسابق غيره إلى ذلك فإن الضيف نعمة على من ضيفه ومن بذل للأضياف وأكرمهم حري به أن يوسع الله عليه ضيقه وأن يبارك له عيشه ، ولذلك قالوا إن الضيف يأتي برزقه يعني أن الله يسوق الرزق معه وما أضاف أحد مسلماً لله وفي الله وحسن ظنه في الله إلا آذنه الله بالخلف ، وهذا معروف من السنن الإلهية من قصص الأولين وعبرهم أن الضيف دائماً يأتي بالخير للإنسان إذا أضافه وقام بحقه ، ومن هنا أكدت السنة هذا المعنى وهو لزوم ضيافة المسلم كما ثبت في حديث الصحيحين أنه اشتكى أمير السرية إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعثه فيأتي القوم فلا يضيفونه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ حقه وهذا يدل على عظم أمر الضيافة ولزومها ، وقد كان الناس ولازال بقية باقية يعظمون أمر الضيف ويعتنون بحقه ولذلك عرف كرم الإنسان وفضله وطيب معدنه وشرفه وسموه ونبله بإكرامه للضيف فمن كان سباقاً إلى ضيافة الغرباء والإحسان إليهم وتفقد حوائجهم وقضاء حوائج الضيف فإن الله سبحانه وتعالى يؤذنه بالذكر الحسن ولذلك مات الكرام وما ماتت مكارمهم ومضى أصحاب الفضائل وما ماتت فضائلهم ماتوا وهم في الناس أحياء يذكرون بالجميل فسطر لهم في دواوين المجد من القصص الرائعة والمواقف النبيلة الشريفة المنيفة التي تدل على سمو أنفسهم وعلوها وحبهم للخير ما فيه العجب العجاب ، وكانوا يتحدثون بهذه المكارم حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا طيء أخذت السفانة بنت حاتم الطائي أسيرة فاشتكت إلى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لا يأتيه عزيز قوم قد ذل إلا رحمه لأن الله بعثه رحمة للعالمين فقال لها علي: إذا مر بك النبي صلى الله عليه وسلم أشير لك عليه فتكلميه فلما مر أشار لها علي فعرفته فقالت:[ يا محمد إن أبي كان يكرم الضيف ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق ] وصدقت رضي الله عنها فقد كان من كرمه إذا نزل به الضيف وليس عنده ما يقريه به وعنده الفرس العزيزة الكريمة وكان العربي القوي الشجاع الفارس يحب أن يموت ولا يموت فرسه من عزة هذا الفرس عليه فما كان منه إلا أن نحر فرسه لأضيافه وضرب به المثل في الكرم فالشاهد أنها قالت: [ يا محمد إن أبي كان يكرم الضيف ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق ] فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: [ يا هذه إن هذه مكارم الإسلام ] ، من أبوك : قالت : حاتم الطائي فقال: [ لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه ] يعني هذه المآثر تذكر الإنسان بعد موته فقال: [ لو كان مسلماً لترحمنا عليه ] فجعل للكريم حقاً أن يترحم عليه من بعد موته في إحسانه ومآثره ومازال كثير منا يذكر ما كان من محاسن آبائه والقصص التي نقلت إليه من أجداده من المواقف العظيمة في إكرام الضيف ، كان الرجل في البادية قد يكون مرقع الثوب وقد لا يجد نعلاً يلبسه ويكون في ضيق وشدة وإذا أتاه الضيف يذهب ولربما يكون في الليلة الشاتية شديدة البرد يذهب من أجل أن يتسلف ذبيحته ، من قال إن الناس تعيش بالأموال فقد كذب ما عاشت الناس إلا بمبادئها وبأخلاقها المبادئ الشريفة كانت العرب أعز ما عندهم الضيف حتى إن الرجل يقتل أبوه ويقتل ابنه ويقتل أخوه فيأتيه القاتل متخفياً ويدخل عليه في فراشه فيجلس على فراشه ثم إذا طعم طعامه أو شرب من شرابه سأله أن يجيره ويعفو عنه فيعفو عنه لأنه شيء عزيز عنده أن يشرب من شرابه أو يطعم من طعامه ولربما تكون بين الرجلين العداوة كأشد ما تكون فإذا جاء العدو يزور عدوه وجلس على فراشه أو شرب من شرابه أو طعم من طعامه نسي ما بينهما من عداوة ، نفوس أبية سامية ، ولذلك في هذه الأمة من الخصال الكريمة ما أهلها بفضل الله أن تكون خير أمة أخرجت للناس ، قال بعض الأئمة في مواضع عديدة من التفسير [ إن الله جعل في العرب من مكارم الأخلاق ومحاسنها كإكرام الضيف ما أهلهم الله عزوجل به لهذه الغايات النبيلة والمنازل الشريفة الكريمة ] فإكرام الضيف من الشيم المحمودة وكانوا يقولون في الحكمة وهذا من التجارب [إن لإكرام الضيف نوراً في الوجه] ولربما ترى الرجل الآن من كبار السن قد يكون من الفقراء والضعفاء لكن لا يمكن أن يتنازل عن ضيفه وإذا رأيته هبته ولربما تكون تراه لأول مرة وقد تراه مرقع الثياب وقد تراه بحالة رثة وأقسم بالله إنك لترى الرجل الغني السوي البطر ولا تعبه به لأن هذه أشياء معروفة ، والله عدل من كان من أهل الفضل فضله ربه والطمأنينة والإرتياح والمحبة والقبول شيء من الله لو بذلت أموال الدنيا ما يستطيع الإنسان إليه سبيلاً فإكرام الضيف مبدأ من مبادئ الإسلام وشيمة من شيم الكرام ، ولذلك عُدَّ من دناءة النفوس وخسة الطبع أن يستهين الإنسان بضيفه فلا يكرمه إلا إذا كانت أحوال ضرورة أو أحوال فيها ضرر على الإنسان ودفع بها عن نفسه الضرر فهذا أمر يستثنى أو حق أوجب أو حق آكد أو ضيف فضولي يأتي للإنسان يزعجه ويقلقه أو يأتي في وقت عنده ظروف صعبة لحقوق أوجب وآكد هذا أمر يستثنى ، لكن الكلام يذم الإنسان إذا كان في سعة وقدرة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها فالتهرب من الضيف والتضجر من الضيف والكراهية لنزول الضيف شأن اللئام ...

      مــات قومي وانقـضوا ومـضوا      ومــاتت تـلك الكــرامات

      وخلفـوني في قـوم ذوي بخـل لو      يبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا

مات قومي وانقضوا ومضوا وماتت تلك الكرامات ، أهل المكارم وأهل الفضائل إذا ذهبوا فالله المستعان قالوا باطن الأرض خير من ظهرها .

وخلفوني في قوم ذوي بخل لو يبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا ، لو يبصروا طيف ضيف ليس ضيفاً حقيقياً لكنه طيف .

في الكرى: في النوم ليس في اليقظة .

مصيبة هذه ..!

ماتوا: أي هلكوا ، ولذلك ذمت العرب البخل وسخروا من البخيل وكانوا يشددون في مسائل إكرام الضيف ولازالت الأمة الإسلامية على هذه العادة حتى إن بعض البيئات لازالت محافظة على هذا الفضل وعلى هذا الخير حتى إن الرجل وكان هذا من القديم بمجرد أن يشب ولده ويدب على وجه الأرض يعلمه كيف يستقبل الضيف وكيف يحيي الضيف وكيف يجلس في مجالس الرجال وكيف يكرمهم ويحسن نزلهم وكانت هذه شيمة معروفة عند العرب وسموا بها إلى قمم الفضائل وهي أنهم يربون الصغير على هذه المكارم ، ولقد حدثني الوالد رحمه الله في هجرته حينما هاجر قال مررت بالسودان ومن أعجب ما رأيت يقول أنه تكرر معي عشرات المرات حينما سافرت قال : كنت قادماً إلى مكة فكنت في الغربة وشدة السفر أمر على الولد وهو صغير يقول : ليس في مبلغ الرجال أسأله عن الطريق أقول له: أين الطريق يقول لي: لا أقول لك حتى تدخل وتأكل أو تشرب ثم أدلك يقول: صبي يقول عشرات المرات تكرر هذا وهذا يعني محمدة يعني شهد بها رحمه الله وأعرف أنه لا يزكي إلا بصدق وأمانة فيقول: هذا تكرر معي عشرات المرات وعلمت أن الأمة لا زالت بخير يعني هذا في الرعيل ولازال الحمد لله هناك بقية باقية تتمسك بهذه الآداب ولذلك لما كانت الأمة تربي صغارها على ذلك نشأ الصغار ونشأ الإبن محافظاً على أسرته ، محافظاً على نسبه ، محافظاً على بيته ، ولكن حينما ذهبت التربية وترك أبناء المسلمين وأصبح يجلس مع قرناء السوء ولا يبالي نُسيت هذه المكارم وذهبت ، ولكن نسأل الله عزوجل أن يبقيها وأن يبارك فيها وأن يرحم الأمة في غربتها فالمقصود من هذا أن إكرام الضيف محمدة ومنقبة وشيمة من شيم الإسلام وخلق من أخلاقه العظام التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها .

وبيّن المصنف رحمه الله أنه تجب ضيافة المسلم هذه الضيافة متعلقة بباب الأطعمة لأن أهم ما في الضيف إطعامه وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما دخل المدينة تحدث بأربع كلمات أول ما وطئت قدمه المدينة بقباء قال: [ أيها الناس أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا جنة ربكم بسلام ] فبيّن أن إكرام الضيف وإطعام الطعام أمان للإنسان ، تدخلوا جنة ربكم بسلام قيل معناه: أنه يُنجَّى العبد من أهوال القيامة حتى يدخل الجنة سالماً وهذا فضل عظيم لإطعام الطعام ولذلك قالوا في الحكمة وأثر هذا حتى عن بعض أئمة الإسلام ذكر هذا أبو نعيم في الحلية قال بعض العلماء من أئمة الحديث : والله ما سبق من سبق ـ يعني من الرعيل الأول ومن السلف الصالح ـ إلا بإطعام الطعام وإفشاء السلام.اهـ أي: خلق الكرام أي أنهم سادوا وعزوا بهذه الخصلة وفي بعض الروايات : إلا بكف الأذى وبذل الندى . يعني ما سادوا ولا نالوا الشرف إلا بهاتين الخصلتين كف الأذى وبذل الندى ووالله ما أصيبت الأمة في مقتلها بشيء مثل أذية المسلمين بعضهم لبعض والبخل فهذان الأمران قاصمان للظهور ولذلك لما تفشى بين المسلمين استهانة بعضهم بحقوق بعض بالسب والشتم والتهم والقذف والأذية والتعرض بالشر نزع من الأمة الخير والبركة ، لكن إن شاء الله لا يزال الخير والبركة موجودة إن شاء الله لكن ليس كالرعيل الأول الذين كانوا يعظمون أمر الإسلام ثم الأمر الثاني بذل الندى ، وبذل الندى هو الجود والسخاء والكرم فبيّن المصنف رحمه الله أن ضيافة المسلم واجبة وضيافة المسلم تكون بالحس وبالمعنى ، فالضيف له حق أن يُكْرَم ، ويُكْرمه من يضيفه حساً ومعنىً ، الإكرام الحسي مثل الطعام إطعامه وسقيه وحمله على الدابة وتشييعه تخرج معه تشيعه وتستقبله حينما يأتي هذا إكرام حسي ، الإكرام المعنوي إعزازه توقيره إجلاله إن كان له حق كذي الشيبة من المسلمين والعالم ومن له فضل على الإنسان ونحو ذلك فهذا من الإكرام المعنوي يجلسه في تكرمته وأن يشعره بأنه تفضل عليه بدخول بيته وإصابة كرامته ونحو ذلك من الأمور المعنوية ، ولا يضجره ولا يسئمه ولا يهينه فهذا كله من إكرام الضيف والواجب على المضيف أن يحفظ حق الضيف ولذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ثلاثة لهم علي حق:

طبعاً العالم الذي علمه ولا إشكال .

ورجل نزلت به حاجة وفاقة مديون معسر أو نزل به كرب فجاءني فاختصني من دون الناس ، انظروا كيف النفوس الكريمة هذا حبر الأمة العالم العامل يقول إذا احتاجني أحد في حاجة وجاءني له فضل علي أحس أنه له فضل علي لأنه اختصني من بين الناس وهذا ما أستطيع أن أكافئه يقول كونه اختصني من بين الناس هذا يعني أمر عظيم .

والضيف إذا نزل لا شك أنه إذا أصاب طعام الإنسان ورضي به حل في كرامته وهذا فضل من الضيف على مضيفه هذا من باب المبالغة في إكرام الضيف ألا يشعر المضيف أن له فضلاً عمن ضيفه ولا يتمنن عليه ولا يفعل الأفعال التي تدل على أن له يد بل إنما يفعل ذلك ويحس أن الضيف هو الذي تفضل عليه وهو الذي شرفه وهو  الذي كرمه وهذا لا شك أنه حال الكمال .

وينبغي على الضيف أن يحفظ حق الضيافة فإذا نزل على من يضيفه فالواجب عليه:

أولاً : ألا يجلس إلا حيث يُجلسه ، هذه هي السنة إن أجلسه في صدر المجلس يجلس وإن أجلسه في طرف المجلس جلس فحيث يجلسه يجلس .

ثانياً : أنه إذا لم يجلسه رب الدار يجلس حيث ينتهي به المجلس هذه هي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقيم أحد ليجلس مكانه لكن لو أن أحداً قام من عند نفسه بإكرامه وأجلسه مكانه فلا بأس إنما المنهي أن يقيم الشخص أو يقال للشخص قم ، وتستثنى حالة وهي طبعاً صغار السن إذا جلسوا في مجالس لا تليق بهم مثل أن يجلسوا في صدر المجلس وهناك من هو أكبر سناً فحينئذ يجب عليهم أن يتركوا صدر المجلس لرب المنزل يُجْلس فيه من يشاء وهذه هي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام [ ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ] .

وتكرمة المجلس للعلماء فيها قولان:

القول الأول: أنه المكان الذي يقابل الباب المطل على داخل المنزل لأن هذا المكان يكشف عورة صاحب الدار وإذا دخل أو خرج انكشف من ستره فلذلك يؤذي صاحب الدار بالجلوس فيه فلا يجوز لأحد أن يجلس فيه إلا بإذن من صاحب الدار مثل أن يكون من الأرحام من أبناء العم من القرابة يجلسه فيه لأنه أرفق أو يكون بجوار الباب.

القول الثاني: أن تكرمة المجلس هو المكان الأفضل فمن عادة الناس أنهم يجعلون في أفضل المجلس علامة أو يميزونه إما بالفراش إما أن يميزونه بلون إما أن يميزونه بصفة معينة فهذا الموضع لا يجوز للإنسان أن يجلس فيه إلا إذا أجلسه فيه رب الدار وصاحب الدار لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ لا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ] فيجلس حيث ينتهي به المجلس إذا لم يجلسه رب الدار ، ويجلس حيث يجلسه رب الدار هذه السنة عند أول دخوله ثم إذا دخل عليه أن يكرم ضيوف رب الدار أو أهل الدار فلا يستهين بهم ولا يستخف بهم ، يحفظ حق رب الدار ، وبعض الضيوف إذا دخل صاح على الخدم وأمرهم أن يحضروا له الشيء ، والأدب أن يفعل ذلك رب الدار وليس هو ، ولذلك قالوا هذا ليس من آداب الضيف ثم إذا جلس عليه أن يحفظ حقوق المجلس فلا يرفع صوته فيؤذي أهل الدار ولا يصخب ولا يجهل في مجلس الرجل لأن مجالس الناس لها حقوق ولها كرامة فلا يؤذى الناس في مجالسهم ، وإذا كان عنده ضيف ينبغي على من يحضر أن يحفظ حرمة هذا الضيف وأن يحفظ حقه حتى لو كان بينه وبين هذا الضيف خصومة والذي أضافك له حق عليك فإنك تحاول أن تداري بحدود ، يعني تستطيع أنك لا تضيع فيها حق من ضيفك ومن دعاك فهذا مما ينبه عليه وذكروه في آداب الضيافة ، كذلك عليه ألا يعنت صاحب الدار بالسؤال عن الأمور التي لا ينبغي أن يُسأل عنها في خصوص الدار وأسرار البيوت ونحو ذلك لأن هذا فيه أذية بل عليه أن يتأدب في قوله كما يتأدب في مجلسه وعلى رب الدار أن يحفظ للضيف حقه فإذا دخل عليه أحد من أهل العلم أو أحد من حفظة القرآن عليه أن يرفع مجلسه وألا يضعه وأن يكرمه ولا يهينه فهذا الحب والتقدير لله وفي الله وخيار الأمة : علماؤها بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، العلماء ورثه الأنبياء فيكرمون ويُجلّون وإذا كان في مجلسه عالمٌ نبه الحضور على وجود العالم حتى يستفيدوا من علمه إذا كان العالم مهيأً لأن يفيدهم ويجيبهم وإلا امتنع من إحراجه ، كذلك أيضاً إذا كان الضيف الذي دخل عليه ذا شيبة وكبر سن في الإسلام يقدره ويوقره ويجلسه في صدر المجلس ولا يرفع عليه أحد دونه أصغر منه سناً لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [ إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم ] ونحن نتألم كثيراً خاصة في المناسبات العامة حينما تدخل في الزواجات ونحوها فتجد صدور المجالس قد تربعها الأحداث والشباب وصغار السن وتجد كبار السن في أطراف المجالس ولا يعبه بهم ولا يلتفت إليهم هذا ليس من إكرام الضيف ، وإذا كان الإنسان عنده زواج ودعا الناس عليه أن ينزل الناس منازلها ولا يترك الأمر هكذا همل بمجرد أن يأتيه ضيوفه يتركهم يدخلون يجلسون حيث شاءوا : لا ، ولكن تُرتّب مجلسك تعطي كل ذي حق حقه تجعل حفظة القرآن في مكان ، وأهل العلم في المكان الذي يليق بهم ، كبار السن في المكان الذي يليق بهم وبالأخص كبار السن الذين ضاعت حقوقهم بل أصبح البعض يتذمر نسأل الله السلامة والعافية ونعوذ بالله من موت القلوب من مجيء كبار السن والله إنهم رحمة وإنهم بركة وإنهم خير وكم فيهم ممن إذا دعا لم ترد دعوته فهم أقرب إلى الخشوع قال بعض العلماء في قوله عليه الصلاة والسلم [ وليؤمكم أكبركم سناً ] وفي السنة أيضاً في التقديم [ أكبرهم سناً ] قالوا: لأن كبير السن أقرب إلى الآخرة فهو أخشع قلباً وأرضى لله عز وجل قولاً وعملاً ، فهؤلاء فيهم خير و بركة وهم ضعفة المسلمين وقد قال صلى الله عليه وسلم: [ وهل تنصرون إلا بضعفائكم ] ولولا شيبان ركع وبهائم رتع لصب العذاب على العباد والبلاد ، فهم فيهم بركة يجلون ويقدرون فترفع مجالسهم ، فالشاهد من هذا على المضيف أن يحفظ هذا الحق لضيفه فإذا أضاف الناس ولم يبال بمنازلها فقد أهانهم وقالوا ينبغي للمضيف إذا دخل الضيف عليه أن يدله على مكان قضاء حاجته إذا كان ينام عنده وأن يدله على القبلة يعني مكان القبلة وأن يدله على وضوئه يحضر له الوضوء ومن شرف صاحب الدار أن يقوم بخدمة الضيف بنفسه ولذلك رمى النبي صلى الله عليه وسلم الوسادة لعدي ابن حاتم الطائي وهو على الكفر نصراني فانتزع من قلبه ما فيه ، فما ملك إلا أن قال عدي: أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله لأنه رأى أخلاق النبوة من النبي صلى الله عليه وسلم فرمى له بالوسادة صلوات الله وسلامه عليه وهو على الكفر فأكرم ضيفه ، قالوا: الأكمل أن المضيف يتولى القيام على الضيف ولذلك إبراهيم الخليل عليه السلام بنفسه ذهب ليحضر الطعام ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال: ألا تأكلون ) قربه إليهم هو الذي راغ ، والروغان: السرعة في إحضاره ، ولذلك قالوا يسرع بالطعام ويحضر الطعام ناضجاً ويتولى إكرام الضيف بنفسه لأنه ليس المقصود أن يتولى هو إنما المقصود إعطاء دلالات وأمارات على حبه لهذا الضيف وفرحه به ولذلك كره بعض العلماء إذا مُدَّ الطعام أن يقوم أحد الضيوف بتقطيع اللحم أو تقسيم الطعام على بقية الضيوف دون إذن من رب الدار قالوا: لأن الأصل أن المال ماله والذي لهذا الضيف أن يأكل ، أما أن يأخذ اللحم ويوزعه ويقسمه ويتولى أمور الضيف قالوا هذا ليس له ونُصَّ على ذلك وفي منظومة الآداب ذكر أقوال العلماء رحمهم الله وأشير إلى هذا وبعض الناس يمتنع من هذا ، ولذلك من حقه أن يمتنع أنه لا يقطع له اللحم أو لا يعطى له الطعام بل حتى ولو من رب الدار لكن من حيث الأصل أن رب الدار هو الذي يخدم ضيوفه وهو الذي يقوم عليهم قالوا هذا أكمل في الضيافة وأكمل في القيام بالحق والرعاية ، ومن عجيب ما كان من عادات العرب أنهم ذكروا عن رجل كان من أعز الناس شرفاً نزل بحي من أحياء العرب معروف بالكرم فبمجرد أن أقبل عليهم تسابق الخدم وأهل البيت إلى إنزاله وإكرامه وأخذوا بخطام دابته حتى أنزلوه فلما طعم وأخذ ضيافته وبات عندهم ثم لما أراد أن يرتحل لم يقم له أي أحد ولا رُفع له متاعه ولا رُحّل له رحله ، أبداً..! تركوه بنفسه يضع الرحل ويرتحل فعجب ، فقال: المعروف عنكم الكرم وإني عجبت مما صنعتم أتيتكم فأنزلتموني وأكرمتموني وارتحلت عنكم وما منكم من أحد يتحرك قالوا: نعم إنّا ننزل الضيف ونكرمه ولكن ما نُرحله قالوا: لأن الترحيل فرحٌ أنه يمشي ، البخيل يسبق الضيف بخروجه لكن الكريم يمتنع قالوا: ما يريدونه أن يرتحل ولذلك تأخروا ما منهم من أحد قام و لا أحد ساعده لكي يطيل المكث والقعود ، معاني شريفة ونفوس عالية سامية فكانوا يأخذون بالأحاسيس حتى كانوا يذمون الرجل إذا صاح على أحد بحضور الضيف لا يصيح إلا إذا كان في الكرامة أن يصيح بهم على الطعام أو كذا أو في الملامة على إهانة الضيف ولذلك كما في الصحيح في قصة أبي بكر رضي الله عنه أنه أضاف قوماً فنزلوا في بيته ثم مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسهر عنده فتأخر والضيوف ينتظرون مجيء أبي بكر فقام عبد الرحمن رضي الله عنه وأرضاه وهيأ الطعام فامتنع الضيوف ، قال: ما يأكلون حتى يحضر رب الدار ،وهذه عادة موجودة أنهم لا يأكلون إلا بحضور المضيف فأصبح عبد الرحمن رضي الله عنه في حيرة فالضيوف لم يأكلوا وأبوه أمره أن يبادر بإكرام ضيفه ، فلما جاء أبو بكر رضي الله عنه من عند النبي صلى الله عليه وسلم والقصة في الصحيح اشتط غضباً على ابنه عبدالرحمن وهم أن يضربه مع أنه رجل حتى إن عبد الرحمن تخفى وقال: أنت غدر من شدة حنقه عليه لماذا..؟ لأنه لم يُطعم ضيفه فهذا الغضب أمام الضيف من باب الإحتفاء بالضيف لكن يقولون من أقبح ما يكون أن يضرب أحداً بحضور الضيف أو يسبه أو يرفع صوته عليه ، كله إكرام لهذا الضيف ، وإذا جاء الضيف ما يفعل عنده أي شيء يشعر بأن مكانته قد نزلت أو منزلته قد انحطت وكل هذا والله من محاسن العادات ومن شيم الكرام وأخلاق أهل الإسلام نسأل الله بعزته وجلاله أن يرزقنا حسن الخلق وأن يوفقنا له إنه ولي ذلك القادر عليه ، قوله (يوما وليلة) هذا حق الضيف وثلاثة أيام على الأكمل كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن  [ الجائز كالضيف يوماً وليلة ] وثلاثة الأيام للضيافة يعني الأكمل والأفضل هذا بالنسبة للأصل في الضيافة في حدها الوارد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم .